كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

توني بلير ... وقصتنا مع هذا الرجل

توني بلير ... وقصتنا مع هذا الرجل

تاريخ النشر: 2025-09-28 | 14:58

من جديد يعود اسم توني بلير للتداول ، فيما بات يعرف بترتيبات اليوم التالي لوقف الحرب في قطاع غزة . بلير يعود هذه المرة كحاكم لمرحلة انتقالية  " مندوب سامي " في قطاع غزة وفق خطة الرئيس الاميركي دونالد  ترامب ببنودها ، التي تتداولها وسائل الاعلام  لـ "إنهاء حرب غزة" .

للفلسطينيين قصة مع هذا الرجل ، فقد كان مبعوثا للجنة الرباعية الدولية لعدة أعوام ، وهي لجنة تشكلت ، بشروطها المذلة والمهينة عام 2002 من الولايات المتحدة الاميركية وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة . في حينه تم تعيين جيمس وولفنسون، رئيس البنك الدولي السابق كمبعوث لها في أبريل 2004 ولكنه استقال في أيار من االعام التالي ، وبرر ذلك بوجود حكومة بقيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الأراضي الفلسطينية ، الأمر الذي لا يسمح له بممارسة مهماته ، ولكنه في الوقت نفسه رفض بشدة تجويع الفلسطينيين لحملهم على تأييد عملية السلام بعد ان اوقفت الدول الغربية مساعداتها للسلطة الفلسطينية ووضعت الشروط المعروفة للعمل مع اية حكومة فلسطينية .

وقد حل بديلا له توني بلير في السابع والعشرين من حزيران عام  2007 . في نفس اليوم، الذي أعلن فيه استقالته عن رئاسة الوزراء وعضوية البرلمان في المملكة المتحدة واستمر في مهمته حتى العام 2015 برواتب ضخمة ، عدا عن الإيجار الخيالي للمكاتب التي كان يشغلها في فندق " الاميريكان كولوني " في القدس المحتلة .

في مواقفه من القضايا العربية عرف عن توني بلير تبعيته المطلقة لسياسة المحافظين الجدد في الادارة الاميركية ، كان ذلك واضحا بشكل كبير في الموقف من العدوان ، الذي شنته الولايات المتحدة الاميركية على العراق بحجة تدمير اسلحة الدمار الشامل ، التي يملكها ، وكانت حجة سخبفة ، وكذلك موقفه من العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006 وهو موقف تماهى تماما مع السياسة الاميركية ومع مواقف دولة الاحتلال الاسرائيلي .

وعلى امتداد سنوات عمله كمبعوث للرباعية الدولية أقام ما يشبه " دويلة " استشارات وخدمات في المنطقة لدول عربية وغير عربية، لكنّه في ما يخص عمله الرئيسي كممثل للرباعية فقد اقتصرت مهمتةعلى ملء الفراغ في الحديث عن السلام وعن جهود اقتصادية ، حيث حاول توني بلير في 2008 التسويق لخطة احلال السلام تعتمد على تطوير الاقتصاد الفلسطيني وتقديم تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين ضمن سياسة مقايضة الحقوق بالاقتصاد ، هذا الى جانب تشجيعه لأطروحات راجت في حينه حول حلول انتقالية للصراع من أهماها دولة فلسطينية بحدود مؤقته . 

ولا يخفى على أحد الدور الذي لعبه توني بلير في التقارب بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والتي أفضت إلى التوصل لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال ، وذلك من خلال نشاط سري قام به على امتداد سنوات . بلير نفسه كشف عن هذا الدور في مقابلة أجرتها صحيفة "يسرائيل هيوم" مع بلير ونشرت تفاصيلها في العاشر من ايلول قبل خمسة أعوام ، حيث كشف عن عدد من "اللقاءات السرية التي انطلقت عبر قناة سرية بمبادرة منه عام 2015 واستمرت على مدار سنوات ،  ووضعت حجر الأساس ، على حد تعبيره ، لما يسمى بالاتفاقيات الابراهيمية بين اسرائيل وعدد من الدول العربية .

توني بلير ، سمسار صفقات " السلام الابراهيمي " ، لم يكن يوما نزيها لا في عمله كمبعوث للجنة الرباعية الدولية ولا في دوره اللاحق وعلاقاته مع اليمين الاسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو . خرج بلير من العمل كمبعوث للرباعية الدولية ولكنه لم يخرج من المشهد السياسي في المنطقة ومشاريع التسوية السياسية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي . في العام 2020 قام توني بلير بقلب المعادلة السياسية لتسوية هذا الصراع ، فدعا الى السلام بين الدول العربية وإسرائيل أولا ، ثم حل القضية الفلسطينية لاحقا ، كان بلير واضحا في ذلك في حديث له مع صحيفة "جيروزاليم بوست" في الرابع والعشرين من ايلول عام 2020 . قال بلير: "ما يحدث في المنطقة الآن هو أن يتفاوض الإسرائيليون والفلسطينيون على السلام، ثم تنضم بقية دول المنطقة، وهذا على النقيض تماماً مما يجب أن يكون. في الواقع، يجب أولاً إحلال السلام بين إسرائيل والدول العربية، وبعد ذلك  إدراج القضية الفلسطينية ضمن مسار السلام " . هنا كان توني بلير اكثر من استاذ لبنيامين نتنياهو ، كان ملهما فقد تبنى نتنياهو موقف توني بلير وبدأ يروج بعد اتفاقياته الابراهيمية مع عدد من الدول العربية لسياسة قلب المعادلة . 

هذه بالمختصر سيرة هذا الرجل ومواقفه من القضايا العربية والفلسطينية ، التي أهلته عند الادارة الأميركية لدور جديد في في المنطقة ، جرى التمهيد له بسلسلة من اللقاءات والاتصالات كان توني بلير يجريها مع اوساط اميركية وعربية واسرائيلية نافذة ، توجها في اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية آب الماضي بحضور صهره جاريد كوشنر، ، للبحث في مستقبل قطاع غزة ، وفي وقت تزامن مع وجود وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر ووزير الخارجية جدعون ساعر، المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في واشنطن لعقد اجتماعات مع كبار قادة إدارة ترامب. وكانت تقارير قد أشارت إلى أن مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف شارك في وضع خطط لغزة ما بعد الحرب مع كوشنر وبلير منذ أشهر.

قبل ذلك الاجتماع بأسابيع كانت صحيفة " فايننشال تايمز " البريطانية قد نشرت في السادس من تموز الماضي أنها اطلعت على خطة طورتها "مجموعة بوسطن الاستشارية" (بي سي جي) أحد أكبر شركات الاستشارات الأميركية، بالتعاون مع "معهد توني بلير" (تي بي آي) وعدد من رجال الأعمال الإسرائيليين، بعنوان " الثقة العظيمة " (غريت ترست Great Trust ) ، وتتعلق بتطوير غزة ما بعد الحرب. وتضمنت تأسيس " ريفييرا ترامب " و"منطقة إيلون ماسك الذكية للتصنيع"، و"مناطق صناعية خاصة" وطرق سريعة ومطار وميناء، وجزر صناعية وبنية استثمارية وتجارية ولوجستية لربط غزة بالممر الاقتصادي المخطط له بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن وثيقة " معهد بلير"  جاء فيها أن الحرب المدمرة في غزة "خلقت فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في القرن لإعادة بناء غزة كمجتمع آمن وعصري ومزدهر"، ولم تشر وثيقة " معهد بلير " تلك إلى إعادة توطين الفلسطينيين، إلا أنها ذكرت أنه يمكن تسهيل تهجير نصف مليون فلسطيني مقابل 9 آلاف دولار للشخص الواحد .

خطة " الثقة العظيمة " هذه ، التي كان لتوني بلير دور محوري في بلورتها  ، هي سمك في " بحر العرب " ، وهي خطة ليس للجانب الفلسطيني فيها غير دور ثانوي وهامشي . أما مقدمات تلك الخطة وروافعها فقد جاءت في البنود الواحدة والعشرين ، التي تداولتها وسائل الاعلام مؤخرا وتسلمها وفد الدول العربية والاسلامية ، الذي التقى الرئيس الاميركي دونالد ترامب على هامش اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة كمقترحات أولية . بنود تلك الخطة على درجة عالية من الغموض ، فكل بند فيها يحتاج الى مفاوضات باستثاء بند واحد هو الرابع ، الذي يدعو الى عودة جميع الرهائن الأحياء وجثامين القتلى الاسرائيليين خلال 48 ساعة من قبول إسرائيل العلني للاتفاق . أما البنود الأخرى فمعظمها إن لم يكن جميعها بحاجة الى مفاوضات ومساومات تتحكم فيها اطراف عدة أهمها الطرفان الأميركي والاسرائيلي ، وخاصة في البند الأكثر أهمية على الاطلاق والمتعلق بانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ، وهو انسحاب قيل انه سوف يكون تدريجيا ، الأمر الذي يعيد الى الذاكرة الفلسطينية تجارب مريرة مع الجانب الفلسطيني .

فهل نعود الى نفس المشهد ، الذي عشناه في تنفيذ اسرائيل لما تم الاتفاق عليه من إعادة انتشار لقواتها في الضفة الغربية . في إطار تلك الاتفاقيات تم إعادة انتشار قوات الاحتلال في مناطق (أ) و(ب)، ضمن ما عرف بالنبضتين الأولى والثانية، أما الثالثة فقد امتنعت اسرائيل عن تنفيذها  ، حيث ناور ايهود باراك مستخدما مسار المفاوضات على الجبهة السورية للتهرب من التزامات النبضة الثالثة من إعادة الانتشار وتذرع في حينها بأن الفلسطينيين يأخذون ولا يعطون، ودعا الى ربط تنفيذ بقية مستحقات والتزامات المرحلة الانتقالية بالاتفاق النهائي . كان ذلك على ابواب عقد قمة كامب ديفيد في العام 2000، التي أراد منها باراك إثبات عدم وجود شريك فلسطيني، و"إزالة القناع" عن وجه ياسر عرفات حسب تعبيره .

تحسن الدول العربية والاسلامية المعنية صنعا في التزام الحيطة والحذر في التعامل مع خطة اميركية غامضة وملتبسة ، وفي قبول ان يلعب  توني بلير تحديدا دورا محوريا فيها كحاكم جديد لقطاع غزة او مندوبا ساميا على قطاع غزة ، وقد كان عليها ان تتريث في إطلاق المواقف الايجابية بشأنها . كان بإمكان هذه الدول ان تبني على الخطة المصرية ، على علاتها ، في مواجهة خطة الادارة الاميركية لليوم التالي في قطاع غزة وكان عليها في الوقت نفسه ان تدرك خطورة الغموض بشأن دور الجانب الفلسطيني وتحديدا منظمة التحرير الفلسطينية في مستقبل قطاع غزة في اليوم التالي لوقف الحرب الوحشية التي تشنها دولة الاحتلال على قطاع غزة وان تقيم جسرا متينا من العلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس باعتبارهما وحدة اقليمية واحدة ، خاصة بعد سلسلة الاعترافات الدولية الأخيرة بدولة فلسطين .

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط