كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تكلّم حتّى أراك

تكلّم حتّى أراك

تاريخ النشر: 2018-04-11 | 08:26

    "صديقي حسن ما أدق شرحك لما يحصل على المنابر الأدبيّة .تعبت من سماع السحّيجة وقرأت كلمات وجمل ﻻ معنى لها على الفيس لأشخاص أعرفهم. فعندهم صفحة يتفذلكون بكلمات أحاول جادًّا أن أفهم أهميّة ما يقولون فلا أجد له قيمة. أتساءل: لماذا تضجّ هذه الصفحات بسطور ﻻ جديد فيها؟ كيف وصلنا إلى هذه المحطات؟" رنقيّة (رسالة نصيّة قصيرة) وصلتني من شاعر صديق بعد أن قرأ مقالة لي بعنوان "لا تتركوا الحصان وحيدًا".

قال الإمام عليّ بن أبي طالب: "تكلّموا تُعرفوا، فإنّ المرء مخبوءٌ تحت لسانه" ليكرّر بهذا ما قاله سقراط من قبل. إذ يُعرف عن الفيلسوف سقراط أنّه حين اختال أمامه شخص أنيق المظهر والملبس، متباهيًا بلباسه ومظهره كي يجذب انتباهه، قال له سقراط مقولته الشهيرة: "تكلّم حتّى أراك". لم يكن قول سقراط إلّا تأكيدًا على أنّ الكلام واجهة العقل ودليل مكنونه وعمق صاحبه، حيث يُعرف المرء من كلامه. ولذا، ليكن الحكم على الجوهر لا على المظهر، فالمظهر زائل، وقد يخدع أحيانًا، و"ليس كلّ ما يلمع ذهبًا". أمّا ما نخفيه في أعماقنا من عقل وفكر فهو الأساس وجوهر الإنسان، وكلامك هو أنت، هو الدالّ والدليل على شخصيّتك. 

يؤلمني أنّ أدباءنا تحوّلوا إلى فرسان وأصبح الفيسبوك "مربط خيلهم"، فيتفرّغون له ليعلّقوا ويعقّبوا ويبجلّوا لحصد اللايكات. يزمّرون ويطّبّلون ويتورّطون في كيل المديح والمجيد والتبجيل لبعضهم، وخاصّة لكاتبات وشاعرات، ولحاجة في نفس يعقوب، ودون نزاهة مهنيّة. الأمر الذي يرفع الكاتبة/الشاعرة  إلى سلّم الشهرة بغضّ النظر عن لغتها أو أسلوبها أو مضمون نصّها، فيصيبها جنون العظمة، كيف لا ولديها شهادات من أولئك الفرسان؟!، و"هات مين ينزّلها عن السلّم!"، مما حدا بالناقد العراقيّ عليّ جعفر العلّاق أن يقول: " الموهبة وحدها لا تكفي في ربوعنا العربية، لا بد من شلليّة منافقة، لا بدّ من قبيلة محاربة، ولا بدّ من أكف يدميها تصفيق قد لا يخرج من القلب كله". فهل تلك الشلليّة، وتحزّب العشيرة  تخلق شاعرةً؟ 

لاحظت، خلال تصفّحي لصفحات التواصل الاجتماعي ظاهرة نشر شاكِلَة "لوك"  متجدّد لأميرة الصفحة مع مقولة من هنا أو هناك، دون مضمون أو حتّى عنوان، وعلى الأغلب منقولة. وهذا ما أسمّيه بصائد النَقرات "Clickbait"، إذ تهدف إلى حصد إعجاب مُتابعيها من أدبائنا بنقرة عاجلة منهم، وبات الأمر جليًّا واضحًا في عدد من الصفحات. وكلّي يقين بأنّه لو قرأ ما لم يُكتب ولم يُنشر لوجَدَها: "من برّا رخام ومن جوّا سخام"، أو حتّى "من برّا طقشة ومن جوّا قمل محشي". ويأتي الأمر في ظلّ فوضى باتت تشهدها الساحة الثقافية مع ثورة التواصل الاجتماعيّ لأن أديبنا ينتظر النقرة المُلَيِّكَة على صفحته، "فالدنيا سلف ودين"، متجاهلًا الأمر وسلبيّاته، وقد يكون أهمّها "تسطيح" المشهد الثقافيّ وجعله سلعة رخيصة. رحم الله عمر ابن الخطاب الذي قال: "رحم الله إمرأً أهدى إليّ عيوبي".

مؤسف حقًا تفرّغ أميرات ومشايخ الفيسبوك من كُتّابنا لحصدِ اللايكات والنفاق، خاصّة حين يُليّكون دون قراءة النصّ، من باب المجاملة أو رفع العتب فقط. إنّ انقيادنا الأعمى وراء "ثقافة الفيسبوك" مدمّر ومُهلِكٌ، فهي ثقافة أوهن من بيت العنكبوت،  وهي التي ستؤدّي إلى تراجع وهبوط وضعف في مشهدنا الثقافيّ. 

قبل فترة وجيزة نشرتُ مقالةً نقديّة في عشرات المواقع، ولم أشاركها على صفحتي لسفري خارج البلاد، فلفت انتباهي أحد الأصدقاء بأنّ صاحب أو صاحبة الشأن قد قام بمشاركة مقالتي على صفحته وغرفت عشرات اللايكات والتعقيبات، فأثار الأمر فضولي ومررت بصفحة الكاتب أو الكاتبة، فأفاجأ بأنّ الكثيرين من المُليِّكين لم يقرؤوا النصّ أبدًا، حيث كتبت شاعرة وروائيّة وفنّانة مرموقة معقِّبة: 

"أديبة وناقدة ومفعمة بالمشاعر والانسانية الراقية ...اعجبني ما كتبتيه ... لك تقديري كل الاحترام الى الامام غاليتي ودمت بخير"

وكتبت أديبة أخرى: "هذا يراعك الشامخ لا ينحني مع الريح .. يطرز الغيم ويلون زرقة السماء ويفرش ديابيج الارض اخضرارا .. دمت ودام اثر الفراشة بين اناملك ساحرا ملهبا للفكر والخيال .. تحياتي سيدتي الرائعة والراقية بأبجديتها وانتمائها وشفافيتها" .

وعقّب أحد ركائزنا الثقافية المحليّة: "ألف مبروك" 

وثلاثتهم لم يقرؤوا النص الذي كتبته!

أمست الزخرفات اللغويّة المبتذلة حدّ النفاق، كلّ ذلك من أجل خدمة "الأنا"!

يذكّرني هذا بأهل الخليج وتملّقهم للملك، فللأسف، هذا ما آلت إليه حالنا مع "ثقافة الفيسبوك"! 

رجاءً، ارحموا كُتّابنا من احتضانكم الخانق، واسمِعوهم ما تشعرون به فعلًا...وبموضوعيّة صادقة وبلا نفاق...  وإلّا فصمتكم أبلغ! تيمّنًا بقول الشاعر أبو الفَتْح البُسْتي (940-1010م)  :

تكلّم وسدّد ما استطعت فإنّما ... كلامك حيٌّ والسكوت جمـــاد

فإنْ لم تجد قولًا سديدًا تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد

أمّا أنتِ أديبتي "الجميلة" فحدّدي أهدافك واسعَيْ إلى تحقيقها، لا تنشغلي بالمظاهر وعمليّات التجميل وتهملي تغذية عقلك، فما يلفت العين فقط، له مدّة صلاحيّة وسينفق يومًا. فإنّ النفاق الفيسبوكيّ قد يمسّك أنتِ أكثر ممّا قد يصيب كاتبًا أو شاعرًا، خاصّة في مجتمع ذكوريّ، لأنّ أولئك الذكور الذين ينافقون لا يهتمّون برصيدك الإبداعيّ وقيمته، بل هم كالذئاب يتصيّدون بأعينهم أكثر ممّا يفكّرون بعقولهم أو يهتمّون بإبداعك وشِعرك. والمؤلم، حين نرى إعجاب أولئك الفرسان المهرّجين بشيء ترتدينه فقط، وإطراؤهم الدائم يكون على منظرك الأنيق البهيّ، وكأنّي بهم يتحوّلون إلى مجرّد عيون تستمتع بمشاهدة سيرك أو عرض ليليّ في "المولان روج" مع كأس شمبانيا زهريّة، دون الاهتمام بفحوى المشهد أو مضمونه، أو بما تفكّرين أو تكتبين، فيحوّلونك بعيونهم إلى شخص بلا قيمة، لا يلفت  انتباههم إلّا جمالك ومظهرك. ولذا، تذكّري قول جبران خليل جبران: " لا تجعل ثيابك أغلى شيء فيك حتى لا تصبح يومًا أرخص مما ترتدي"، ولا تسمحي بنظرة هوانٍ أو استعلاء، وليكن سلاحك جوهرًا عميقًا لا مظهرًا زائلًا، وليكن جمالك جمال العلم والثقافة.. فلربّما عندك الكثير الكثير ممّا تقولينه وتفرضينه على رجل لا يريدك إلّا مظهرًا مُغريًا!

أعزائي، لا تجعلوا المظهر سيّد حكمكم، ولا تنشغلوا بالمظاهر وتجعلوها محطّ اهتمامكم وتقييمكم لها، فهناك من يصغي إليكم ويراكم قدوة يحتذى بها ...فارحموهم!

لا غرابة إذًا في أن يحضرني شاعرنا نزار قباني في هذا السياق، وكم كان مصيبًا حين قال:

فلماذا –أيها الشرقيّ- تهتمّ بشكلي!؟ 

ولماذا تبصر الكحل بعيني  

ولا تبصر عقلي!؟

....

فلماذا تهمل البعد الثقافيّ

وتعنى بتفاصيل الثياب!؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط