كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تماثل الفاشيات وتنافرها: تعددت الأساليب والوطأة واحدة

تماثل الفاشيات وتنافرها: تعددت الأساليب والوطأة واحدة

تاريخ النشر: 2016-12-15 | 20:18

في هذا الزمن الموصوف بالتطرف الإرهابي المعولم، وفي غياب الأدوات الناظمة والفاعلة على المستوى الدولي، واضطراب أو انسحاب وتعثر بعض القوى الدولية (الولايات المتحدة وأوروبا) ولو جزئيا أو نسبيا، ودخول آخرين (روسيا) عالم القوة، وفي ظل فوضى المعارضات والثورات المضادة، باتت العديد من المجتمعات والدول والشعوب، ترزح وتئن تحت تهديد العديد من المخاطر، والمزيد من التهديدات والأبتلاءات المباشرة وغير المباشرة، في انتظار المزيد من أعمال العنف والتطرف والإرهاب، وكأن لم يعد في الدنيا، وفي عالم البشر من قضية، سوى تلك التي يعتقد البعض أنها من "أولويات واجباته الدينية"، أو من واجبات "سلطته المقدسة"، وذلك من قبيل "النيابة عن الله" في توجيه "أحكام التكفير"، واحتكار السلطة كسلطة أبدية؛ عائلية استئثارية واستملاكية أمنية وبوليسية مطلقة، تحميها الأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، وعلى أساسها تخاض اليوم مقاتل وصراعات وصرعات العديد من أنماط جرائم القتل والتعذيب والحرق والتمثيل بأجساد البشر، وحتى سبي النساء واغتصابهن، وتشويه براءة الأطفال ونقلهم قسرا وإكراها إلى عالم الإجرام، وتدمير الممتلكات وهدم البيوت، ودغدغة مشاعر المأزومين في شأن "حوريات الجنة" واستيهامات لا علاقة لها بأي مستوى من مستويات الإيمان، وغيرها العديد من الأباطيل التي لا يروجها عاقل، في ظل تغييب استعمال العقل، والحط من شأن العقلانية، في عالم لا يراد أن يحكمه ويتحكم به غير فاقدي الأهلية، من المعادين للعقل والسوية الإنسانية والأخلاقية والقانونية.

ولئن ذهبت فكرة قضايا الشعوب وحرياتها وتحررها نحو التبديد، وتناسي وتجاهل عدالتها وأحقيتها في الكفاح المشروع لنيل تطلعاتها المشروعة، فقد حلت محلها ما نشهده من أساليب ملتوية، باتت تجيدها تلك الذئاب المنفلتة من كل عقال (أفرادا وجماعات وأنظمة بوليسية فاشية)، ليأخذ تطرفها وإرهابها دور "الطليعة المجرمة"، و"القدوة غير الحسنة" في اختلاق وابتداع العديد من وحشية المسلكيات الذئبية المريضة، وهي تسعى إلى عملية إحلال لما تريد من شكل عالم منفر وهجين، لا يتطابق ومعايير الإنسانية المعاصرة والحديثة.

وما نشهده اليوم من صراع ثقافات أو حضارات، في قلبه أو على هوامشه، وما نشهده من صعود التيارات اليمينية الشعبوية والفاشية في أوروبا ضد المهاجرين، وفي الولايات المتحدة وما مثله فوز دونالد ترامب، وما جاهر به ضد المقيمين المختلفين إثنيا ودينيا، كنوع من ردود أفعال حادة على ما يجري عندنا من مسلكيات وحشية تتذرع بالتاريخ الكولونيالي لأوروبا، بالتزامن مع صعود تيارات اليمين الديني الفاشي، بكل محمولاته كصراع دام وقاتل على الهوية، يتمظهر على شكل هويات افتراضية متخيلة، لا قعر لها ولا قيعان مشتركة في مجتمع الإنسان.

كذلك في إسرائيل، التي تماثلنا أو يتماثل البعض منا معها في ابتداع نمط من الفاشية الدينية، كالداعشية وأضرابها، وتحت عنوان (دينية فاشية) كتب "ب .ميخائيل" في هآرتس 21/9/2016 حول إعلان وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، أنه يفضل تعليم اليهودية (أي التوراة وما يوازيها من الكتب التلمودية) على تعليم العلوم، وذلك من أجل ما أسماه "العودة إلى القوة العظمى الروحانية وتصدير المعارك الروحية للعالم"…وكي "نعود ونكون نورا للأغيار، وتخرج من صهيون التوراة"!.

هكذا وكما أنماط الفاشية هناك، كذلك أنماط الفاشية هنا، كما أنماط الفاشيات المتعددة والمتماثلة، كلها وإذ أجادت وتجيد ابتداع أساليب القهر واستراتيجيات الإتباع، والقتل والتغيير والإحلال الديمغرافي على الهوية، فهي تفتقد أي ملكة من ملكات الثقافة والإبداع، كما لأي عنوان حضاري؛ لذلك تدور أنماط الصراعات القائمة باسم الثقافة أو باسم الحضارة/الحضارات على الهوامش، وعلى أيدي فئات ونخب هامشية في المجتمعات المعنية شرقا وغربا، حيث تقوم مواقف "الأغلبية الصامتة" في الغرب على القبول بسياسات الاندماج، ورفض ممارسات ومسلكيات الفاشيين، والانحياز إلى سياسات التسامح والتعايش واحترام معتقدات الآخر، والعمل على وصل ما انقطع أو ما يمكن أن ينقطع بين أصحاب الهويات المختلفة؛ المتنوعة والمتعددة، في إطار من التفهم والتفاهم، على عكس ما يهدف المتطرفون والفاشيون والإرهابيون، عندنا وعندهم، من وراء أعمالهم الوحشية، من فصل وانفصال، وقطع وقطيعة، وتفتيت المجتمعات، وتفكيك شبكة العلائق الإنسانية بين أوطان ومجتمعات الشعوب والدول.

إن عالما بات يعيش تحت وطأة وثقل الإخضاع والاستتباع لنوع جديد من الهيمنة المتجددة، وهي تتلبس لبوسا فاشيا وإن بطرائق مختلفة عما سبق، في ظل النظرات المتقاربة للولايات المتحدة في عهدها الترامبي (الجمهوري) الجديد، وللنظام الروسي وهو يجرب عنف قوته المستعادة العمياء، وما قد تأتي به نتائج الانتخابات في بعض الدول الأوروبية، في الوقت الذي بات يسمح فيه لنظام الملالي في إيران وتابعيه من الميليشيات الطائفية، الموظفة في خدمة المشروع الإمبراطوري الفارسي، وإن بأغطية مذهبية، الإسهام مساهمة فعالة في ترتيب أوضاع الجغرافيا والديمغرافيا السورية بما يساهم بالحفاظ على النظام الأسدي، والاستمرار في وراثة الاحتلال الأميركي للعراق بالابقاء على النظام الطائفي التابع لها، كل هذا يقدم مساهمة عز نظيرها للأمن الإسرائيلي، فيما هو من ناحية أخرى يستكمل تجريد الأمن القومي العربي من كل عناصر قوته، التي جرى تبديدها على أيدي فاشيي التنظيمات الأيديولوجية والأنظمة الفاشية، وهي تحلم بالبقاء في السلطة إلى الأبد، حتى وهي تخسر قسما هاما من أقسام وطن بالوراثة لتحكمه بالحديد والنار، وبالأجهزة الأمنية البوليسية التي لم تعرف لها مهنة سوى الحفاظ على سلطة الحاكم المستبد.

ما يتكشف اليوم من أنماط الفاشية في بلادنا، أننا كبشر أفرادا وجماعات ومجتمعات ودول، عالقون بين نارين: نار الفاشية الدينية التي كونت الثورة المضادة بكل تركيباتها وأطيافها الطائفية والمذهبية، وهي جميعها ماضوية معادية للتقدم والتغيير، كما وللحداثة والمعاصرة. وفي المقابل هناك نار الأنظمة الفاشية وهي تصعد جبل السلطة ولا تريد أن تتزحزح عنه، حتى ولو ذهب الوطن وجرى اقتسامه، أو دمرت المواجهات المسلحة وغير المسلحة إرث وتراث تاريخ الأجداد وشواهدهم الباقية على مر عشرات العقود والقرون التي خلت، والهويات التي تعاقبت على هذه البلاد، كما يحصل الآن لحاضرة حلب وقلعتها التاريخية، وكما حصل ويحصل لمملكة تدمر وآثارها التاريخية؛ المهم أن يبقى النظام والسلطة، ولو على حساب التاريخ، وشواهده الآثارية بما حوته من دلائل شهدت وتشهد على التنوع والتعدد الحضاري، ما سوف يبقى مخرزا يفقأ كل العيون الضيقة التي لا ترى سوى ذاتها في المرآة، وأمثالها ممن يعدون حسبا ونسبا على ذات الهندسة السكانية وسوسيولوجياها الأكثر ضيقا وتمذهبا فاشيا مما لا يمكن توصيفه إلا كونه كذلك: فاشية الاختيار لا فاشية الاضطرار.

فإلى متى يستمر عالمنا في العيش عند حدود التردي والخراب والتعثر والاضطراب؟ وكم من الأعوام سيبقى الوضع كذلك في وقت ينبغي الالتفات إلى قضية الانسان كونه الضحية الأولى الأقدس إلى جانب العمران والتاريخ والثقافة والحضارة، وهي جميعها صنائع الإنسان المتحرر من قيود ومكبلات سلطة الأنا الفاشية والإرهاب وسياسات التوحش الهمجية من جهة، والتطهير الطائفية والعرقية من جهة أخرى، ومن أسف أن ما يسود الآن هي تلك التي سبق للإنسان أن تحرر منها ناقلا خطوه خطوات إلى الأمام (الحضارة والتحضر)، ولكنه يصطدم اليوم بما يعيده خطوات إلى الخلف (الماضي النكوصي)، وبما يضاد كل حداثة، وبما يعاكس كل حضارة وتحضر، شهدته البشرية على امتداد تاريخها، وهي توشك اليوم أن تفقده بقوة دفع الفاشيات الشعبوية التي تشهد ازدهارا قل نظيره وهي تتماثل شرقا وغربا، في حين لا يكاد الانسان يجد في تنافرها ما يعينه على استعادة روح انطلاق الحرية والتحرر الديمقراطي والليبرالي كما بدا أول مرة.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط