كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"توجيهي" يخوض معركة "البقاء".. عامان و(39) ألف حُلُمٍ معلقٍ!

"توجيهي" يخوض معركة "البقاء".. عامان و(39) ألف حُلُمٍ معلقٍ!

تاريخ النشر: 2025-08-13 | 13:29

يُعدّ الصف الثالث الثانوي، أو ما يُعرف بـ"التوجيهي"، مرحلة مفصلية في حياة الطالب الفلسطيني. فهو ليس مجرد امتحان نهائي تُختتم به سنوات المدرسة، بل هو البوابة التي تعبر منها أحلام الشباب نحو الجامعات والتخصصات التي يطمحون إليها، ومن ثم إلى المستقبل المهني الذي يخططون له.

في الظروف الطبيعية، يمثل هذا الامتحان تحديًا كبيرًا يتطلب التحضير الذهني والنفسي والمادي على مدار عامٍ كامل. لكن في قطاع غزة، للعامين الدراسيين 2024-2025، اكتسى التوجيهي بطابع استثنائي قاسٍ، إذ جاء في ظل واحدة من أكثر الفترات دموية ودمارًا في تاريخ القطاع، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان، بينهم عشرات الآلاف من الطلبة، تحت نيران حرب إبادة وتهجير قسري منذ أكتوبر 2023م.

تشير الاحصائيات إلى حرمان نحو (39) ألف طالب وطالبة من قطاع غزة من التقدم لامتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" خلال العامين الماضيين، وأكثر من (4000)  منهم استشهدوا نتيجة القصف والدمار خلال استعدادهم للامتحان، في حين سقط (914) شهيدًا من الكوادر التعليمية من المعلمين والإداريين، الذين حملوا على عواتقهم رسالة التعليم رغم قساوة الواقع.

التعليم تحت القصف: مشهد من الميدان

منذ اللحظات الأولى للعدوان، لم تكن المدارس والجامعات في مأمن. على العكس، استُهدفت المؤسسات التعليمية بشكل مباشر فدُمّرت مئات المدارس بشكل كلي أو جزئي، وتحولت عشرات المباني المدرسية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) أو وزارة التربية والتعليم، إلى مراكز إيواء مؤقتة للنازحين. لم تعد الفصول الدراسية مقاعد وسبورات، بل فُرُشًا وأغطية لأسر فقدت منازلها، وأطفال ينامون في زوايا الصفوف بدلًا من تلقي الدروس.

هذا الواقع القاسي قطع الطريق على انتظام العملية التعليمية. طلبة التوجيهي وجدوا أنفسهم فجأة خارج مدارسهم لأشهر متتالية، بلا دروس منتظمة أو مراجعات جماعية. حاول بعضهم متابعة التعليم عن بُعد عبر الهواتف أو أجهزة بسيطة، لكن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وضعف الإنترنت، وغياب المواد التعليمية الأساسية، جعل هذه المحاولات أقرب إلى التمسك بخيط رفيع وسط عاصفة عاتية.

الأصعب من ذلك، أن بعض الطلبة اضطروا إلى التنقل أكثر من مرة بين المحافظات الجنوبية والشمالية بحثًا عن مكان آمن، ليجدوا أنفسهم في كل مرة مضطرين للبدء من جديد في بيئة مختلفة، أو حتى من دون أي أدوات تعليمية.

حلم التوجيهي بين الحياة والموت

لطالما كانت امتحانات التوجيهي حدثًا وطنيًا يحتفى به في كل بيت فلسطيني، حيث تُعلَّق الآمال الكبيرة على أبنائه، وتُبذل الجهود لتأمين بيئة هادئة، وتهيئة الطالب نفسيًا وعلميًا. لكن هذا العام، تغيرت الأولويات بشكل مأساوي.
لم يعد الطالب يطمح إلى معدل الامتياز أو الالتحاق بكلية الطب أو الهندسة، بل أصبح همه الأول هو النجاة بحياته، وتأمين وجبة طعام ومصدر ماء نظيف لعائلته.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الدمار، يصرّ طلبة غزة على التشبث بحقهم في التعليم، باعتباره وسيلة للمقاومة والصمود، ورسالة واضحة بأن الاحتلال لن يستطيع انتزاع مستقبلهم كما انتزع بيوتهم وأحلامهم. لقد أثبتوا في حروب سابقة أنهم قادرون على اجتياز الامتحانات رغم كل الظروف، لكن ما يشهده القطاع اليوم يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال، ويجعل من استمرار العملية التعليمية بالشكل التقليدي شبه مستحيل.

أهمية إجراء امتحانات التوجيهي هذا العام

في ظل هذا الوضع، تبرز أهمية توفير صيغة استثنائية لإجراء امتحانات التوجيهي في غزة. فالامتحان ليس مجرد إجراء أكاديمي، بل هو ضمانة أساسية لحق الطلبة في استكمال مسارهم التعليمي والالتحاق بالجامعات داخل فلسطين وخارجها. تأجيل أو إلغاء الامتحانات قد يعني ضياع عام كامل من حياة الطلبة، وربما خسارة فرص تعليمية لا يمكن تعويضها بسهولة.

لكن إجراء الامتحانات في ظل العدوان والحصار يتطلب ترتيبات إنسانية وأمنية خاصة، تكفل حماية الطلبة وتضمن نزاهة الامتحان وشفافية نتائجه.

مقترح لتشكيل فريق وطني ودولي

لتحقيق هذا الهدف، يمكن تقديم مقترحٍ لتشكيل فريق مشترك يضم:

وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بصفتها الجهة المسؤولة عن تنظيم وإدارة امتحانات الثانوية العامة، خصوصًا الإدارة العامة للقياس والتقويم.

المؤسسات الدولية المعنية بالتعليم:

اليونسكو (UNESCO): لدورها في حماية التعليم خلال النزاعات.

اليونيسف (UNICEF): لدعم تعليم الأطفال في حالات الطوارئ.

الأونروا (UNRWA): بحكم خبرتها في تعليم اللاجئين الفلسطينيين وبنيتها التحتية الواسعة في غزة.

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA): لتأمين الدعم اللوجستي.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): لضمان الجانب الأمني والإنساني أثناء الامتحانات.

المجتمع المدني: الذي يبرز دوره كعامل حاسم في تمكين طلبة الثانوية العامة من أداء امتحاناتهم. حيث يمكن للمؤسسات والجمعيات المحلية أن توفر الدعم اللوجستي عبر تجهيز أماكن بديلة وآمنة لعقد الامتحانات، وتوزيع المستلزمات المدرسية على الطلبة المتضررين. كما يمكنها المساهمة في إنشاء منصات تعليمية بديلة، سواء ورقية أو إلكترونية، لتعويض الانقطاع عن الدراسة، إضافة إلى تنظيم حملات توعية لدعم الصحة النفسية للطلبة، بما يخفف من ضغط الحرب عليهم. وللمجتمع المدني كذلك دور في التنسيق مع المؤسسات الدولية للضغط على الأطراف المعنية لتأمين مراكز الامتحان، وضمان إشراف محايد وشفاف على العملية. إن هذه الجهود المشتركة تمثل جسرًا يربط الطلبة بحقهم في التعليم، وتحافظ على الأمل بأن مستقبلهم ما زال ممكنًا رغم قسوة الحاضر

خارطة طريق عملية

يمكن لهذا الفريق أن يتبنى خطة عمل متكاملة تشمل:

تقييم الوضع التعليمي ميدانيًا، وتحديد أماكن تواجد الطلبة، والمدارس الصالحة للاستخدام، والاحتياجات اللوجستية.

تأمين مراكز الامتحانات بالتنسيق مع المؤسسات الدولية لضمان عدم استهدافها، وفرض رقابة دولية علنية.

إنشاء مراكز امتحان مرنة وآمنة باستخدام مدارس الأونروا أو مواقع تابعة للمنظمات الدولية.

إشراف دولي مباشر لمراقبة سير الامتحانات وتوثيق أي انتهاكات.

نقل أوراق الإجابات بأمان إلى الضفة الغربية للتصحيح تحت إشراف الأمم المتحدة لضمان الشفافية.

آلية للمراجعة والشكاوى إلكترونيًا وبإشراف دولي، لضمان إنصاف الطلبة.

اللامركزية كعامل مساعد

يُعدّ نهج العمل اللامركزي أحد الأساليب الفعّالة للتعامل مع الظروف الطارئة، خاصة في البيئة القهرية التي يمر بها قطاع غزة. يقوم هذا النهج على تفويض صلاحيات أوسع للمكاتب التعليمية المحلية والمجالس المجتمعية، بما يتيح لها اتخاذ قرارات عاجلة تتعلق بتحديد مراكز الامتحان، وتوزيع اللجان، وتكييف الجدول الزمني بما يتناسب مع الواقع الميداني لكل منطقة.

اللامركزية تمكّن من استثمار الموارد المتاحة في الميدان بسرعة، وتسهيل التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية لتأمين أماكن آمنة ومهيأة للامتحانات، ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر من السلطة المركزية إصدار قرارات واضحة تمنح الصلاحيات الإدارية والفنية للمستويات المحلية، وتحدد معايير موحدة لضمان النزاهة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلبة، مع الإبقاء على دورها الرقابي والإشرافي لضمان وحدة المعايير وسلامة العملية الامتحانية على المستوى الوطني.

البعد الإنساني والحقوقي

طلبة التوجيهي في غزة ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار. هم أبناء وأحفاد، وأحلام لم تكتمل بعد، وأصوات تصر على الحياة رغم أن الموت يحوم حولهم في كل لحظة. منعهم من أداء امتحاناتهم هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، وحرمانهم من حق أساسي كفله القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو الحق في التعليم.

التعليم في زمن الحرب ليس رفاهية، بل طوق نجاة يربط الأجيال بمستقبل أفضل، ويمنع الانزلاق نحو الجهل والفراغ. في غزة، يمثل التوجيهي هذا العام اختبارًا ليس للطلبة فقط، بل للإنسانية جمعاء: هل سنسمح بأن يُحرم آلاف الشباب من حقهم في الحلم، لمجرد أنهم ولدوا في منطقة محاصرة تتعرض لعدوان مستمر؟

ختامًا: من حقهم أن يحلموا

إن إنقاذ حق طلبة غزة في تقديم امتحان التوجيهي هذا العام تحت إشراف دولي، هو واجب وطني وأخلاقي وإنساني. إنه رسالة للعالم بأننا نتمسك بالعلم سلاحًا في وجه الجهل والدمار، وأننا نؤمن بأن المستقبل يُكتب بالحبر لا بالدم.

على المجتمع الدولي أن يتحرك فورًا، وألا يترك هؤلاء الطلبة ضحايا للنسيان. فكل ورقة امتحان في غزة اليوم هي شهادة صمود، وكل علامة نجاح هي انتصار صغير على آلة الحرب. فلنمنحهم هذه الفرصة، لأنهم يستحقون الحياة.. ويستحقون أن يحلموا.

 

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط