كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تقرير: معركة "الصخور والرقائق".. حرب باردة جديدة بين واشنطن وبكين حول التكنولوجيا والمعادن

تقرير: معركة "الصخور والرقائق".. حرب باردة جديدة بين واشنطن وبكين حول التكنولوجيا والمعادن

تاريخ النشر: 2026-08-26 | 22:36

عواصم: يتجه التنافس بين الولايات المتحدة والصين نحو مرحلة جديدة تتجاوز الخلافات التجارية التقليدية إلى صراع أوسع على الموارد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، في مشهد يحمل بعض سمات الحرب الباردة، لكن بأدوات مختلفة تتمحور هذه المرة حول المعادن الحرجة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والقدرة الصناعية.

وفي مقال تحليلي نشره موقع TomDispatch في 23 أغسطس 2026، يستخدم جون فيفر، مدير برنامج «محور الاهتمام بالسياسة الخارجية» في معهد دراسات السياسة، استعارة سينمائية مستمدة من وحشي الأفلام اليابانية «غودزيلا» و«رودان» لتوصيف الصراع بين القوتين؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بتفوقها في أكثر أشباه الموصلات تطورًا، فيما تسيطر الصين على حصة واسعة من المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة الضرورية للصناعات الحديثة. وباختصار، وفق تعبير الكاتب: الصين تمتلك «الصخور»، وأمريكا تمتلك «الرقائق».

تهدئة سياسية لا تنهي الصراع

يرى فيفر أن التنافس بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد مواجهة حول الرسوم الجمركية أو حجم العجز التجاري، بل أصبح صراعًا حول العناصر الأساسية التي ستحدد ميزان القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية خلال العقود المقبلة.

ويشير إلى لقاء الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين منتصف مايو، الذي جاء بعد مرحلة من التوتر التجاري، وانتهى إلى تفاهم على ما وصف بـ«الاستقرار الاستراتيجي البنّاء». وبحسب المقال، وافق ترامب على تأجيل تسليم أسلحة إلى تايوان والسماح ببيع رقائق متطورة من «إنفيديا» للصين، وإن لم تكن أحدث منتجات الشركة، مقابل زيادة بكين مشترياتها من الولايات المتحدة، بما يشمل 200 طائرة «بوينغ» و17 مليار دولار سنويًا من المنتجات الزراعية حتى عام 2028.

لكن هذه التفاهمات، وفق فيفر، لم تغيّر جوهر التنافس. فلم تتمكن واشنطن من ضمان وصول طويل الأجل إلى المعادن الحرجة الصينية، ولم تحصل شركات التكنولوجيا الأمريكية على اختراق كبير للسوق الصينية، كما لم تنجح بكين في إحداث تغيير جوهري في السياسة الأمنية الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

الأهم، بحسب الكاتب، أن ترامب بدا متراجعًا عن الهدف السابق المتمثل في فصل الاقتصاد الأمريكي عن الاقتصاد الصيني، وهي سياسة كانت تحظى خلال السنوات الماضية بدرجة واسعة من التوافق بين الجمهوريين والديمقراطيين.

الرقائق.. قلب التفوق الأمريكي

في قلب المواجهة تقع صناعة أشباه الموصلات. ويعيد المقال جذور التفوق الأمريكي إلى منظومة وادي السيليكون، ولا سيما صعود شركة «إنفيديا» التي بدأت في التسعينيات مورّدًا لوحدات معالجة الرسوم المستخدمة في ألعاب الفيديو، قبل أن تتحول تقنياتها إلى عنصر أساسي في ثورة الذكاء الاصطناعي.

ومن أجل المحافظة على هذا التفوق، فرضت الولايات المتحدة قيودًا على تصدير أحدث رقائق «إنفيديا» إلى الصين، بالتوازي مع قيود هولندية على تصدير المعدات المتطورة المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه مشكلة أساسية: الولايات المتحدة لا تنتج بنفسها معظم الرقائق المتقدمة التي تعتمد عليها صناعاتها. ووفق المقال، يعتمد العالم على تايوان في أكثر من 90% من أشباه الموصلات المتقدمة، وهو ما يجعل الجزيرة عنصرًا ثالثًا بالغ الحساسية في المواجهة الصينية-الأمريكية.

وحاولت واشنطن معالجة هذه الثغرة من خلال قانون «CHIPS» وتشجيع إعادة تصنيع الرقائق داخل الولايات المتحدة، حيث تحولت أريزونا إلى مركز رئيسي للاستثمارات الجديدة في القطاع، مع بناء عشرات الشركات، ومن بينها «إنتل» وTSMC التايوانية، منشآت إنتاج جديدة.

الصين ترد بالاستثمار بدل الغزو

في المقابل، يرى فيفر أن بكين قد لا تحتاج إلى السيطرة العسكرية على تايوان للحصول على التكنولوجيا التي تريدها. ويستبعد أن تقدم الصين على غزو الجزيرة في المستقبل القريب، معتبرًا أن تجربة روسيا في أوكرانيا، إلى جانب نتائج الصراعات العسكرية الأخيرة، توفر لبكين أسبابًا إضافية للبحث عن مسار أقل مخاطرة.

ويتمثل هذا المسار في ضخ استثمارات ضخمة لبناء صناعة محلية قادرة على منافسة التكنولوجيا الغربية. ويعتبر الكاتب أن ظهور شركة DeepSeek في يناير 2025 شكّل «لحظة سبوتنيك» للصين، بعدما أظهرت قدرتها على إنتاج نتائج في الذكاء الاصطناعي باستخدام رقائق مصنّعة محليًا وبتكلفة أقل.

ورغم أن الإنفاق الخاص الأمريكي على الذكاء الاصطناعي لا يزال أعلى بكثير من نظيره الصيني، يحذر فيفر من أن تخفيض تمويل العلوم وتشديد القيود على تأشيرات العمل في الولايات المتحدة قد يضعف قدرتها التنافسية على المدى الطويل، بينما تسعى الصين إلى سد فجوة الرقائق المتقدمة بحلول عام 2030.

المعادن الحرجة.. الورقة الصينية

إذا كانت الرقائق تمثل إحدى أهم أوراق القوة الأمريكية، فإن المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة تمثل إحدى أبرز أوراق بكين.

وقد ردت الصين على القيود الأمريكية بإجراءات مقابلة، شملت إدراج شركتين أمريكيتين و14 شركة أوروبية على قوائمها السوداء بسبب ما وصفته بالاستخدام المزدوج للعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب فرض قيود على تصدير سبعة معادن أرضية نادرة خلال عام 2025 والإعلان عن إضافة خمسة عناصر أخرى.

ويرى فيفر أن قدرة واشنطن على استخدام تفوقها التكنولوجي قد تكون أقل فاعلية مما تبدو عليه، خصوصًا في ظل الصعوبات التي تواجهها في تطبيق قيود التصدير. ويخلص إلى أن الصين قد تتمكن من تطوير رقائقها المحلية بوتيرة أسرع من قدرة الولايات المتحدة على بناء مصادر مستقلة للمعادن التي تحتاجها صناعاتها.

القوة الصناعية الصينية

لا يحصر المقال قوة الصين في سيطرتها على الموارد الطبيعية، بل يعتبر أن ميزتها الأساسية تكمن في قدرة الدولة على حشد الموارد والاستثمارات وتوجيهها نحو أهداف صناعية وتكنولوجية محددة.

ويستشهد فيفر بتقدير للصحفي إيفان أوسنوس في مجلة «نيويوركر»، يفيد بأن الصين تنتج ما لا يقل عن 70% من المسيّرات والسيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم-أيون والخلايا الشمسية في العالم.

ويشير كذلك إلى تطوير الصين بطاريات تعتمد على الصوديوم ولا تحتاج إلى المعادن الحرجة نفسها المستخدمة في بطاريات الليثيوم، وهو تطور يراه الكاتب دليلًا على انتقال القوة الصينية من مجرد السيطرة على المواد الخام إلى القدرة على ابتكار بدائل صناعية قد تقلل أهمية تلك المواد نفسها.

وفي الوقت نفسه، تعزز الصين حضورها في سوق تقنيات الطاقة المتجددة، بالتوازي مع شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية مع نحو 150 دولة ضمن مبادرة «الحزام والطريق».

هل بدأ ميزان القوة يميل؟

ينطلق فيفر من هذه المعطيات ليقدم تقييمًا شديد الانتقاد للسياسة الأمريكية الحالية. وبرأيه، فإن «غودزيلا الأمريكي» لا يزال يمتلك قوة هائلة، لكنه أصبح أكثر ترنحًا نتيجة مشكلات داخلية تتعلق بكفاءة الإدارة الحكومية والقدرة على تنفيذ السياسات الصناعية والتكنولوجية.

وفي المقابل، تبدو الصين، من وجهة نظر الكاتب، أكثر قدرة على تحويل مواردها الطبيعية وقدراتها الصناعية إلى استراتيجية متماسكة طويلة الأجل. ولذلك يعتقد أن المنافسة المقبلة لن يحسمها حجم الاقتصاد أو القوة العسكرية وحدهما، وإنما قدرة كل دولة على دمج الموارد والتكنولوجيا ورأس المال البشري والسياسة الصناعية ضمن مشروع استراتيجي واحد.

ولا يعني ذلك أن الصراع حُسم لمصلحة بكين؛ فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا ومؤسسات بحثية وشركات قادرة على الابتكار، كما لا تزال الصين تواجه نقاط ضعف كبيرة، من بينها اعتمادها المستمر على الوقود الأحفوري وبعض حلقات التكنولوجيا المتقدمة.

لكن الصورة التي يرسمها المقال تشير إلى تحول جوهري: المنافسة الصينية-الأمريكية تدخل مرحلة لا يكفي فيها امتلاك التكنولوجيا من دون الموارد، ولا امتلاك الموارد من دون القدرة على تحويلها إلى منتجات وتقنيات وصناعات متقدمة.

ويختتم فيفر باستعادة استعارة «غودزيلا» و«رودان»، متسائلًا عما إذا كان الخصمان قادرين في النهاية على التعاون أمام تهديد مشترك أكبر، هو تغير المناخ. غير أنه يرى أن كليهما لا يزال بعيدًا عن مثل هذا التحول؛ فالولايات المتحدة تدفع باتجاه إحياء قطاع الوقود الأحفوري، فيما تواصل الصين، رغم توسعها الكبير في الطاقة المتجددة، اعتمادها الواسع على الفحم والوقود الأحفوري.

وهكذا، فإن «الحرب الباردة الجديدة» التي يصورها المقال ليست نسخة من المواجهة الأمريكية-السوفييتية القديمة. إنها حرب على الرقائق والمعادن والذكاء الاصطناعي والبطاريات وسلاسل الإمداد والقدرة على حشد الموارد. وفي هذه المواجهة، يرى فيفر أن السؤال الحاسم لم يعد فقط: من يمتلك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع استخدام عناصر قوته بكفاءة أكبر؟

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط