كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تقرير: من الفاشية إلى "الفصل القانوني".. ماذا تعلّم اليمين المتطرف الفرنسي من إسرائيل؟

تقرير: من الفاشية إلى "الفصل القانوني".. ماذا تعلّم اليمين المتطرف الفرنسي من إسرائيل؟

تاريخ النشر: 2026-08-10 | 15:30

باريس: تطرح مقالة رأي نشرتها مجلة Le Monde diplomatique الفرنسية في عدد أغسطس/آب 2026، بقلم رئيس تحريرها بنوا بريفيل وبيير رامبير، قراءة مختلفة للمخاطر المرتبطة بصعود اليمين المتطرف في فرنسا. فبدلاً من توقع تكرار النموذج الفاشي الأوروبي بصورته الكلاسيكية، يرى الكاتبان أن الخطر الأكثر واقعية يتمثل في انتقال تدريجي نحو منظومة قانونية تميّز بين فئات السكان، مستلهمة، وفق توصيفهما، بعض عناصر النموذج الإسرائيلي. ‎⁨

ويقوم هذا التصور على فرضية أن اليمين المتطرف الفرنسي ليس مضطراً إلى الانقلاب على المؤسسات الديمقراطية أو بناء نظام سلطوي على غرار التجارب الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي، بل يستطيع استخدام الأدوات الدستورية والتشريعية القائمة لإعادة تعريف الحقوق على نحو يمنح فئات من السكان وضعاً قانونياً مختلفاً أو أدنى من غيرها.

صعود انتخابي يغيّر المشهد الفرنسي

ينطلق المقال من التحول الكبير الذي شهده الوزن الانتخابي لليمين المتطرف في فرنسا. فقد حصل حزب التجمع الوطني على 11.3% من الأصوات عام 2002 من دون أن يحقق تمثيلاً برلمانياً، بينما تجاوزت حصته 33% وأصبح يمتلك 123 مقعداً عام 2024. ويضع الكاتبان هذا الصعود ضمن اتجاه أوروبي أوسع شمل أيضاً أحزاباً يمينية متطرفة في إيطاليا وألمانيا وهولندا وبولندا والمجر. ‎⁨

لكن هذا الصعود يصطدم، وفق المقال، بمفارقة أساسية تواجه اليمين الأوروبي: ففي الوقت الذي تتزايد فيه المعارضة السياسية للهجرة، تعاني الاقتصادات الأوروبية من الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات الخصوبة، ما يجعلها بحاجة فعلية إلى العمالة المهاجرة.

ويستشهد المقال في هذا السياق بموقف لرئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسي يؤكد فيه، بالمعنى، أن الحاجة إلى الهجرة تفرضها متطلبات الاقتصاد نفسه، وليس مجرد رغبة الشركات في استقدام عمالة أجنبية. ‎⁨

وهنا يحدد الكاتبان نقطة التحول المحتملة: إذا كان الاقتصاد لا يستطيع الاستغناء عن المهاجرين، بينما لا يستطيع اليمين المتطرف التخلي عن خطابه المناهض للهجرة، فقد تظهر صيغة ثالثة تسمح باستمرار وجود العمالة الأجنبية، ولكن من دون منحها بالضرورة مساواة قانونية وسياسية كاملة.

البحث عن نموذج للفصل القانوني

يرى المقال أن فكرة وجود مجموعات سكانية مختلفة في الحقوق داخل الدولة الواحدة ليست جديدة تاريخياً. ويستعيد في هذا الإطار تجربة «قانون الأهالي» الذي طبقته الجمهورية الفرنسية الثالثة في مستعمراتها، قبل الانتقال إلى نماذج معاصرة أخرى.

ويتطرق الكاتبان كذلك إلى نظام الكفالة في بعض دول الخليج، ويوردان الإمارات وقطر مثالاً، مشيرين إلى أن المواطنين الذين يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة يمثلون، وفق الأرقام التي يستشهد بها المقال، نحو 20% فقط من السكان. ‎⁨

غير أن إسرائيل تحتل الموقع المركزي في المقارنة التي يبني عليها المقال أطروحته.

ويستشهد الكاتبان بقانون القومية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2018، والذي ينص على أن ممارسة حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل تخص الشعب اليهودي. كما يشيران إلى تشريع آخر يقول المقال إنه أُقر في مارس/آذار 2026 بأغلبية برلمانية واسعة، ويفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين في جرائم قتل إرهابية دون الإسرائيليين اليهود في الحالات المماثلة.

ويعتبر الكاتبان أن هذه التشريعات تقدم مثالاً على إمكانية بناء مستويات مختلفة من الحقوق داخل منظومة قانونية واحدة. ‎⁨

«الأولوية الوطنية» بوابة التحول

في فرنسا، يرى المقال أن البنية السياسية اللازمة لبدء مسار مشابه موجودة بالفعل في برنامج التجمع الوطني.

فالحزب أعلن عزمه طرح استفتاء بشأن الهجرة يهدف إلى منح مبدأ «الأولوية الوطنية» أساساً دستورياً، مستنداً إلى مشروع قانون دستوري قدمته مارين لوبان في يناير/كانون الثاني 2024.

ويتضمن المشروع، بحسب المقال، إلغاء الحصول التلقائي على الجنسية استناداً إلى الولادة، إضافة إلى حرمان مزدوجي الجنسية من تولي وظائف محددة. ‎⁨

وتكمن أهمية هذه المقترحات، في قراءة الكاتبين، في أنها قد تفتح الطريق أمام إنشاء تفاوت قانوني بين المواطنين والمقيمين، أو حتى بين فئات مختلفة من الفرنسيين، من دون إعلان التمييز على أساس عرقي أو إثني بصورة مباشرة.

تمييز من دون إعلان الأصل معياراً

تفرض المنظومة الدستورية الفرنسية قيوداً قوية على التمييز الصريح استناداً إلى الأصل. ولهذا يتوقع الكاتبان أن أي تحول محتمل لن يأخذ بالضرورة صورة قوانين تعلن صراحة التمييز بين الفرنسيين وفق خلفياتهم الإثنية.

وبدلاً من ذلك، يمكن الاعتماد على معايير أخرى مثل ازدواج الجنسية، والرموز الدينية، ومكان الإقامة أو المنطقة الجغرافية، بما يسمح، وفق المقال، بإنتاج نتائج تمييزية من خلال تصنيفات تبدو قانونياً مختلفة عن التصنيف المباشر على أساس الأصل.

ويربط المقال هذا الاحتمال بسياسات موجودة بالفعل، من بينها تكثيف عمليات التفتيش في الأحياء الشعبية، وسياسة «استعادة أحياء الجمهورية» التي أطلقت في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون. ‎⁨

لماذا إسرائيل تحديداً؟

لا يقدم الكاتبان إسرائيل باعتبارها مجرد حالة للمقارنة القانونية، بل يريان أن أجزاء من اليمين الفرنسي تنظر بإعجاب إلى نموذجها الأمني والسياسي، الأمر الذي يجعل التجربة الإسرائيلية، في تقديرهما، أكثر أهمية من النماذج الفاشية الأوروبية التاريخية لفهم الاتجاه الذي قد يسلكه اليمين الفرنسي.

ويستشهد المقال، في هذا السياق، بمادة نشرتها مجلة Le Figaro Magazine ودافعت عما وصفه كاتبها بـ«التنظيف الكبير» الذي تقوم به إسرائيل في المنطقة. ويعتبر صاحبا المقال ذلك أحد المؤشرات على التحول في نظرة أجزاء من اليمين الفرنسي إلى السياسات الإسرائيلية. ‎⁨

وتقوم الفكرة المركزية هنا على أن التحول لا يحتاج إلى زعيم ذي طابع مسيحاني أو إلى إلغاء الانتخابات والمؤسسات القائمة، وإنما يمكن أن يحدث بصورة تراكمية: تعديلات دستورية، وقوانين للهجرة والجنسية، وقيود مرتبطة بازدواج الجنسية، وسياسات أمنية متفاوتة بين المناطق، وصولاً إلى واقع قانوني واجتماعي جديد مع الاحتفاظ بالواجهة المؤسسية الديمقراطية.

الهجرة: الحاجة إليها ورفضها في الوقت نفسه

يعيد المقال جذور هذه المعضلة إلى التحولات الديموغرافية العميقة في أوروبا. فالشيخوخة وانخفاض الخصوبة يزيدان اعتماد الاقتصادات الأوروبية على العمالة القادمة من الخارج، في الوقت الذي تصبح فيه الهجرة نفسها وقوداً انتخابياً لأحزاب اليمين الشعبوي.

وبحسب تحليل الكاتبين، يمكن لهذا التناقض أن ينتج تسوية سياسية تقوم على الاحتفاظ بالمهاجر بوصفه قوة عمل يحتاج إليها الاقتصاد، مع الحد في الوقت نفسه من قدرته على الوصول إلى المساواة السياسية والقانونية الكاملة. ‎⁨

ومن هنا يربط المقال بين التجارب الاستعمارية الفرنسية القديمة، وبعض نماذج العمالة الأجنبية في الخليج، والتشريعات الإسرائيلية، والمقترحات التي يقدمها التجمع الوطني في فرنسا. والقاسم المشترك، وفق أطروحته، هو إمكانية وجود سكان يعيشون داخل المنظومة الاقتصادية والسياسية نفسها لكنهم لا يتمتعون بالمستوى ذاته من الحقوق. ‎⁨

تحذير من «التطبيع التدريجي»

يخلص بريفيل ورامبير إلى أن التحدي الذي يواجه فرنسا لا يكمن، من وجهة نظرهما، في ظهور نسخة جديدة حرفية من فاشية القرن العشرين، وإنما في تطبيع تدريجي لأفكار وممارسات كانت حتى وقت قريب مرتبطة بهوامش اليمين المتطرف.

ويعتبران أن مواجهة هذا الاحتمال تتطلب من اليسار الفرنسي إعادة وضع مبدأ المساواة في قلب برنامجه السياسي، محذرين من أن غياب مواجهة سياسية واضحة قد يجعل الانتقال التدريجي نحو تفاوت في الحقوق أكثر قبولاً لدى قطاعات من الرأي العام الفرنسي. ‎⁨

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين الوقائع التي يستند إليها المقال وبين الاستنتاج السياسي الذي يبنيه عليها. فوصف النظام الإسرائيلي بـ«الأبارتايد» يمثل موقفاً سياسياً وقانونياً مثيراً للجدل تتبناه بعض المنظمات الحقوقية الدولية وترفضه الحكومة الإسرائيلية وجهات أخرى، فيما يبقى السيناريو الذي يرسمه الكاتبان لمستقبل فرنسا تقديراً تحليلياً لمسار محتمل لم يقع بعد، وليس وصفاً لواقع قانوني فرنسي قائم. ‎⁨

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط