كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

تيسير البرديني "أبو سالم"... حين تصمت الملامح وتتحدث سيرة الرجال

تيسير البرديني "أبو سالم"... حين تصمت الملامح وتتحدث سيرة الرجال

تاريخ النشر: 2026-07-30 | 12:12

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

شهادة رفيق الدرب والعمر

حين أكتب عن تيسير البرديني "أبو سالم"، فإنني لا أكتب عن قائدٍ تنظيمي، أو أسيرٍ محرر، أو اسمٍ عرفته ميادين العمل الوطني فحسب، بل أكتب عن أخٍ عرفتُه قبل أن تعرفه المواقع، وصديقٍ جمعتنا به سنوات الانتماء الأول، ورفيقِ دربٍ ما زالت محطاته محفورةً في الذاكرة.

عرفتُ "أبا سالم" يوم كانت المطاردة عنوانًا لحياته، وكان مخيم جباليا يحتضن خطواته وخطوات رفيق دربه المناضل حسن العمري، يوم كانت البنادق تُطارَد، وكانت الأحلام تكبر رغم ضيق المكان واتساع الخطر. عرفته يوم كان الوطن أكبر من الخوف، وكانت "فتح" بالنسبة لنا مشروع حياةٍ وتضحيةٍ لا مجرد انتماءٍ تنظيمي.

ولئن لم تجمعنا زنزانةٌ واحدة في سجون الاحتلال، فقد جمعتنا قسوة التجربة ذاتها، وتفرقت بنا السجون ولم تتفرق بنا الأخوَّة. كان كلٌّ منا يحمل وجعه خلف القضبان، لكننا كنا نلتقي خارج حدود المكان عند المعنى ذاته؛ معنى الصبر والثبات والإيمان بأن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع انتزاعًا.

إن العلاقة التي تربطني بأبي سالم لم تصنعها السنوات وحدها، بل صنعتها المحن، ولذلك فإن شهادتي فيه ليست شهادة مراقبٍ من بعيد، وإنما شهادة أخٍ يعرف معدن الرجال حين يُختبرون.

قراءة في لغة الجسد والصمت

حين وقعت عيناي على هذه الصورة، لم أرَ مجرد ملامح رجلٍ غارقٍ في التفكير، بل رأيتُ عمرًا كاملًا يمرُّ أمامي. رأيتُ المطاردة، والأسر، والنضال، والانتظار الطويل، ورأيتُ ذلك الهدوء الذي لا يصنعه إلا الرجال الذين أثقلتهم التجارب فازدادوا حكمةً واتزانًا.

قبضة اليد تحت الذقن ليست مجرد حركةٍ عابرة، بل هي لغةُ رجلٍ اعتاد أن يحمل هموم وطنه وقضيته وحركته في قلبه وعقله معًا. إنها وقفة تأملٍ لرجلٍ ينظر إلى ما مضى بعين الوفاء، وإلى ما هو آتٍ بعين المسؤولية.

إنها صورةٌ تقول الكثير دون أن تنطق بكلمة.

تاريخٌ صاغته التضحيات لا المواقع

"أبو سالم" ليس ابن موقعٍ تنظيمي، بل ابن تجربةٍ نضاليةٍ طويلةٍ عمَّدتها التضحيات. أسيرٌ محرر خرج من عتمة السجون أكثر إيمانًا بقضيته، ومناضلٌ لم تُغيِّره المواقع، ولم تبدل السنوات من تواضعه وانحيازه لفكرته وانتمائه.

وحين ترشح للمجلس الثوري، منحه أبناء الحركة ثقتهم، ولم يكن ذلك إلا امتدادًا طبيعيًا لمسيرةٍ طويلةٍ من العطاء. وحين ترشح لعضوية اللجنة المركزية، فإنما كان يحمل معه رصيدًا من النضال والوفاء يشهد له به رفاق الطريق قبل الآخرين.

لقد تعلمنا من مدرسة "فتح" أن المواقع لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم الذين يمنحون المواقع قيمتها وهيبتها. ولذلك فإن قيمة "أبي سالم" لم تكن يومًا فيما شغله من مواقع، بل فيما حمله من مبادئٍ وثباتٍ ووفاء.

رسالة من رفيق القيد إلى رفيق العمر

يا أبا سالم...

لقد علَّمتنا السجون أن الرجال لا يُعرفون في ساعات الرخاء، بل في مواسم المحن. وهناك، حيث لا يبقى للإنسان إلا مبادؤه، تتجلى حقيقة الرجال بعيدًا عن ضجيج الشعارات وبريق المواقع.

قد تتأخر بعض المواعيد، وقد تتبدل الحسابات، لكن التاريخ لا ينسى الذين دفعوا من أعمارهم ثمنًا لانتمائهم. والأرض تعرف جيدًا خطى الذين ساروا فوق ترابها مطاردين وأسرى ومناضلين، والرفاق يعرفون من بقي ثابتًا حين كان الثبات مكلفًا.

إن القادم لا يصنعه الضجيج، بل تصنعه الإرادة الصامتة، ولا تبنيه كثرة الكلمات، بل تبنيه المواقف التي لا تتغير بتغير الظروف.

نحو غدٍ أكثر وفاءً

ابتسم يا أبا سالم...

فربما كانت هذه اللحظة التي تبدو فيها غارقًا في التفكير، هي ذاتها اللحظة التي تُولد فيها رؤيةٌ جديدة، وخطوةٌ واثقة، وأملٌ يليق بمن قضوا أعمارهم يحملون الأمانة بشرف.

لقد علَّمتنا أن الرجال لا يكبرون بمناصبهم، بل تكبر المناصب حين تمرُّ من بين أيديهم، وأن الوفاء للفكرة والوطن لا تحدُّه محطة، ولا ينتهي بانتهاء تكليفٍ أو موقع.

وستبقى، كما عرفناك، رفيقَ الدرب والعمر، ورفيقَ التجربة والنضال، وحارسًا أمينًا لذاكرة الأسرى والمناضلين، ورجلًا إذا صمتت ملامحه تحدَّثت سيرته.

فالرجال الكبار لا تنتهي أدوارهم بانتهاء محطة، بل تبدأ محطاتهم الحقيقية حين يظن البعض أنها انتهت.

دمتَ كما عرفناك يا أبا سالم... وفيًّا للعهد، صلبًا في الموقف، جميلًا في التواضع، كبيرًا بحجم الوطن الذي أحببت.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط