كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تناقضات سعودّية

تناقضات سعودّية

تاريخ النشر: 2016-01-16 | 08:33

بعد يوم واحد من تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن «نسبة كبيرة من زعماء العالم فقدوا صوابهم»، قام النظام السعودي بإعدام الشيخ نمر باقر النمر في تصرف أجّج التوتر في المنطقة. صحيح أن أوباما افتخر، ذات تصريح حديث، بأن بلاده قوية إلى الحد الذي يمكّنها من المجازفة في السياسة، إلا أن استقرار العرش السعودي يبقى ذا أولوية كبرى لأمن الولايات المتحدة. وليس واضحاً، بما فيه الكفاية، اليوم، حقيقة الموقف الأميركي من الحالة العصابية التي يطغى فيها الجنون في المشرق العربي، حيث ستتغيّر، في المرحلة الانتقالية، الوجوه والخرائط. عند الشيعة، قد تبرز وجوه شابة أكثر «تطرّفاً»، وعند السنة، سيستمر الإنهاك والنزف بسبب التحريض المستمر؛ هذا إذا قبلنا بهذا التقسيم على أساس جمعي مذهبي.
كان إعدام 47 شخصاً، مع بداية العام الجديد، وبهذا الشكل، في السجون السعودية، بالسيف والرصاص وتقطيع الأطراف، مفاجئاً لكثيرين. لكن مع صعوبة الاستشراف السياسي الجدي، تصبح بعض التفاصيل مهمة. هنا مطالعة لتناقضات عدة وقع حكام المملكة ومرؤوسوهم فيها، الأمر الذي يشير إلى اضطراب وتوتر وسوء تقدير.
1. برغم الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية (م. 44 من نظام الحكم)، وتأكيد استقلالية القضاء (م. 46 منه)، وهو ما تم تأكيده في المؤتمر الصحافي لوزراء الداخلية السعودية عقب تنفيذ أحكام الإعدام، إلا أن هذا الفصل لم يظهر. فقد بدأ بيان الداخلية حول الإعدامات بمرافعة تبريرية شرعية تضمنت 4 آيات قرآنية و 7 أحاديث نبوية، وانتهى بآية قرآنية. وقد تركت الداخلية طريقة اختيار طريقة الإعدام (بالسيف أو الرصاص) لتقدير القائمين عليه، وليس للقضاة. وهناك مؤشرات عدة على تدخّل ضباط الداخلية في التقاضي، واستضافتها لمقر المحكمة الخاصة بالإرهاب.
2. نص بيان الداخلية على خمس جرائم أدين بها المحكومون بالإعدام، وهي اعتناق المنهج التكفيري والانتماء لتنظيمات إرهابية واستهداف المقار الأمنية والعسكرية وضرب الاقتصاد الوطني والعلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة. لم يتم اتهام الشيخ النمر بأي منها.
3. من الناحية الشرعية، فالأحكام تابعة لعناوينها. فقد نص بيان الداخلية على حديثين من صحيح مسلم حول الفرقة بين المسلمين، وقد تمّ توجيه هذه التهمة إلى النمر في سياق المحاكمة، من دون أن ينصّ بيان الداخلية عليها استقلالاً. فأين هاجم النمر المذاهب الأخرى؟ لم يحدث هذا الأمر، وإن كان قدح بالأسرة الحاكمة، وهو ما لا يُعَد تفريقاً بين المسلمين. لذلك، قُطع رأس الشيخ النمر من دون انطباق التهمة عليه، وهذا ما يخالف القواعد الشرعية والقانونية، حيب لا عقوبة إلا بنص (م. 38 من نظام الحكم). كما أن الحكم صدر بالتعزيز بالقتل، وهو ما يخالف آراء الكثير من العلماء، فالتعزيز عقوبة غير مقدّرة في كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة، ولا تصل إلى القتل إلا بحدودٍ، على رأي.
4. من الناحية القانونية، ليس في السعودية قانون عقوبات مدوّن، بل تنظّم الشريعة والأنظمة الصادرة عن الملك مجاري الأمور. ترك هذا الواقع مساحة تقديرية واسعة للقضاء دفعت الملك السابق عبد الله إلى إصدار مرسوم لإصلاح القضاء في 2007، ومحاولة تدوين النصوص في 2010، من دون نجاح. أما الأنظمة (القوانين) الصادرة عن الملك، ولاسيما نظام الإجراءات الجزائية، فقلما يتم الالتزام بموادها. فبينما ينص نظام الحكم على حماية الدولة لحقوق الإنسان (م. 26)، مثلاً، فهي لم تلتزم بالمادة 19 من الإعلان العالمي حول حرية الرأي والتعبير، وهو ما مارسه الشيخ النمر سياسياً وبشكل سلمي. وقد اعتقل الشيخ من دون تهمة في مخالفة للمادة 9 من الإعلان، وأعدم دون مراعاة للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن لا يُحكم بالإعدام «إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة»، و «بالحد الأدنى من المعاناة» (قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي العام 1984).
5. لم تراعَ الضمانات القضائية في سير المحكمة، ولم يُسمح للمتهم بالدفاع عن نفسه، أو محاميه بحرية الدفاع، ولم تسلّم الجثة لأهله. خلال التقاضي، أصرّ الإدعاء على تهمة الحرابة لإدانة النمر، لكنها لم تثبت، فانتقل سريعاً إلى المرافعة بتهم متعددة، وإصدار الحكم الأقسى. اتهم الشيخ بحمل السلاح ربطاً بحادثة اعتقاله، فطلب الدفاع استدعاء رجال الأمن الذي اعتقلوه للتحقيق، فرفض القضاة. لكن في المؤتمر الصحافي الذي تلا الإعدام، أصر المتحدث باسم وزارة العدل على دقة الأحكام وأهمية درجات التقاضي. تجدر الإشارة إلى أن المحكمة المعنية (الخاصة بالإرهاب)، والتي تأسست منذ حوالى 7 سنوات، نظرت في 2225 قضية، و 6122 متهماً، ما يعني أنه، في السنة الواحدة، تنظر في 318 قضية و 864 متهماً، وهو رقم كبير على محكمة تنتقل بين وسط وغرب السعودية.
6. وقع المتحدثان باسم الداخلية والعدل، في مؤتمرهما الصحافي، في تناقضات عدة، منها قول ممثل وزارة العدل أن بعض المتهمين أبدوا قناعتهم بالأحكام الصادرة بحقهم، وحين سأله أحد الصحافيين حول عدم تغيير البعض قناعاتهم، أجاب بأنه غير مطلع على سير المحاكمات. وفي مثال آخر، فقد تحدث ممثل الداخلية، بالنيابة عن القضاء، فعدّ الإرهاب «فساداً في الأرض»، ما يعني تطبيق حد الحرابة، وهو تنطّح منه حول موضوع فيه نقاش شرعي، وأساساً، فإن الحدّ طبّق في أربعة فقط.
7. في الوساطات، وقبل أيام من تنفيذ الأحكام، جرى حديث عن احتمال مبادلة الأمراء القطريين المختطَفين في العراق بالشيخ النمر، كما نقل مكتب الشيخ إبراهيم الصميدعي، مفتي السنة في العراق، أنّه تلقى اتصالاً من مكتب الملك السعودي بقبول «التشفّع» وتأجيل الحكم على النمر. لم يحدث ذلك، بل تمت تغطية إعدام النمر بالسيف، ومعه ثلاثة شيعة آخرون، بتنفيذ «القصاص» بـ 43 قاعدياً سنياً، والعكس صحيح. فمن اللافت المسارعة إلى التخلص من عدد غير قليل من قادة «القاعدة»، كفارس آل شويل الزهراني وعبد العزيز الطويلعي وآخرين، في هذا التوقيت.
8. في الإعلام، نُسب إلى «داعش» تأييدها الحكم على «الهالك الرافضي»، برغم تضمّن الإعدامات اسم حافظ متون الصحاح والمؤيد لـ «داعش» حمد الحميدي. أما بالنسبة لـ «القاعدة»، فقد تعرّضت لضربة عنيفة من قبل الوهابية الملكية لا يُفترض أن تمرّ من دون ردّ. لكن، اشتمال لائحة الإعدامات على الشيخ النمر، والتصعيد مع إيران، يُحرج مقاتلي «القاعدة» والبيئة الحاضنة في نجد، كما أنه يهدّئ من الاحتجاجات المتوقعة في الشارع السعودي بسبب فرض ضرائب على الاستهلاك. من هنا، فإن بعض ردود الفعل على إعدام النمر خدمت آل سعود بحيث نقلت الاهتمام الاعلامي والشعبي إلى حرق قنصلية أو إلى الجانب المذهبي أو ضاعفت إحراجات الوهابية «الجهادية».
هل ستسكت «القاعدة» و «داعش»؟ بحسب البيانات التي أطلقاها مؤخراً، هم حذروا آل سعود من مغبة المسّ بالمعتقلين «في سجون الطواغيت»، وأحدها بيان لافت لـ «القاعدة» قبل ساعات من تنفيذ الإعدامات. لا ينبغي إغفال هذه النقطة، فالتحريض الإعلامي الذي أطلقه النظام السعودي وحلفاؤه ضد إيران يخدم التطرف والتكفير في المنطقة. وبالتأكيد، فإن قادة الجماعات التكفيرية ليسوا منزعجين من ذلك، برغم صدورها عن «آل سلول»، بحسب أدبياتهم. فبعض البيئات الشعبية تترسخ فيها مفاهيم الإقصاء ورفض الآخر وإهدار دمه، وسيجد هؤلاء في شرائح الشباب الواسعة تربة أكثر خصوبة لتجنيد مقاتلين على حافة الجنون. ولن يكون مستبعَداً أن يتمكن التكفيريون من توسيع اختراقهم للمؤسسات الأمنية والعسكرية الخليجية، وفي ذلك مؤشرات عدة. هذا خطير على استقرار العروش، وكل ذلك يتم في زمن قياسي غريب.
في السياسة، ليست المملكة على ما يُرام، وهي على مفترق طرق، فبعد عام واحد من تولي سلمان الحكم، اندفع كثيراً إلى الأمام. وكما يقول بول كنيدي، فإن التوسع المفرط هو سبب انهيار الامبراطوريات.

عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط