كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تونس.. الاقتراع الرئاسي «انقلاب» على منظومة الحكم!

تونس.. الاقتراع الرئاسي «انقلاب» على منظومة الحكم!

تاريخ النشر: 2019-09-22 | 10:24

اختار التونسيون معاقبة الطبقة السياسيّة بمختلف أحزابها وتلاوينها ومرجعياتها، بعد أن استنزفت وقتها وجهدها في الصراعات الحزبية والشخصية، وانشغلت عن مشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية، ولم تلتفت خصوصاً لمشاكل الشباب والمناطق المُهمّشة والأحياء الشعبية المليئة بالفقر والفوضى!.
ومن المتفق عليه، أنّ تونس لم تتمكّن منذ الثورة من تحقيق نقلة اقتصاديّة تُوازي ما تحقّق سياسيّاً. فملفّ الأزمات الاقتصاديّة لا يزال يمثّل مشكلة أمام الحكومات المتعاقبة، ما دفع التونسيّين إلى الاحتجاج بشكل متواصل طيلة السنوات الأخيرة، مطالبين بمراجعة السياسيات الاقتصاديّة وتحسين القدرة الشرائيّة التي تدهورت. كما أنّ هذا الأمر نفسه دفع شباباً كثيرين إلى النفور واليأس من السياسة والسياسيين.
وقد وصفت نتائج انتخابات الرئاسة في تونس (15/9)، بأنها «زلزال» أو «تسونامي سياسي»، تمثّل بخسارة منظومة الحكم القائمة حالياً، والممثلة في حزب «النداء» وحزب «تحيا تونس» (الليبراليان الوسطيان)، وحركة «النهضة» (الإسلامية)، وكذلك منظومة المعارضة (اليسارية) التي قادها لسنوات تحالف «الجبهة الشعبية» بزعامة حمّة الهمامي. وهذا الأمر ينسحب كذلك على كل الأحزاب والشخصيات المتحدّرة من «نداء تونس» (الأم)، التي أنهكها الانقسام والتشتّت.
وبذلك، تضيف الانتخابات التونسية تأكيداً جديداً على صعود الشعبوية عالمياً وفي مختلف بقاع الأرض، في شمالها المتقدّم وجنوبها النامي على حدٍّ سواء، حيث تتجه أصوات الناخبين إلى مرشّحين من خارج المنظومة التقليدية المعروفة، بيمينها ويسارها، في وقت أصبحت فيه مؤثرات الإعلام والمال والسوشيال ميديا والعمل الخيري والزبائنية السياسية، فاعلة في توجيه الاقتراع والناخب!.
وقد حملت النتائج إلى الدورة الثانية من الاقتراع مرشّحين يكادان أن يكونا على طرفي نقيض في كلّ شيء تقريباً، هما؛ قيس سعيّد، أستاذ القانون الدستوري (المستقل)، وقطب الإعلام الموقوف حالياً، نبيل القروي، رئيس حزب «قلب تونس»، وذلك بعد تصدّرهما نتائج الدورة الأولى متقدمين على بقية المرشحين، (وأغلبهم من الوجوه التي مارست السياسة أو الحكم ومحسوبة على المنظومة القديمة). أولهما يُعدّ من خارج «السيستم» بشكل كليّ، والثاني كان من مؤيدي حزب نداء تونس، قبل أن يتخلّى عنه ويبدأ العمل على نحو مستقل.
قيس سعيد
ينتمي قيس سعيد، الذي يتحدث الفصحى دائماً كما لو كان يحاضر في الجامعة، للطبقة المتوسطة على عكس أغلب الطبقة السياسية. وقد جذب إليه الشباب وطلبة الجامعات ليس فقط بالوعود العامة التي أطلقها، ولكن أيضاً كونه ظهر في صورة «السياسي الزاهد المتعفف عن المال العام»، في وقت يزدحم فيه المشهد بأخبار الفساد والفاسدين والصفقات المشبوهة.
وقد لفت انتباه المراقبين التناقض الصارخ والفارق الكبير بين الثروة الهائلة للقروي وآلته الانتخابية الضخمة، بالمقارنة مع سعيد الذي لم ينفق أموالاً تذكر في حملته الانتخابية، التي غلب عليها التقشف والحد الأدنى من التكلفة، وخلت من مظاهر الزينة والأعلام والأموال الموزعة، في وقت أصبحت فيه هذه المظاهر دلالة على الفساد أو الدعم الخارجي.
وبينما أنفق القروي وغيره مئات الآلاف من الدولارات على حملاتهم، لم يكن لسعيد لا مدير حملة ولا تمويل، بل كان لديه فقط مقرّ متواضع في مبنى قديم وسط العاصمة، وكان يعتمد على تبرعات متواضعة من متطوعين يدعمونه. وخلافاً للقروي أيضاً، رأى فيه البعض «شخصية تجمع بين التطهرية الثورية والنهج الاجتماعي المحافظ، فضلاً عن الصفة الحقوقية القانونية» التي يحبذها كثير من التونسيين.
ويدعم سعيد تطبيق عقوبة الإعدام ويرفض المساواة في الميراث بين الرجال والنساء، ويركّز على اللامركزية في الحكم في بلد اعتاد على المركزية وهيمنة العاصمة على نحو تقليدي، وهو توجه يثير مخاوف كثيرة في الساحة السياسية، خاصة في ظل ما يروج من حديث عن وقوف «حزب إسلامي متشدد» وراءه.
وقد تمكّن بسلوكه وطروحاته هذه من السيطرة على جزء معتبر من الخزان الانتخابي للحركات الإسلامية بمختلف مشاربها، وقد حفلت الانتخابات بالعديد من ممثليها؛ فإلى جانب عبد الفتاح مورو، مرشح «النهضة»، كان هناك أيضاً حمادي الجبالي ولطفي المرايحي وسيف الدين مخلوف والرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي. يُذكر هنا أنّ سعيد اتهم من قبل بعض الأوساط السياسية بأنه «عصفور النهضة النادر غير المعلن»، بسبب مواقفه الموافقة للحركة الإسلامية.
الطبقة الوسطى
واعتبر البعض أن صعود سعيّد جاء نتيجة لفشل الحكومات المتعاقبة منذ 2011، في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفقدان الناس لثقتهم في الطبقة السياسية وفي المناخ السياسي العام. ومن هنا، أشار محللون إلى دور الطبقة الوسطى في صعوده، وتحديداً الجزء الذي يخشى على نفسه من مزيد من التراجع والتآكل، على خلفية تفاقم الوضع الاقتصادي وغلاء المعيشة، فهذا الجزء رأى في سعيّد ممثلاً له، وهو الذي ظهر خلال حملاته وهو يقود سيارته القديمة، وكان دائماً يردد أنه يفضل البقاء في منزله إذا تم انتخابه، بدلاً من الانتقال إلى القصر الرئاسي الفاخر في قرطاج.
نبيل القروي
رجل المال وقطب الإعلام الذي بات يوصف بأنه «برلسكوني تونس»، وخصوصاً بعد إطلاقه قناة «نسمة» الفضائية الخاصة، التي استخدمها لسنوات إلى جانب المؤسسة الخيرية التي أسّسها بعد وفاة ابنه الدرامية، في الدعاية وتقديم نفسه «بطلاً للفقراء ومُعوّضاً لغياب الحكومة وتقصيرها».
وقد فشل خصومه في الحدّ من تأثيره وحصوله على نتائج لافتة، على رغم وصفه بأنه «شعبوي يسعى للمتاجرة بآلام المهمشين والفقراء للوصول إلى كرسي الحكم». ولقبه البعض بـ«روبن هود»، حيث بنى شعبيته من خلال توزيع مساعدات وإعانات (مصدرها مشبوه)، وزيارات للمناطق الداخليّة المهمّشة من البلاد، التي سرعان ما تمتّع في أوساطها الفقيرة والمحرومة بقاعدة انتخابيّة كبيرة، رافعاً شعار «لا للظلم.. لا للتهميش.. لا للفقر.. نعم للأمل»!.
وفي توقيت مريب بين الزمنين القضائي والانتخابي، قرّر القضاء التونسي إيقافه قبل عشرة أيام من انطلاق الحملة الانتخابيّة، على خلفيّة تُهم تتعلّق بتبييض أموال وتهرّب ضريبي، إثر شكوى رفعتها ضده منظمة «أنا يقظ» التونسية عام 2017. وهو ما نفاه القروي مدّعياً أنه «يتعرض لحملة ممنهجة وسياسية بهدف إقصائه من السباق الرئاسي». ومن المنتظر أن يطفو على السطح جدل قانوني بخصوص تواصل توقيفه ومنعه من القيام بحملته الانتخابية.
انعكاس «الرئاسية» على «التشريعية»
ويسود تخوّف على نطاق واسع من أن تقود نتائج الانتخابات الرئاسية، إلى زلزال كبير آخر في الانتخابات التشريعية المقرّرة في السادس من نشرين الأول/ أكتوبر القادم. فقيس سعيد لا يمتلك حزبا ولا يعرف إلى أيّ الجهات الحزبية ستذهب الأصوات التي حصل عليها، وهل يمكن أن يتحالف مع حركة النهضة التي بدأت تغازله، وسط تسريبات عن أنها لعبت دوراً ما في صعوده.
أما القروي فقد يكون أكبر مستفيد في الانتخابات التشريعية في ضوء وجود حزبه في هذه الانتخابات أولاً، مع جمهور انتخابي ثابت يتمركز بصفة خاصة في الشمال الغربي وبنزرت وبعض الأحياء الشعبية الكبرى في محيط العاصمة تونس. على رغم أنه لا يعرف إن كان سيتم إطلاق سراحه، وهل سيشارك في الحملة الانتخابية للدور الثاني أم لا؟، وكيف ستتعامل المؤسسة القضائية مع وضعه في حال فوزه بمنصب الرئيس؟!.
 

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط