كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تموز الأسود.. يعود أكثر سواداً بين الذكرى الثالثة لرحيل والدي ووداع ماهر يونس

تموز الأسود.. يعود أكثر سواداً بين الذكرى الثالثة لرحيل والدي ووداع ماهر يونس

تاريخ النشر: 2026-07-08 | 11:57

فادي قدري أبو بكر
فادي قدري أبو بكر
تموز الأسود.. يعود أكثر سواداً بين الذكرى الثالثة لرحيل والدي ووداع ماهر يونس لم يعد تموز شهراً عابراً في حياتي، ولم يعد الأول منه مجرد تاريخ على صفحات التقويم. فمنذ الأول من تموز/يوليو 2023، يوم رحل والدي، الشهيد اللواء قدري أبو بكر، صار هذا الشهر عنواناً للفقد، وموعداً سنوياً يتجدد فيه الوجع، وكأن الزمن يأبى أن يترك للقلب فرصة لالتقاط أنفاسه. وفي الأول من تموز/يوليو 2026، تمر ثلاثة أعوام على رحيله.. ثلاثة أعوام كاملة، وما زلت أشعر أن الحياة توقفت في تلك اللحظة، وأن ما مضى بعدها ليس إلا زمناً يُحسب بالأيام، أما القلب فما زال واقفاً عند الوداع الأخير. ثلاثة فصول من الخريف مرّت على الروح، لكن الذاكرة بقيت ربيعية. فما زالت صورك حيّة، وكلماتك حاضرة، ومبادئك التي غرستها فينا تنبض في تفاصيل حياتنا. ولا يزال حضورك أقوى من الغياب، وكأن الرجال الكبار لا يرحلون، بل يغيّرون فقط طريقة وجودهم بيننا. كنت أظن أن تموز قد استنفد كل ما فيه من ألم يوم فقدتك، لكنه عاد هذا العام أكثر سواداً، وأكثر قسوة، وأكثر امتلاءً بالفقد. ففي الخامس من تموز/يوليو 2026، رحل المناضل الوطني الكبير، والأسير المحرر، ماهر يونس، بعد ثلاثة أعوام فقط من الحرية، التي جاءت عقب أربعين عاماً متواصلة قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي. رحل الرجل الذي ارتبط اسمه بتاريخ الحركة الأسيرة، وكأن السجن سرق من عمره حتى السنوات التي كان يستحق أن يعيشها حراً. كان الخبر مفجعاً وثقيلاً على قلوبنا جميعاً .. 1265 يوماً فقط .. هذا كل ما عاشه ماهر بعد التحرر.. رقم صغير أمام أربعين عاماً من الأسر، لكنه يختصر وجعاً لا يمكن للأرقام أن تصفه.. 1265 يوماً فقط أتاحها القدر لوالدته، عملاقة الصبر، التي انتظرته أربعين عاماً، وزارت عشرات السجون، قبل أن تحتضنه أخيراً، ثم تودعه بعد سنوات قليلة، وكأن العمر كان يختصر نفسه أمام صبرها. أما أنا، فلم يكن أبو الأيمن بالنسبة لي مجرد قائد وطني أو أسير محرر عرفته الجماهير. فبعد رحيل والدي، تعمّقت علاقتنا، حتى غدا بالنسبة لي أخاً أكبر، وصديقاً وفياً، وسنداً حقيقياً في كثير من المحطات الصعبة. كان يتصل باستمرار، ويعاتبني كلما مضت الأيام دون أن أتواصل معه. كان يحمل روح الشباب أكثر من كثير من الشباب، خفيف الظل، حاضر النكتة، دائم الابتسام، ويعرف كيف يخفف عن الآخرين أثقال الحياة، رغم أنه حمل من الأوجاع ما تعجز الجبال عن حمله، وكان وفياً في زمن أصبح الوفاء فيه عملة نادرة. ولا أنسى كيف كان يتحدث عن والدي، فيقول عنه: "كان النقطة البيضاء في الصفحة السوداء". عبارة بقيت محفورة في ذاكرتي، لأنها خرجت من رجل عرف الرجال، وعاش التجارب، وأدرك قيمة من ظل ثابتاً في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وكثر فيه أدعياء الوطنية. ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت روحه مثقلة بما يعيشه شعبه تحت الإبادة. وحتى في لحظات الفرح، كان هذا الوجع يطلّ من بين كلماته. فعندما هنأني بقدوم مولودي "جهاد" في السادس من حزيران/يونيو 2026، كان صوته يحمل فرحاً صادقاً، يرافقه قلق إنساني على مستقبل هذا الطفل، وعلى جيلٍ يولد في زمنٍ يثقل فيه الموت تفاصيل الحياة. ولم يكن ذلك القلق انصرافاً عن الحياة، بل تمسّكاً بها، فالإبقاء على الحياة وإنجاب الأطفال في الوعي الفلسطيني هو شكلٌ من أشكال الصمود، وإصرارٌ على استمرار الوجود رغم ما يحيط به من فناء، وامتدادٌ لوطنٍ يُراد له أن يبقى حياً في الذاكرة والروح. وفي كل ذلك، ظلّ الوطن حاضراً في صوته، حتى وهو يتحدث عن أكثر اللحظات إنسانية. ماهر .. لم أشبع من رفقتك، ولا من أحاديثك. كان كل لقاء ينتهي قبل أن يبدأ، وكان الوقت يسرقنا دائماً .. أغادرك وأنا أشعر أن الحديث لم يكتمل، وأن اللقاء القادم سيكون أطول .. لكن بعض المواعيد يسبقها القدر. أما آخر اتصال بيننا، فكان يوم الجمعة، الثالث من تموز/يوليو 2026 - قبل يومين من رحيله الأبدي - حين اتصل ليواسيني في ذكرى والدي، وليترحم عليه، ويستعيد مناقبه، ويخفف عني كما اعتاد دائماً. ثم انتقل للحديث عني، وأصرّ على أن أُخرج ما في صدري. كان يدرك ما أواجهه من تحديات، وما أتعرض له من محاولات تهميش وإقصاء في حياتي العملية. استمع طويلاً، ثم ختم حديثه بعبارة ستبقى وصية أرددها كلما ضاقت بي الأيام: "كل رخيص إلو حساب". واليوم، وأنا أستعيد هذه الكلمات، تعود بي الذاكرة إلى أول تصريح له بعد تحرره من الأسر، حين قال: "أربعون عاماً في الأسر هي مهر فلسطين .. ومهر حريتها غالٍ". واليوم أشعر أن الكلمتين اكتملتا لتشكلا رسالة واحدة: "فلسطين مهرها غالٍ... وكل رخيص إلو حساب." ورغم أن الجميع كان يناديه "أبو الأيمن"، فإنه لم يكن أباً لولد يحمل هذا الاسم، بل كان أباً بمعناه الأوسع؛ أباً للرفاق، وأخاً لكل من عرفه، وسنداً لكل من اقترب منه. احتضن الناس بمحبة صادقة، ومنحهم من وقته وقلبه ما جعل كل واحد منهم يشعر أنه واحد من أبنائه. لهذا، فإن أبا الأيمن لم يرحل دون أن يترك أبناءً؛ أبناء لا يجمعهم به نسب، بل تجمعهم القيم التي عاش من أجلها، والوفاء الذي زرعه فيهم، والمحبة التي أغدقها عليهم. ولهذا أقولها اليوم، وأنا أودعه: كلنا أيمن .. كل من تعلّم منه معنى الوفاء هو أيمن .. كل من حمل رسالته، وتمسك بمبادئه، وسار على دربه، هو أيمن .. كل من آمن أن الوطن أكبر من المصالح، وأن الرجال تُقاس بمواقفها لا بمناصبها، هو أيمن. نم قرير العين يا أبا الأيمن .. نم إلى جوار حبيبك والدك المرحوم المناضل عبد اللطيف، وإلى جوار الأحبة الذين سبقوك. نم مطمئناً، فأنت لم تترك اسماً فقط، بل تركت جيلاً يحمل رسالتك، ويحفظ وصيتك، ويورثها لأبنائه من بعده. وأما أنت يا والدي.. فسيبقى الأول من تموز موعداً يتجدد فيه الحنين، ويكبر فيه الشوق، ويعود فيه القلب طفلاً يبحث عن أبيه. شاء القدر أن يجمع هذا العام بين ذكراك وذكرى رجل أحببته وأحبنا، فعاد تموز أكثر سواداً، وأكثر ثقلاً، لكنه ترك لنا درساً خالداً: أن الرجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، بل يبقون ما بقي أثرهم في الناس، وما بقيت مبادئهم حيّة في الأجيال. ستبقى يا ماهر شاهداً على زمن الرجال، وعلى وطن كان وما زال مهر حريته غالياً، وعلى رجال إذا رحلوا، تركوا خلفهم آلاف الأبناء، حتى وإن لم يحملوا أسماءهم. ستبقى، يا أبا الأيمن .. لأننا جميعاً أيمن. فادي قدري أبو بكر كاتب وباحث فلسطيني [email protected]
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط