كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ثبات الأمومة يتفوق على الأبوّة العابرة

ثبات الأمومة يتفوق على الأبوّة العابرة

تاريخ النشر: 2020-06-16 | 17:13

على ما يبدو أن الأمومة هي الأثبت، هكذا تؤشّر حادثة محمود درويش الأخيرة، سواء أكانت حادثة أبوته للطفلة التي أصبحت اليوم سيدة على أبواب الأربعين، مجرد تأويل بلاغي أم أنها معلومة حقيقية. هل شعر درويش بحنين ما لتلك النطفة التي ألقاها في رحم تلك المرأة وغاب عنها بعد أن مرّ في سريرها ومرت به مرور العابرين. العملية كلها إن أوتي صانعها درويش من الحظ الجنسي لا تستمر سوى إحدى عشرة دقيقة على رأي باولو كويلو. عرف درويش أم لم يعرف بأمر تلك النفطة ومآلاتها الحياتية، تبقى نطفة لا وزن لها، لا تصنع ذاكرة ممتلئة بالحنين لتكون كفيلة بإحداث معنى الأبوة، هنا، وبهذا الشكل، تتحول النطفة إلى مجرد سبب طبيعي لإحداث خصب الأمومة، ولا تحمل في حد ذاتها أية قيمة خاصة.

وعلى ذلك فالأمومة أمر ثابت مستقرّ دائما بيولوجيا، إن هذه المعايشة المستمرة في الأحشاء لتلك النطفة العابرة هي التي تخلق شرعية الأمومة وعقلانيتها، بينما عبور النطفة "من الصلب إلى الترائب" عبورا طارئا، لا يعطيها عقلانية حضور الأبوة. لأجل ذلك فإن درويش لم يسأل المرأة عن "الجنين" وتحاشى معرفة الابنة، لأنه لا شيء يشده إلى ذلك، فلا معايشة ولا قصدية في إحداث فعل الأبوة، فظلت الطفلة ذات نطفة عابرة مغتربة الأب، لكنها محكومة بأمومة متأصلة لا تموت.

حادثة درويش على بساطتها إلا أنها تدفع بسؤال الأبوة إلى الواجهة. فكيف تحدث الأبوة إذا كانت النطفة وحدها ليست سببا كافيا لإحداث الأبوة؟ يبدو أن هذا حقيقي فعلا. أحاول هنا افتراض حادثة درويش مع مئات الحالات بل آلافها في هذا العالم، فعلها كتّاب وسياسيون، وفعلها أناس عاديون وعابرون، فعلها أغراب ومغتصبون، كلهم ألقوا بنطفهم في أراحم نساء، خلّفوا لهن صناعة الأمومة على مهل، وهم لا شيء يشدهم إلى فعل الأبوة وصناعتها. الأمر لا يتعلق بقسوة القلب ولا شهوة أن يكون لك ابن أو لا. أظن أن العابرين بنطفهم إلى أرحام النساء لا وقت لديهم ليكونوا آباءً، ولو آباءً سيئين.

في موازاة حادثة درويش النجم، الشاعر الرمز، يمرّ في الأثناء خبر صحفيّ لساعي بريد، يتبين أن له (1300) ابن. هل هذا معقول؟ ليست إمكانية أن يكون كذلك، وإنما هذا العدد الهائل من الأبناء المصنوعين في علاقات عابرة، هذا الكم الكبير من النطف المراقة في الأرحام يلزمه تخيّل رجل يحمل صهريجا من الحيوانات المنوية، يقدم منه دفقة لكل امرأة صاحبة رسالة وتنتظر قدومه مع الرسالة والدفقة المنوية معاً. لا أريد أن أناقش "سهولة" الحصول على المرأة بهذه الطريقة المبتذلة. ولكنه مع كل هذا لم يصبح أبا. ولكن تلك النساء كلهن أصبحن أمهات، وكنّ جديرات بلقب الأم وحقيقة كونهنّ أمّهات.

هذا يفترض إمكانية أن يكون لدرويش أبناء وليس ابنا واحداً أو بنتا واحدة، ولكن هؤلاء جميعا المعلن عنها والمخفي، وقد يكون المخفي أعظم، لم يجعلوا من محمود درويش الشاعر أبا جديرا بهذه الصفة، لأنه لم يسع إلى خلق الأبوة ورعايتها.

كلنا يعرف، ربما، إن تأمل جيدا كيف تصنع الأمومة، أو كيف تصنع المرأة من ذاتها أُمّاً. أمّا الأبوة فأمرها غامض قليلا، أو ربما يلزمها ما يلزم الأمومة من عشرة ومداومة، لا بد من حضور الأب الدائم ليشرف على هذا التخلق منذ أن علقت تلك النطفة في الرحم، الأم والأب معا أبوان، والدان يتابعان ويسهران ويتأملان، هذا الانتظار هو الذي يدفع صاحب النطفة الذي يصرّ على أن يصبح أبا أن يقرّب أذنه إلى بطن الأم ليسمع رفسات الجنين، لينتشي، وتزداد سرعة دقات قلبه، فيتدفق الدم في كل أنحاء جسمه؛ شاعراً بالزهو وبالفخر والسعادة. المرأة تنادي بصوتها الرخيم صاحب تلك النطفة وتمسك يده وتضعها على بطنها ليتحسس الجنين وإن كان الفاصل بينهما ثلاث ظلمات. الأبوّة تصنع بالمراقبة والمداومة والترقب ولا تصنع بقذف النطف في الأرحام، تُصنع بتلك اللهفة المجنونة لاستقبال قاذف النطفة نطفته، وهي كائن كامل الخلق حيّ يصرخ ويتشبث بالحياة.

من أجل ذلك فإن أي ذكر أناني، يريد إشباع غريزته في العبور بنطفته إلى رحم امرأة ما لن يكون أبا جديرا بالأبوّة، وكذلك الشاعر المغرور بقصيدته والمشغول عن كل ما عداها، ويراها الوارث الحقيقي له، لن يكون أيضاً أباً جديرا بالأبوة البشرية، بل تكفيه أمومة القصيدة وأبوتها. وأظن أن درويش صاحب النطف المقذوفة في الأرحام لتخلّف أبناء وبناتا، لن تكون تلك النطف المكونة بعد ذلك أناسا من لحم ودم أبناء لدرويش فقد حرم من أبوتهم، أو ربما لم يسع لمثل هذه الأبوة الناقصة. يبدو أن درويش في مثل هذه النتيجة سيكون مجرد "ذكر" باحث عن الشهوة ليتخلص من أوجاع الغريزة في أرحام النساء العابرات أو المقيمات، أبكارا أو متزوجات، ولن يهمه ولا يعنيه الأمر أن يكون له ابن أو ابنه، فكل ما كان يريده من حاجة عضوية مماثلة للأكل أو الشرب قد حصل عليها. بالنسبة للشاعر ذي النطف العابرة للأرحام سيقف الأمر عند هذا الحد فقط، لذلك قال لسميح القاسم: "إن جاءت السيدة سلم عليها وقل لها: سافر... وسيعود قريبا، ولا تسألها عن الجنين". هذا التجاهل عينه هو الذي قوّض تماماً المعنى الحقيقي للأبوة، وجعل النطفة مجرد سبب للحياة مرت بشكل عابر إلى رحم المرأة لتكون الأمومة هي الثابت الوحيد في حالة درويش، هذه الحالة التي تبدو على بساطتها ليست سهلة عند التفكير في مآلاتها الوجودية وتفكيك المفاهيم الاجتماعية التي ستكون هي الأولى في حالة درويش أكثر من كونها قضية نقدية إلا من باب تأويل التأويل، وتضخيم المعنى وتحميله بلاغة لا يستحقّ أن يكونها.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط