كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تقرير: صمت ترامب الإعلامي يُصعّب خوض الحرب على إيران دون دعم شعبي

تقرير: صمت ترامب الإعلامي يُصعّب خوض الحرب على إيران دون دعم شعبي

تاريخ النشر: 2026-08-27 | 17:30

واشنطن: بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية على إيران، لا يرى المؤرخ الأمريكي جوليان زيليزر أن المشكلة التي تواجه الرئيس دونالد ترامب تقتصر على كلفة الحرب أو غياب نهاية واضحة لها، بل تمتد إلى عجز إدارته عن تقديم رواية متماسكة تشرح للأمريكيين لماذا يخوضون هذه الحرب، وما الذي يُطلب منهم تحمّله من أجلها.

وفي عمود رأي نشرته مجلة Foreign Policy في 24 أغسطس/آب 2026، يقارن زيليزر، أستاذ التاريخ والشؤون العامة في جامعة برينستون، بين الطريقة التي يدير بها ترامب حرب إيران وبين تجربة الرئيس فرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية، عندما سخّرت الإدارة الأمريكية الثقافة الشعبية، وصولًا إلى شخصية دونالد داك، لحشد الرأي العام وتفسير أسباب التضحيات المطلوبة منه.

حرب بلا رواية مقنعة

بحسب زيليزر، دخلت الحرب على إيران شهرها السادس بعدما كلّفت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 35 مليار دولار، وربما أكثر بكثير، من دون أن تلوح نهاية واضحة في الأفق. وفي الوقت نفسه، تبدلت المبررات التي تقدمها الإدارة الأمريكية للحرب؛ فما بدأ بوصفه مهمة للقضاء على القدرات النووية الإيرانية تحول تدريجيًا إلى هدف يتمثل في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، رغم أن الممر المائي لم يكن مغلقًا قبل اندلاع الحرب.

ويرى الكاتب أن المشكلة الأعمق تكمن في أن ترامب لم يبذل جهدًا مستدامًا لإقناع الجمهور الأمريكي بأسباب الحرب أو صياغة قضية سياسية يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام. ويشير إلى أن الرؤساء الأمريكيين، حتى عندما خاضوا حروبًا مثيرة للجدل أو استند بعضها إلى معلومات خاطئة، أدركوا عادة أهمية تقديم تفسير يوضح للمواطنين لماذا ينبغي إنفاق الأرواح والأموال الأمريكية في الخارج.

روزفلت: الحرب تحتاج إلى تعبئة المجتمع

يستحضر زيليزر تجربة فرانكلين روزفلت بوصفها النقيض التاريخي لطريقة ترامب. فمع أن الحرب العالمية الثانية بدت لكثير من الأمريكيين حربًا ذات غاية أخلاقية واضحة تتمثل في هزيمة الفاشية، لم تفترض إدارة روزفلت أن وضوح الخطر يكفي وحده لضمان استمرار التأييد الشعبي.

كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى تعبئة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة لتمويل الحرب ضد ألمانيا واليابان. وفي عام 1942 أنشأت الإدارة مكتب معلومات الحرب لتفسير مختلف عناصر المجهود الحربي، من التجنيد الإجباري والعمل في المصانع إلى البطاقات التموينية وضبط الأسعار والضرائب. وفي الوقت نفسه، وسّع الكونغرس نظام اقتطاع الضرائب من المصدر، فارتفع عدد دافعي الضرائب من أربعة ملايين شخص عام 1939 إلى 43 مليونًا بحلول عام 1945، بينما بلغ الإنفاق الفيدرالي الشهري على الحرب 7.7 مليار دولار بحلول يونيو/حزيران 1943.

لم تكن المسألة، وفق هذه المقاربة، مجرد جمع الأموال، وإنما إقناع الأمريكيين بأن الأموال التي تقتطع منهم ترتبط مباشرة بمجهود حربي ضروري.

عندما دخل دونالد داك المعركة

هنا ظهرت الثقافة الشعبية بوصفها أداة سياسية. فقد نسق وزير الخزانة هنري مورغنثاو الابن مع منتجي الأفلام ووكالات الإعلان والفنانين للوصول إلى الجمهور. وكتب الموسيقار إيرفينغ برلين أغنية دعائية بعنوان «دفعت ضريبة دخلي اليوم»، فيما خصص برنامج «بيرنز وألن» الإذاعي حلقات أدخل فيها دفع الضرائب وشراء سندات الحرب ضمن حبكة البرنامج.

لكن المثال الأكثر دلالة كان فيلم الرسوم المتحركة «الروح الجديدة»، الذي أنتج خلال أربعة أسابيع وعُرض في أكثر من 12 ألف صالة سينما عام 1942، ولعب بطولته دونالد داك. وفي الفيلم، يُشرح للشخصية الكرتونية أن دفع الضرائب ليس مجرد واجب، بل مساهمة مباشرة في الدفاع عن الديمقراطية، قبل أن يُظهر الفيلم كيف تتحول أموال الضرائب إلى أسلحة ومعدات تستخدم في الحرب ضد ألمانيا النازية.

وامتدت التعبئة الثقافية إلى مجالات أخرى. أنتجت ديزني عشرات الأفلام المرتبطة بالحرب، وغنت فرقة «أندروز سيسترز» أعمالًا مرتبطة بالتجنيد، ودخلت الحرب إلى قصص «سوبرمان» المصورة، فيما ظهر «كابتن أمريكا» على غلاف عدده الأول عام 1941 وهو يلكم أدولف هتلر.

ولا يزعم زيليزر أن هذه الحملات هي التي صنعت وحدها التأييد الأمريكي للحرب العالمية الثانية؛ فالأمريكيون كانوا يدركون حجم التهديد الذي تمثله ألمانيا واليابان، كما جعل التجنيد الإجباري ملايين الأسر مرتبطة مباشرة بالحرب. لكن أهمية تلك الحملات، في رأيه، أنها أبقت أمام الجمهور صورة واضحة لما هو على المحك، وربطت الضرائب والعمل في المصانع والقتال في الجبهات بهدف سياسي وعسكري مفهوم.

بين الإقناع والدعاية

يقر الكاتب بأن استخدام الدولة أدوات الاتصال والثقافة الشعبية لحشد المواطنين ينطوي على إشكالية واضحة. فهناك خط فاصل بين إقناع الجمهور بقضية مشروعة وبين استخدام الدعاية لتسويق سياسات قائمة على معلومات مضللة.

ويستشهد في هذا السياق بالطريقة التي روجت بها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش لقضية أسلحة الدمار الشامل قبل غزو العراق عام 2003، مقابل التعبئة التي رافقت الحرب العالمية الثانية، والتي اعتبرها كثير من الأمريكيين دفاعًا عن قضية عادلة. ومع ذلك، يرى زيليزر أن القاسم المشترك بين الرؤساء الأكثر فاعلية كان قدرتهم على شرح موقفهم وتفسير أسباب قراراتهم أمام الجمهور.

ترامب و«العرض المنفرد»

في المقابل، يرى زيليزر أن ترامب تعامل مع حرب إيران وكأنها «عرض منفرد»، من دون خطة سياسية متماسكة أو تبرير ثابت، مع اهتمام محدود ببناء قاعدة تأييد شعبي للحرب.

ويزداد هذا الأمر أهمية، وفق الكاتب، لأن واشنطن استخدمت القوة العسكرية من دون أن يسبق ذلك هجوم إيراني استباقي يبرر الحرب، بما يعكس تصورًا واسعًا للغاية لصلاحيات الرئيس في استخدام القوة، يقوم عمليًا على افتراض أن قرار الرئيس يصبح صحيحًا لمجرد أن الرئيس هو من اتخذه.

وتظهر النتائج، بحسب المقال، في الداخل الأمريكي. فقد تراجع التأييد الشعبي للحرب، وانخفضت معدلات تأييد ترامب، وازدادت الضغوط على أعضاء الكونغرس لإنهاء الصراع، فيما أبدى حتى بعض الجمهوريين المعروفين بمواقفهم المتشددة في قضايا الأمن القومي ترددًا في تلبية المطالب المالية التي تقدمت بها الإدارة لمواصلة الحرب.

عندما تصل الحرب إلى خزان الوقود

لا تحتاج الحرب، في هذه الحالة، إلى نشر أعداد ضخمة من القوات البرية على غرار فيتنام أو العراق حتى تصبح كلفتها محسوسة لدى المواطنين. فوفق زيليزر، أدت الحرب إلى خسائر بشرية، وأسهمت في خلق حالة شديدة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وأنتجت تداعيات اقتصادية بات الأمريكيون يشعرون بها مباشرة عندما ترتفع تكلفة ملء خزانات سياراتهم بالوقود أو تصبح فاتورة الغذاء أكثر عبئًا على أسرهم.

وهنا يصبح السؤال السياسي الذي تواجهه الإدارة أكثر إلحاحًا: لماذا يتعين على الأمريكيين تقديم كل هذه التضحيات من أجل إيران؟

درس دونالد داك

المفارقة التي يبني عليها زيليزر مقاله هي أن شخصية كرتونية استُخدمت قبل أكثر من ثمانية عقود لتفسير علاقة الضرائب بالحرب قد تحمل درسًا سياسيًا لإدارة تمتلك اليوم أدوات اتصال تفوق بما لا يقاس ما كان متاحًا لإدارة روزفلت.

فالدرس ليس أن على ترامب إنتاج نسخة حديثة من «دونالد داك»، وإنما أن خوض حرب طويلة ومكلفة يحتاج إلى أكثر من امتلاك القوة العسكرية واتخاذ القرار باستخدامها. يحتاج الرئيس أيضًا إلى إقناع المواطنين بسبب الحرب، وتحديد أهدافها، وشرح العلاقة بين التضحيات المطلوبة والنتائج التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.

ويخلص زيليزر إلى أن تجاهل ترامب لهذه القاعدة التاريخية، إلى جانب نهجه التصادمي والتجاري في السياسة الخارجية، ترك إدارته والولايات المتحدة عالقتين في ما يصفه بـ«مستنقع مكلف ومربك» من صنع الرئيس نفسه.

وبهذا المعنى، فإن المقارنة التي يقدمها المقال ليست بين روزفلت وترامب في طبيعة الحربين أو مشروعيتهما، بقدر ما هي مقارنة في مفهوم القيادة السياسية زمن الحرب: فالقوة تستطيع بدء الحرب، لكن استمرارها يتطلب رواية يفهمها المجتمع ويقتنع بأن ما يُطلب منه دفعه يرتبط بهدف واضح يمكن الدفاع عنه.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط