كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تفويض المنظمة أم تحويلها إلى سلطة؟

تفويض المنظمة أم تحويلها إلى سلطة؟

تاريخ النشر: 2018-10-24 | 09:17

من المقرر أن يعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير اجتماعه الثاني يومي 28 و29 من الشهر الجاري، وسط رفض كبير ومقاطعة واسعة لعقده من دون توافق على متطلبات أن يكون خطوة إلى الأمام لا إلى الخلف، خصوصًا من الفصائل التي أعلنت مقاطعتها، سواء ستقاطع كليًا، أو تحضر بشكل رمزي كاحتجاج من دون مقاطعة كاملة ولا مشاركة كاملة. وهناك تخوف من أن يتخذ المجلس قرارات فئوية تزيد الانقسام انقسامًا، وتمضي في تحويل المنظمة إلى سلطة وليس تفويضها بصلاحيات السلطة. لو تم دحر الاحتلال وتجسيد الدولة عبر تحقيق الاستقلال الوطني كان من المفهوم التفكير بتغيير دور المنظمة لتكون مثل "الوكالة اليهودية" بعد إقامة إسرائيل، ولكان هذا يمكن قبوله، أما أن يحل المجلس المركزي محل المجلس التشريعي فهذه خطوة من شأنها، إن حصلت، تقويض ما تبقى من المنظمة.

في ظل الظروف القائمة كان ولا يزال من المفضل تأجيل عقد المركزي، والشروع في الحوار الوطني للاتفاق على مجلس وطني جديد على أساس توافق وطني على حل الرزمة الشاملة، ولكن هذا غير متيسر حتى الآن.

وفي ذات السياق، أفادت بعض المصادر أن التهديدات باتخاذ عقوبات شاملة على القطاع قد جمدت، أو أجلت، بعد التدخلات المصرية والعربية والدولية، وبكل أسف، والإسرائيلية، وبعد أن تجاوز المجتمع الدولي السلطة بالسماح الإسرائيلي بدخول الوقود القطري بموافقة دولية وإقليمية وعربية، ولكن العقوبات لن تسحب من التداول، بل يمكن تشكيل لجنة أو لجان في اجتماع المركزي لدراسة متى وكيف يمكن فرضها.

مصدر اللبس في المشهد الفلسطيني ما قرره المجلس الوطني أثناء انعقاد جلسته الأخيرة، وبصورة غير قانونية بتحويل صلاحياته كاملة للمجلس المركزي، مع أن الموكل لا يوكل، وإذا وكّل يوكّل جزءًا من صلاحياته، ولفترة محددة. وتم ذلك بحجة تمكينه من الانعقاد والعمل بسرعة وفاعلية، في حين أن القصد الحقيقي من ذلك تمكين الرئيس من الاستحواذ على المزيد من الصلاحيات بين يديه، ومن تمرير قرارات من نوع حل المجلس التشريعي، وتفويض صلاحيات "الوطني" للمجلس المركزي للمنظمة، حسب "توصية" المجلس الثوري لحركة فتح في اجتماعه الأخير، مع أن هناك من شكك بأن المجلس الثوري قد تبنى مثل هذه "التوصية".

في كل الأحوال، من الناحية القانونية الإجرائية لا يحق للمجلس الثوري لفتح التوصية للمجلس المركزي، فهو هيئة تابعة لفصيل، حتى لو كان الفصيل الأكبر، بل من يمكنهم أن يوصوا هم أعضاء المجلس المركزي من حركة فتح في حال تبنت لجنتها المركزية هذه التوصية.

التبرير الأساسي الذي يقدم لدفع المجلس المركزي للإقدام على حل المجلس التشريعي أن المنظمة هي المرجعية العليا للسلطة، وأن المجلس المركزي هو الذي أنشأ السلطة.

إن المجلس المركزي لم يكن مفوضًا أصلًا بإنشاء السلطة، أي أن إقدامه على ذلك حينذاك مخالفة قديمة، لأن التفويض الذي كان قد حصل عليه في اجتماعات المجلس الوطني التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو، ينحصر بتفويض صلاحيات محددة بالعملية السياسية. وأعتقد أن إنشاء السلطة أمر أكبر من ذلك بكثير، وكان يستوجب عقد المجلس الوطني، ولكن القيادة تجنبت ذلك، لأنها لم تكن متأكدة تمامًا من قدرتها على تمرير اتفاق أوسلو في المجلس الوطني، أو أن تمريره سيكون بصعوبة وضجة، خصوصًا في ظل المعارضة الفلسطينية والعربية الواسعة له. ولا تنسوا أن المعارضة حينذاك شملت شخصيات وازنة وفصائل وقطاعات لا بأس بها، بما في ذلك في "فتح" وغيرها، وشملت شخصيات مثل محمود درويش، وإدوارد سعيد، وشفيق الحوت، ودولًا مثل العراق وسوريا وليبيا، فلم يكن" الربيع العربي" قد حل، ولا العراق قد احتل.

قضية أخرى كبيرة: كيف يمكن لمجلس غير منتخب حل مجلس منتخب؟

هنا لا ينفع الحديث البرهنة على أن بمقدوره ذلك بالإشارة إلى وجود صلاحية للمحكمة غير المنتخبة بحل مجالس منتخبة، فالمقارنة لا تنفع، إذ إن الحديث يجري عن مجلسين تمثيليين: أحدهما منتخب، والآخر غير منتخب، وأثيرت على طريقة تشكيله (أي المركزي) ملاحظات جوهرية، وقاطعته فصائل أساسية من فصائل المنظمة، ولم تدعَ إليه فصائل أساسية مثل "حماس" و"الجهاد"، ما يجعل شرعيته على الأقل ناقصة، إن لم نقل أكثر.

فهناك فرق بين دعوة أعضاء كتلة التغيير والإصلاح الذين ينتمون لحماس لحضور المجلس الوطني، ودعوة أعضاء منهم كممثلين لــ"التشريعي" في المجلس المركزي، وبين دعوة "حماس" كتنظيم، أو "الجهاد" كتنظيم، علمًا أن الأخيرة غير ممثلة في "التشريعي" كتنظيم.

كما أن هناك تساؤلًا يطرح نفسه بقوة: لماذا الإقدام على قرار حل المجلس التشريعي المعطل أصلًا، لا سيما أن آثار وتداعيات هذا القرار ستكون وخيمة على مصداقية النظام السياسي، وعلى القضية والمنظمة والشعب؟ وما يزيد الطين بلة أن القرار إذا اتخذ سيكون نوعًا من الانتقام الشخصي والمناكفة، وسيأتي ردًا على تخوين الرئيس ونزع الشرعية عنه، وهذا يستوجب القول، إن الرد على خطأ جسيم لا يكون بارتكاب خطأ أكبر.

وهنا يمكن إثارة نقطة في منتهى الأهمية؛ إذا حُلَّ المجلس التشريعي، فلا يجوز أن يبقى نوابه أعضاء في المجلسين الوطني والمركزي، لأنهم حصلوا على هذه العضوية بسبب عضويتهم في المجلس التشريعي. وحتى لو تم الأخذ بالرأي القائل بأنهم سيحتفظون بعضويتهم إلى حين انعقاد المجلس المركزي واحتساب النصاب قبل اتخاذ قرار حل "التشريعي"، وربما إلى حين انعقاد دورة جديدة للمجلس الوطني إذا لم تسبقها انتخابات تشريعية جديدة، فإن من شأن حل "التشريعي" أن يفتح باب الخلاف واسعًا حول هذه النقطة، وأن يزيد التشكيك في مدى قانونية وشرعية عضويتهم في المجلسين الوطني والمركزي.

وإذا سلمنا جدلًا بأن من صلاحيات المركزي إنشاء، وبالتالي حل السلطة، فهذا لا بد أن يشمل كل السلطة، أي الرئيس و"التشريعي" وكل شيء، وليس حلًا انتقائيًا على مقاس الرغبات والمصالح ومتطلبات المناكفة وتعميق الانقسام، لأن تحويل المجلس المركزي إلى مجلس تشريعي يمثل ضربة قوية وخطوة واسعة إن حدثت على طريق تحويل وإدماج المنظمة في السلطة، في حين كنّا بحاجة إلى العكس تماما، أي إلى تقزيم السلطة ونقل وظائفها السياسية للمنظمة من أجل إعادة الاعتبار للمنظمة بوصفها ممثلًا للشعب الفلسطيني أينما تواجد وليس ممثلًا لفريق، ما يهدد بإنهاء المكانة التمثيلية للمنظمة.

هل ستحصل حكومة السلطة بعد حل المجلس التشريعي على الثقة من المجلس المركزي، وبذلك يتم تقديم البرهان الملموس على أننا بصدد تحويل المنظمة إلى سلطة، أو الأصح استكمال سيطرة السلطة على المنظمة، أم يتم الاكتفاء بحصولها على ثقة الرئيس؟ وكيف يكون الخصم والحكم وكل السلطات في يديه؟ ونفس التساؤل مطروح بالنسبة لموازنة السلطة. وإذا تم ذلك ألا يهبط أيضًا بالمنظمة من كونها ممثلًا للشعب الفلسطيني إلى ممثل للضفة الغربية وقطاع غزة، وبخاصة في ظل الدعوات لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الضفة فقط، بذريعة تعذر إجرائها في القطاع، والأدق للضفة وبعض الأشخاص من بقية المناطق، خصوصًا من الذين يقيمون في الضفة، أو قادرين على الحصول على تصاريح إسرائيلية تمكنهم من زيارتها؟!

إن حل التشريعي من دون انتخابات فورية فضلًا عن مخالفته للقانون الأساسي للسلطة فإن تفويض صلاحياته للمركزي يؤدي إلى تجميد أو حتى إلغاء عملي للقانون، وهو الأمر الذي يطرح سؤالًا حول ما هي المرجعية القانونية للسلطة/الدولة؟

وماذا عما كان يقال منذ سنوات، وتحديدًا منذ الحصول على الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية بصفة مراقب، عن الانتقال بالسلطة وتحويلها إلى دولة تحت الاحتلال، وما هي استحقاقات ذلك. فالدولة حق وما يمنع تجسيدها وجود الاحتلال وليس إصدار قرار جديد بإقامتها، وحق لا يجب أن يخضع للتفاوض، وحصلت على العضوية المراقبة في الأمم المتحدة، وقرارات المجلسين الوطني والمركزي تضمنت إنهاء العلاقة مع الاحتلال، وغيره من القرارات، ولكنها اتخذت ولم تطبق، حيث يتم ترحيلها من اجتماع إلى آخر، ومن لجنة إلى أخرى.

لتفسير ذلك، لا بد من القول بأن التنسيق الأمني وبقية الالتزامات المترتبة على أوسلو هي بوليصة التأمين لحياة واستمرار السلطة، وأن التخلي عنها من دون بديل وطني يتمثل بإعادة بناء مؤسسات المنظمة لتضم مختلف ألوان الطيف السياسي، وعلى أسس وطنية، وديمقراطية توافقية، وشراكة حقيقية كاملة، وإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها وموازنتها لكي تكون أداة في يد المنظمة الموحدة، وخدمة البرنامج الوطني الذي في مركزه إنهاء الاحتلال؛ سيكون قفزة في المجهول أو إلى الهاوية.

لا يجب نسيان أو تجاهل أن إسرائيل تجاوزت اتفاق أوسلو كليًا منذ زمن بعيد، ولا تقدم على إلغائه رسميًا حتى لا تتحمل المسؤولية عن جريمة قتله، وحتى تطالب باستمرار الالتزامات الفلسطينية فيه، ولتقطع الطريق على قيام الفلسطينيين باختيار خيارات أو بدائل أخرى.

فالبديل الوحيد عن أوسلو التي تدفع إليه إسرائيل وسيسير فيه الفلسطينيون إن لم يغيروا ما بأنفسهم، إن لم يكونوا قد ساروا فيه فعلًا، هو ليس الدولة الفلسطينية، ولا الدولة الواحدة، ولا تحقيق الحقوق المتساوية والعدالة، وإنما التكيف والتعايش مع ما بعد أوسلو، أي مع الوقائع المترتبة على أكثر من سبعين سنة على النكبة، وأكثر من خمسين سنة على الاحتلال، بما يترتب عليه من قبول الحكم الذاتي والمعازل والانقسام، والتعايش مع الوقائع الاستعمارية الاستيطانية العنصرية التي بلغت الذروة بإقرار "قانون القومية"، و"صفقة ترامب"، في محاولة لإقامة "إسرائيل الكبرى" بضم الضفة أو معظمها، وإبقاء المعازل الباقية المتنازعة فيما بينها والمكتظة بالسكان تحت سيطرتها ورحمتها، ويمكن أن ترتبط مع بعضها ومركزها معزل غزة، أو لا ترتبط به ومع بعضها، ولكن من دون هوية وطنية وحقوق وكيان واحد.

في ضوء ما سبق وغيره، فإن ما يمكن أن يؤدي إليه حل "التشريعي"، أو فرض عقوبات جديدة على القطاع، وعدم رفع العقوبات السابقة، والمضي في عقد تهدئة اتفرادية، هو الإسهام في إفشال، أو حتى القضاء، على المحاولات والجهود والمبادرات لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، خصوصًا المبادرة المصرية، والإسراع في تحول الانقسام إلى انفصال بدلًا من عمل كل ما يلزم لتوفير متطلبات إحباط المخططات الأميركية والإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية، وعلى رأسها إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط