كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تقارب تركيا و إيران ... هل سينهي الأزمة السورية ؟؟

تشهد العلاقات التركية الإيرانية نقلة نوعية في أعقاب زيارة أردوغان إلى الإيران ، التي أجرى خلالها محادثات مع المسؤولين الإيرانيين السيد علي خامنئي والرئيس روحاني ، ولعل ما يُميز هذه الزيارة أنها ستساهم في تلطيف وتحسين العلاقات بين البلدين ، وسُتعيد الإعتبار لدور تركيا في المنطقة بإعتبارها لاعباً أساسياً ورقماً لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط ، وقد تشكل نافذة آمنة وبداية حل للأزمة السورية نتيجة الوقائع المستجدة في المنطقة .

ومن هنا فإن الإنفتاح التركي على إيران يدلل على الأهمية التي توليها تركيا لعلاقتها مع إيران ، كون المباحثات تركزت حول التجارة والطاقة والإقتصاد ، ليس من ينكر بأن تركيا وإيران تُعدان من أهم الدول المؤثرة في منطقة الشرق الأوسط ، لما يتمتعان به من موقع إستراتيجي ، ومكانة إعتبارية بين دول المنطقة ، لذلك فمن الطبيعي أن تُبنى العلاقات بينهما على قاعدة الإبتعاد عن حافة الصدام ، وإيجاد حل للخلافات العالقة بينهما خاصة وأن النظام الشرق أوسطي الجديد ، محكوم بالتوافق الإيراني التركي بكونهما إمتداداً للنظام الإسلامي المرتبط بالإرث التاريخي للطرفين ، وإن كان قد طرأ عليها بعض التوتر نتيجة التباين الواضح في المواقف السياسية ، خصوصاً فيما يتعلق بالأزمة السورية ، ويرى بعض المحللون أن التقارب التركي الإيراني يعد تحولاً إستراتيجياً في المنطقة ، كون التفاهم الإيراني التركي قد يحمل رؤى جديدة متناغمة لهيكلية النظام الإقليمي المحتمل في الشرق الأوسط .

يترقب المحللين السياسيين والمهتمين بالشأن السوري بدقة وحذر التداعيات المحتملة للقرارات الأخيرة التي إتخذتها تركيا تجاه العديد من الملفات الرئيسة التي تعد طهران قاسماً مشتركاً فيها ، فقد إقتربت بشكل كبير من مواقف إيران بشأن الأزمة في سورية ، وأصبح يسود إعتقاد لدى صناع القرار في أنقرة بأن الأزمة في سوريا باتت حرباً بالوكالة إقليمية ودولية ، التي تلعبها القوى الإقليمية على الساحة السورية ، من خلال دعم وتأييد أطراف معينة في ساحات القتال وميادين السياسة على حساب الأطراف الأخرى ، في نسخة مكررة من المشهدين اللبناني والعراقي ، فتركيا على الرغم من قوتها المحورية كدولة إقليمية شعرت بضعفها إزاء الأزمة السورية وعدم إستطاعتها من لعب الدور الريادي في حسمها ، وكذلك عدم استطاعتها من إقناع حلفائها في ذلك.

عندما بدأت الأزمة السورية وقفت كل من تركيا وإيران على النقيض منها ، كل طرف له أسبابه ودوافعه وإستراتيجيته المختلفة ، فطهران أعلنت دعمها الكامل للنظام السوري ، وهذا طبيعي وخاصة في ظل التحالف القائم بين الجانبين منذ أكثر من ثلاثة عقود ، وعلى العكس تماماً تحركت أنقرة في كل الإتجاهات لإسقاط هذا النظام ، وإنتهجت القيادة التركية لهجة غير مسبوقة في رفع اللاءات وإعطاء المهل والفرص ، فكل طرف رأى أن ما يجري في سوريا يمس أمنه القومي والوطني ، وبذلك تحولت الأزمة السورية إلى صراع إرادات بين أنقرة وطهران وسط حرص شديد من الجانبين على عدم الصدام بينهما نظراً لحجم المصالح والقضايا المشتركة بينهما ، واليوم يرى المهتمين بالسياسة التركية بأن أنقرة ضبطت ساعتها على توقيت الغرب مع طهران بعد توقيع إتفاق جنيف النووي ، بما يمنح آنقرة القدرة على التقليل من حدة الخلافات التي باتت تربطها بأغلب جوارها الجغرافي ، ويدعم التوجهات الخاصة بإعادة ضبط وتيرة علاقاتها الإقليمية خصوصا مع طهران وبالتالي مع دمشق ، وبموازاة ذلك كشفت القيادة الإيرانية بأن الحكومة التركية قد بدأت في مساعي إعادة علاقاتها مع الحكومة السورية مستعينة بوساطة إيرانية وعراقية ، إلى جانب رسائل مباشرة صدرت عن مسؤولين كبار في أنقرة ، تتحدث عن رغبة تركية بالتراجع عن مواقفها السابقة إتجاه سوريا ، لكن هذا التوجه مازال بحاجة إلى خطوات عملية تعزز القناعة بالتحول السياسي والحد من التدخل في الأزمة السورية.

فالتطورات التي حدثت اليوم هامة على مستوى المنطقة كونها غيرت المعادلة السابقة ، فما جرى في مصر يوم 30 يونيو الماضي شكل ضربة للمشروع الإقليمي التركي ، وصدع العلاقات التركية بمعظم الدول الخليجية بالإضافة إلى الموقف الأميركي من الأزمة السورية والذي إنتهى بالتوافق مع روسيا على حل الأزمة السورية سياسياً ، هذا مما شكل خيبة أمل تركية إزاء قضية إسقاط النظام السوري ، فضلاً عن التقارب الأميركي الإيراني خاصة بعد إتفاق جنيف النووي ليغير الكثير من المعادلات ، فمجمل ما سبق إنعكس على الدبلوماسية التركية على شكل التوجه نحو إيران متطلعة إلى إستثمار مرحلة ما بعد إتفاق جنيف النووي ، وذلك بعد أن خلطت الأزمة السورية الأوراق والإصطفافات في المنطقة ، وأثرت على العلاقات المتبادلة بين الدول ، وقد ظهرت مؤشرات ذلك من خلال زيارة رئيس الوزراء التركي و وزير خارجيته الأخيرة إلى طهران تمثل في الدعوة إلى وقف إطلاق النار في سوريا ، حيث يمكن إعتباره من أوضح المؤشرات على التحول الذي بدأ يلمس في مواقف الأطراف ، وتراجع في موقف تركيا حيال سوريا ، يضاف إلى ذلك المساعي الأمريكية الروسية المتجهة نحو إقناع إيران والسعودية باعتبارهما جبهتين متقابلتين في سوريا للجلوس إلى مائدة الحوار، بغية الوصول إلى توافق لحل الأزمة السورية.

وفي سياق متصل بات الساسة الأتراك يرون إن الحل يكمن من خلال الحوار الإقليمي ، وهذا ما أكده أردوغان ، أثناء لقاءه الرئيس الإيراني في طهران مع العلم إن تركيا كانت ترفض أي حوار أو حلول مع الدول الإقليمية وخاصة روسيا وإيران بسبب دعمهما المفرط للنظام السوري ، وهذا يعد مؤشراً آخر على عودة الدبلوماسية التركية ، مع دول الجوار التي إنتهت فور إندلاع الأزمة السورية وتوتر العلاقات السياسية والأمنية والدبلوماسية والإعلامية بين البلدين ، والتي ترى نفسها غير قادرة على الإستغناء عن دول الجوار بسبب الملفات الداخلية والخارجية المرتبطة بالأزمة السورية والتي تؤثر فيها وفي سياستها الخارجية ، وبينما كان أردوغان يقول لمضيفيه في طهران إنها بلده الثاني ، مشيداً بموقفها والموقف الروسي من الأزمة السورية ومعلناً الإتفاق على محاربة الإرهاب .

كان الرئيس التركي يصرح للصحفيين المرافقين له في زيارته التي بدأها أثناء مفاوضات أردوغان في طهران إلى روما ، كاشفاً عن الهدف من زيارة روحاني إلى أنقرة وقال إنها ستتم في 28 فبراير الحالي، مؤكداً إن على إيران وتركيا التعاون وبذل الجهود لتسوية الأزمة السورية ، وأشار إلى وجود فرص متاحة لحل الأزمة السورية قائلاً : إننا إذا تعاونا بجدية وإخلاص يمكننا طرح مبادرة على المجتمع الدولي للحل في سوريا ، فنحن يمكننا جر الغرب للموافقة وإيران يمكنها إقناع الطرف الآخر ، وبذلك يمكنني القول أن موقف أردوغان في سورية سمح له بالحصول على صداقة العديد من الحلفاء الأقوياء في بداية الأزمة السورية ولكن هؤلاء تخلّوا عنه واحداً تلو الآخر ، فالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية تراجعا عن سياسة المواجهة مع إيران وسورية النظام ، وإعادة النظر في مواقفهما السابقة والتقرب من إيران وإعادة بناء تحالفات جديدة في المنطقة بأسرها .

في ضوء هذه المعطيات ليس غريباً أن تتراجع أنقرة عن مواقفها السابقة التي إتخذتها في بداية الأزمة السورية وتبحث عن تحالفات جديدة ، هذا مما أثار إستغراب حلفائها القدامى في قطر والسعودية خاصة ، وجاء هذا التحول بعد إعلان المسؤولين الأتراك أن الحل السياسي هو الأساس لحل الأزمة ، وهو موقف باتت تعبر عنه المواقف الإيرانية على الرغم من عدم دعوة طهران لمؤتمر جنيف2 الذي يبحث حلاً سياسياً في سوريا ، وفي السياق نفسه هناك فرصة جديدة تدعو إلى عمل وجهد مشترك بين كل من إيران وتركيا بشأن الأزمة السورية حيث بإمكانهما الإشتراك بتعاون صادق تقديم إقتراحات للمجتمع الدولي تؤخذ بالحسبان لحل هذه الأزمة ، ولا شك هذا أن التقارب سيدفع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري لممارسة مزيد من الضغط على المعارضة السورية لإقناعها بإبداء ليونة في الملف السوري ، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الفشل في التوصل إلى حل في الأزمة السورية سيعيق أي مشروع إقليمي يتعلق بالقضايا العالقة في المنطقة ، الأمر الذي تعتبره أنقرة من صميم إهتمامات تغيير مسار السياسة الخارجية التركية.

إن تركيا تحاول التطلع إلى إيران وروسيا من أجل التوصل إلى حل سلمي ينهي المشكلة السورية العالقة وقطع إمتداد لهيب الأزمة إلى داخل تركيا وجوارها بالرغم من توتر العلاقات الروسية التركية عقب حادث تفتيش الطائرة السورية ومصادرة العديد من الأجهزة الخاصة بوزارة الدفاع السورية ، وبالتالي فإن الإضطرابات في سوريا لا تسبب قلقاً لإيران وتركيا فقط بل للمنطقة بأسرها والعالم الإسلامي أيضاً ، بمعنى إن حل الأزمة السورية ليس مهماً للطرفين فحسب بل إنه يسعى إلى إرساء السلام والأمن وإنهاء النزاعات العسكرية في سوريا والمنطقة بوجه عام وبالتالي فإنه من البديهي أن يكون للعرب دور في النظام الإقليمي الجديد الذي يفترض أن يضم إيران وتركيا والسعودية إضافة لمصر الحريصة على أن تكون قوة فاعلة وقائدة إقليمية ضمن هذا كله ، لكن تبقي الدول العربية عاجزة في ظل غياب المشروع العربي القادر على تأسيس كتلة عربية متماسكة وقادرة على التنافس مع القوى الإقليمية القادمة لحماية مصالحهم وأهدافهم .

بقلم الكاتب جمال أيوب.

 

 

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط