كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تونس بين العقدة والهامش: قراءة في هشاشة الموقع ورهانات المستقبل

تونس بين العقدة والهامش: قراءة في هشاشة الموقع ورهانات المستقبل

تاريخ النشر: 2026-03-28 | 12:30

ليس كل من يملك مفتاحا يستطيع فتح الباب، وليس كل من يقف على مفترق طرق يضمن الوصول إلى الوجهة.

تونس،التي طالما اختزلت في موقعها المتوسطي،تكتشف اليوم أن الجغرافيا وحدها لا تصنع المصير،بل إن تاريخها الطويل يخبرنا أن الامتداد وحده لم يكفِ حين غابت الإرادة،وأن الانفتاح وحده لم ينفع حين افتقدت الرؤية.

في الأسبوع الماضي،كان مضيق هرمز على بعد آلاف الكيلومترات،لكن ارتدادات صراعه بلغت الموانئ التونسية في صورة أسعار شحن متقلبة، وتدفقات تجارية مضطربة،وإحساس خافت بأن العالم الصغير لا يزال يخضع لمنطق الممرات.فإذا كان المضيق الخليجي قادرا على هز اقتصادات كبرى بمجرد تهديد،فماذا عن بلد بحجم تونس،لا يملك من القوة ما يفرض به حضوره،ولا من العمق ما يعزله عن العواصف؟

هذا السؤال ليس جديدا.فقد ظل التاريخ التونسي يراوح بين لحظات كان فيها الموقع بوابة للرخاء، وأخرى كان فيها الموقع مجرد نقطة عبور يمر منها الجميع دون أن يتركوا شيئا. 

قرطاج لم تكن عظيمة لأنها على البحر،بل لأنها استطاعت أن تحول البحر إلى سوق خاص بها. والحفصيون لم يزدهروا لأن الموانئ كانت مفتوحة،بل لأنهم أدركوا أن الانفتاح وحده لا يكفي دون أن يكون للدولة مشروع في هذا الانفتاح.

لكن اللافت في قراءة هذا التاريخ،حين ننزع عنه طبقات الأساطير والأيديولوجيات،هو أن تونس لم تكن يوما فاعلا مستقلا في تشكيل شبكات العبور التي تمر بها.كانت في أحسن أحوالها شريكا صغيرا في منظومات كبرى: قرطاج ضمن الإمبراطورية القرطاجية ثم الرومانية،الأغالبة ضمن فضاء الخلافة العباسية،الحفصيون ضمن منظومة المتوسط التجاري.وحين كانت هذه المنظومات تزدهر،كانت تونس تزدهر.وحين كانت تتراجع أو تغيّر مساراتها،كانت تونس أول المتضررين.

هذه التبعية البنيوية ليست مجرد ملاحظة تاريخية،بل هي مفتاح لفهم المعضلة الحالية. فتونس اليوم،كما في الأمس،تجد نفسها أمام خيارين: إما أن تكون جزءا من حركة أوسع، فتتحرك معها،وإما أن تنكمش على ذاتها فتتراجع. لكن الجديد في العصر الراهن أن الشبكات لم تعد جغرافية فقط،بل أصبحت لوجستية ورقمية وطاقية.فالبحر لم يعد الممر الوحيد،والموقع لم يعد الامتياز الأوحد.وفي عالم تتحرك فيه البيانات أسرع من البضائع،وتُصنع فيه القيمة في مراكز البيانات قبل أن تُصنع في المصانع،يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: هل يمكن لتونس أن تكون عقدة في هذه الشبكات الجديدة،أم أنها ستبقى مجرد ممر للسلع والخدمات دون أن تصنع منها قيمة؟

الإجابة ليست في الجغرافيا،بل في القدرة على تحويل الموقع إلى وظيفة.ووظيفة تونس،إذا ما أريد لها أن تكون أكثر من مجرد عبور،هي أن تصبح منصة للتجميع وإعادة التوزيع،مركزا للخدمات اللوجستية،نقطة التقاء بين الأسواق الأوروبية والإفريقية.

هذا يتطلب بنية تحتية متطورة،وإطارا قانونيا جاذبا،وسياسات خارجية ذكية لا تراهن على طرف واحد،بل توزع تحالفاتها بحساب دقيق.

لكن الأصعب من ذلك،هو "الانفتاح الداخلي". فكيف لبلد أن ينفتح على العالم وهو لا يزال يعاني من انغلاق داخلي؟ كيف له أن يكون جاذبا للاستثمارات والكفاءات وهو يعيش أزمات ثقة بين مكوناته؟!

 الانفتاح الخارجي الحقيقي يبدأ من الداخل: من اقتصاد لا يحتكر،ومجتمع لا يقصي،وإدارة لا تخنق.

ربما يكمن العمق الحقيقي في العودة إلى سؤال: هل تونس،في جوهرها،فضاء مفتوح بطبعه أم أنها مجرد رقعة جغرافية تنتظر من يمنحها معناها؟ التاريخ التونسي يبدو كأنه صراع دائم بين نزعة الانفتاح التي تدفعها ضرورات الموقع،ونزعة الانغلاق التي تفرضها مخاوف الهوية.وفي كل مرة يغلب فيها الخوف،تدفع البلاد ثمنا باهظا: تراجع اقتصادي،تهميش إقليمي،وشعور خفي بالضياع.

لكن السؤال الأعمق،الذي لا تجيب عنه الأرقام ولا الخرائط،هو: هل تونس مستعدة لأن تكون ما يمكن أن تكونه؟ ليس فقط على مستوى المؤسسات والسياسات،بل على مستوى الوعي الجمعي.فالانفتاح الحقيقي ليس مجرد سياسات اقتصادية،بل هو ثقافة: ثقافة الاختلاط، والمخاطرة،وقبول الآخر.إنه موقف وجودي من العالم.

وهنا تكمن المفارقة: تونس التي كانت على مر التاريخ نقطة التقاء للحضارات،تعيش اليوم أزمة ثقة في قدرتها على استيعاب التنوع. 

تونس التي كانت بوابة العبور،باتت تخشى من أن تمر من خلالها أفكار لا تشبهها.وفي هذا الخوف، تفوتها الفرصة الأكبر: أن تصبح،بدلا من مجرد ممر، وجهة.فالموقع الجغرافي،إذا أسيء استخدامه، يتحول من نعمة إلى نقمة.من نعمة تمنح الامتداد، إلى نقمة تجعل البلاد رهينة لكل عاصف.ومن هنا، فإن مستقبل تونس لا يتحدد بخطوط الطول والعرض،بل بمدى قدرتها على صنع مشروع داخلي يمنحها الثقة لتكون لاعبا في العالم،لا مجرد متفرج على مسرحه.

فهل تملك تونس،اليوم،ما لم تملكه في كثير من مراحلها: إرادة أن تكون،لا أن تُوجد؟!

الإجابة ليست في الجغرافيا،بل في قرار مصيري لا يزال منتظرا..

وتظل الجغرافيا،في جوهرها العميق،وعدا ورهانا في آنٍ واحد.فهي تمنح الموقع،لكنها لا تمنح الدور تلقائيا.وما ترسمه خرائط المضائق والممرات من إمكانات يبقى حبرا على ورق ما لم تترجمه إرادة سياسية واعية إلى مشروع قائم على الفعل،لا على الترقب.

إنّ ما يجري اليوم من مضيق هرمز إلى شواطئ المتوسط يؤكد أن الأمم لا تُصنع بمواقعها فقط، بل بقدرتها على امتلاك زمام المبادرة داخل شبكات العصر،وأن العقد الجيوسياسية لا تكتسب قيمتها النهائية إلا حين تصبح مراكز قرار،لا مجرد نقاط عبور.

ربما يكون السؤال الأعمق الذي تفرضه هذه القراءة هو: هل تونس،التي أثبت تاريخها أنها تزدهر حين تكون بوابة وتتعب حين تتحول جيبا، مستعدة اليوم لأن تختار وعيا لا اضطرارا،وأن تحول ميزة الموقع إلى إرادة موقع؟ 

الإجابة عن هذا السؤال هي وحدها التي ستفصل، في العقود القادمة،بين مصيرين: مصير من تُصنع له الجغرافيا تاريخه،ومصير من يصنع هو لتاريخه جغرافيته.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط