كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

«ثلاثية» جديدة لاحتواء إيران ومواجهة الإرهاب؟

الرئيسان المصري والتركي سمعا من المملكة العربية السعودية أصداء المناورات البحرية لإيران في الخليج. ولكن، من المبكر أن يلتقيا معاً. يمكن الرياض أن تشكل عامل تنسيق في المرحلة الحالية بين كل الأطراف التي يقلقها التوسع الإيراني، وما قد يترتب على اتفاقها مع الولايات المتحدة بعد الاتفاق على تسوية ملفها النووي، والتي يقلقها أيـــضاً انتشار حركات الإرهاب «الداعشي» و«الــــقاعدي»، من العراق وسورية إلى اليمن وسيناء وليبيا. الـــرئيس عبدالفتاح السيسي جدد عشية زيارته المملكة التزامه أمن الخليج. عدّه «خطاً أحمر». ونبه إلى أن الأمن القومي لمصر يمر عبر دول الخليج. جاء يحمل مشروعه لترجمة هذا الالتزام: إنشاء قوة عربية بمن حضر إذا تعذر الإجماع في القمة العربية قريباً. أي من مصر والسعودية والإمارات العربية المتـــحدة والـــكويت. ويـــأمل الرئــيس رجب طيب أردوغان، في زيارتـــه اليوم، بإعادة الحرارة إلى العلاقات بين تركيا والسعـــودية. فـــهو أيضاً يرغـــب في مقاربة الحرب على الإرهــــاب بما يحقق له من مصالح. مثــلما يــرغب فـــي إقامة تنسيق إقليمي يحد من طموحات طـــهران وسعــيها إلى إقرار واعتراف دوليين بنفوذها في الإقليم وبمكاسب يمكن أن يعوضها ما تقدم من تنازلات في برنامجها النووي.

المناورات البحرية لـ «الحرس الثوري» في الخليج تندرج في سياسة التصعيد التي تنهجها إيران كلما اقترب موعد الحسم في مفاوضاتها مع الدول الخمس الكبرى وألمانيا. تجلى ذلك في إصرارها على دور ميليشيات «الحشد الشعبي» في الحرب على «الدولة الإسلامية» في العراق. وانتشارها في مزيد من المواقع من دون أي اعتبار للتغييرات الديموغرافية الناتجة من ذلك. وتجلى أيضاً في قيادتها المباشرة للحملة العسكرية التي تخاض في جبهتي الشمال والجنوب السوريين بغية تحقيق مكاسب ميدانية تعزز ميل بعض القوى المعنية إلى إعادة تأهيل النظام وإشراك رأسه في أي تسوية سياسية. ومن تجليات ذلك اندفاع الحوثيين في اليمن واحتلالهم صنعاء ومحافظات عدة، والتمهيد لوضع أقدامهم على باب المندب.

تحمل المناورات أكثر من رسالة إلى الداخل والخارج. تتوخى أن تطغى تصريحات القادة العسكريين وما تحمل من تلويح بقدرات هائلة للجمهورية في مواجهة خصومها، على ما قد تحمله بنود الاتفاق المتوقع مع الدول الست من تنازلات في البرنامج النووي. علماً أن بعض المتشددين لا يزال يعتقد بأن التمسك بهذا البرنامج يتيح لها حماية الانتشار والنفوذ اللذين تحققا في المنطقة العربية، ويقيها أية تراجعات قد تترك آثاراً وتداعيات شعبية غير محمودة. ويغيب عن بال هؤلاء أن استمرار تدهور أسعار الطاقة وكثير من العقوبات سيؤدي بدروه إلى مثل هذه التداعيات. لذلك، قد لا تجد القيادة الإيرانية مفراً من تجرع «كاس السم»، كما فعل الخميني لوقف الحرب مع العراق. من هنا، إصرار المرشد خامنئي على اتفاق يسقط كل العقوبات أو يعلقها في مقابل تجميد البرنامج النووي. وترغب أيضاً في توجيه رسالة إلى جميع الذين لا يزالون يلوحون بالخيار العسكري إذا انهارت المفاوضات هذا الشهر. تريد تنبيههم إلى أنها حاضرة وجاهزة هي أيضاً للخيار العسكري. كما أن التلويح بالقدرة على إغلاق مضيق هرمز لن يقلق السوق النفطية. فالإغلاق قد يكون سهلاً من الناحية العسكرية. لكن آثاره ستطاول الجمهورية الإسلامية مثلما ستطاول خصومها. علماً أن ثمة محاذير وعواقب خطيرة لمغامرة كهذه. فلا الولايات المتحدة ولا الغرب ولا المجتمع الدولي يمكن أن تسكت على إقفال ممرات الطاقة. مثل هذا الأمر لم يحدث في ذروة حروب الخليج الثلاث في العقود الماضية، فلماذا يبدو بهذه السهولة اليوم؟

لكن ضجيج المناورات في الخليج، ودخان المعارك التي تخوضها إيران وحلفاؤها في كل المنطقة لا يخفيان حقيقة أن هذا الاندفاع الذي واكب التقدم في المفاوضات النووية، لم يحقق حتى الآن غاياته. بداية الحرب على «داعش» في العراق لم تكن بلا ثمن. تنحية نوري المالكي كانت البداية. وتحرير الموصل وباقي المدن العراقية من قبضة «أبي بكر البغدادي» لن يكون بلا ثمن تقدمه بغداد، ومن خلفها طهران. ثمن للكرد في المناطق المتنازع عليها، وحصة مضمونة من الموازنة المركزية. وثمن لأهل السنّة الذين ينتظر الجميع انخراطهم في الحرب على التنظيم، فيما هم ينتظرون تصحيح تمثيلهم السياسي وحصتهم في القرار السياسي والاقتصادي والعسكري. علماً أن زعماء العشائر لم تعد لهم، في ظل سطوة «الخليفة»، السلطة التي كانت لهم أيام «أبي مصعب الزرقاوي». أما الجهود العسكرية والمالية التي تبذلها طهران في سورية فلم تبدل في الواقع الميداني على الأرض، لا في ريف حلب ولا في القنيطرة ودرعا. كما أن المساعي لتسويق مشروع بقاء الرئيس بشار الأسد، أو ترسيخ فكرة التعامل معه ضرورة لنجاح الحرب على الإرهاب، لا تجد لها صدى فعلياً أو قبولاً في الأوساط الأميركية والأوروبية. والوضع في اليمن ليس أفضل حالاً. «الهجمة المضادة» التي يقودها الرئيس عبد ربه منصور هادي كبحت جماح الحوثيين. وبات التأييد الداخلي والخليجي والدولي الذي يتمتع به الرئيس الشرعي في عدن سلاحاً جاهزاً لتقويض الكثير مما حققه «أنصار الله».

مقابل هذه التحديات التي تواجه إيران، لا تبدو أوضاع خصومها أفضل حالاً. الرئيس السيسي يحذر من «أن المنطقة العربية في خطر وفي أضعف حالاتها. وأن الجسد العربي مثقل بالجروح». لذلك، يبحث اليوم عن سبل لتفعيل الـــعمل العربي المشترك. أو عن هيكل يمكن أن يشكل رافعة لإعادة الروح إلى ما بقي من الجامعة. لم تفلح دعوته المجتمع الدولي إلى الانخراط في مواجهة الإرهاب في ليبيا. ولن تفلح دعـــوته في تحـــقيق إجماع عربي. لا يبقى أمامه سوى اللجوء إلى «قوة عربية بمن حضر». لا يحتاج إلى قوات بمقدار حاجته إلى غطاء سياسي ومالي لقواته في مواجهة تحديات الداخل وحركات التطرف على الحدود الغربية. يريد «تحالفاً» عربياً مع السعـــودية والأردن والإمـــارات والكويت، على غرار التـــحالف الدولي - العربي في بلاد الشام. وإذا التقت مواقف هذه الدول على سبل التعامل مع الأزمتين الليبية واليمنية ومــع النـــفوذ الإيراني، فإن مثل هذا التلاقي في الأزمة السورية ليس متوافراً، كما حاله بين هذه الدول وتركيا. في أي حال لم تكن مــصر ودول الخليج تحـــتاج إلى ما يؤكد حقيقة تاريخية مفادها أن الأمن الوطني لأهـــل الخليج جزء لا يتجزأ من الأمـــن القومي لمصر. لم يكن الطرفان يحتاجان إلى اختبار هذه الحقيقة في ضوء التطورات التي شهدتها المنطقة، من «العواصف» الداخلية، إلى تنامي ظاهرة الإرهاب وتقدم النفوذ الإيراني.

لعل المستجد في هذه الحقيقة أن دول الخليج ربما كانت في حاجة إلى إعادة الانخراط في تفاهم الحد الأدنى مع تركيا كثقل ديموغرافي وعسكري واقتصادي فاعل في أكثر من ساحة عربية، يعوضها خروج العراق وسورية من الحسابات الاستراتيجية العربية لإعادة التوازن مع الحضور الإيراني. والواقع أن الطرفين، العربي والتركي، يحتاج أحدهما إلى الآخر. فقدت السعودية سورية التي كانت تشكل الضلع الثالث والفاعل مع مصر لقيادة العمل العربي المشترك، والحفاظ على الاستقرار في الإقليم. مثلما فقدتها تركيا بوابة إلى بلاد الشام ومدخلاً إلى شمال شبه الجزيرة العربية. لكن هذه الحاجة المتبادلة لا تلغي اختلافات كثيرة بين الطرفين حيال عدد من القضايا وعلى رأسها قضية «الإخوان المسلمين»، والموقف من النظام المصري وسبل معالجة الأوضاع في ليبيا وغيرهما من القضايا، إضافة إلى توجس العرب من طموحات أردوغان «العثمانية»، وسعيه إلى تقديم نفسه نموذجاً إسلامياً مثالياً يصلح لعموم دول المنطقة.

لن يكون سهلاً أن تدير السعودية سياسة تقوم على ترسيخ التحالف مع مصر وإعادة الحرارة وبناء علاقات متينة مع تركيا. فالصراع القائم بين القاهرة وأنقرة يحتاج إلى جهود جبارة لإطفاء حريقه. لكن الرياض التي عرفت لعقود كيف تهندس العلاقات بين مصر وسورية على رغم تصادم سياساتهما في كثير من الملفات، يمكنها أن تكرر التجربة بين السيسي وأردوغان. ظل اللقاء الثلاثي بين السعودية ومصر وسورية يعمل لعقود على رغم التعارض بين الدولتين الأخيرتين في الموقف من قضيتي فلسطين ولبنان، منذ «جبهة الصمود والتصدي»، إلى حروب اللبنانيين. ومن الحرب العراقية - الإيرانية إلى العلاقات مع نظام صدام حسين... والعلاقات مع تركيا قبل صعود حزب العدالة والتنــــمية. ولائحة الخلافات كانت طويلة، لكنها لم تفسد ود هذا اللقاء. والقيادة الجديدة في الرياض بدت على مستوى التحدي في ردها على الخطوات الأخيرة لإيران. فقد راهنت الأخيرة ربما على انشغال هذه القيادة بترتيب الوضع الداخلي بعد رحيل الملك عبدالله، وسعت إلى إرباكها في اليمن ومياه الخليج. يمكن الرياض أن تجـــمع بين القطبين السنّيين الكبيرين في المنطـــقة على رغم ما بينهما من فـــروقات... إذا كان هدف الدول الثلاث الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في أية تغييرات سيخلفها الاتفـــاق المتوقع بين إيران والولايات المتحدة، وما قد تسفر عنه الحرب على الإرهاب التي لا يبدو أن أميركا راغبة في الرمي بثقلها لتغيير المعادلة على الأرض. بل هناك دوائر في واشنطن وعواصم غربية عدة ترى إلى الصراع المذهبي في الإقليم حرباً داخلية بين المسلمين، فلماذا تتدخل؟ يأتي التدخل بعد أن يرتفع صوت المتصارعين على أنقاض ما يبقى من خريطة المنطقة!

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط