تاريخ النشر: 2026-10-07 | 14:37
تاريخ النشر: 2026-10-07 | 14:37
قبل اندلاع الحرب بأشهر، كتبت أن الاستقطاب داخل "إسرائيل"، مجتمعا ونظاما سياسيا، بلغ مستوى غير مسبوق، وأن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمستقبل الإصلاح القضائي، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع على الحفاظ على تماسكهما في ظل صراع متزايد حول طبيعة الدولة ومشروعها الصهيوني ومستقبلهما. كان السؤال آنذاك: هل يمكن أن يقود الاستقطاب إلى حرب أهلية، أم يدفع "إسرائيل" إلى حرب شاملة مع الخارج؟ وكان تقديري أنها، رغم عمق أزمتها، ليست على شفا حرب أهلية، وأن الانقسام الداخلي، مهما كان مؤلما، لا يعني بالضرورة انهيارها أو اندفاعها إلى حرب شاملة.
اليوم، وبعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة على قطاع غزة، تبدو تلك القراءة بحاجة إلى مراجعة. لم تقع حرب أهلية داخل "إسرائيل"، لكن الحرب الشاملة وقعت فعلا، وإن بصورة لم يكن يتخيلها كثيرون. والأهم أنها لم تُنهِ الانقسام الداخلي، بل نقلته إلى أسئلة الأمن، ومسؤولية الإخفاق، وإدارة الحرب، والرهائن، والعلاقة بين السياسي والعسكري، ومستقبل غزة، ومعنى "النصر المطلق".
ومع ذلك، فإن الحديث عن انهيار وشيك لدولة الاحتلال يظل قراءة إرادوية أكثر منها واقعية. فقد أثبتت السنوات الثلاث قدرة "إسرائيل" ومؤسساتها العسكرية والأمنية على الاستمرار والتعبئة وخوض حرب طويلة ومتعددة الجبهات، رغم الصدمة والانقسامات الداخلية. ومن الخطأ، سياسيا ومنهجيا، أن تبني الاستراتيجية الفلسطينية على انتظار انهيارها أو اندلاع حرب أهلية فيها. لكن استمرارها لا يعني أنها خرجت من الحرب كما دخلتها. فقد أحدثت هجمات أكتوبر والحرب التي تلتها شرخا في صورة الدولة القادرة على حماية مواطنيها، وفي الثقة بالجيش والأجهزة الأمنية والقيادة السياسية، وأعادت إلى الواجهة أسئلة حول طبيعة الدولة وحدود القوة والعلاقة بين الأمن والسياسة ومستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة. لقد استطاعت "إسرائيل" إلحاق دمار هائل بغزة وتغيير وقائع على الأرض، لكنها لم تستطع بالقوة وحدها حسم مستقبلها.
تظهر الخسارة الإسرائيلية الأعمق في اهتزاز بعض المسلمات التي قامت عليها صورتها عن نفسها: دولة متفوقة أمنيا، قادرة على الردع، وعلى إدارة الصراع الفلسطيني إلى أجل غير مسمى. فقد كشفت الحرب أن القوة تستطيع التدمير وفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تلغي الصراع ولا تنتج، بذاتها، أمنا دائما.
لكن ذلك لا يعني أن غزة انتصرت. لقد صمد الفلسطينيون، وفشلت الحرب في اقتلاعهم من أرضهم وإنهاء وجودهم السياسي والاجتماعي، لكن هذا الصمود جاء بكلفة هائلة. فقد فقدت غزة أرواحا وبيوتا ومؤسسات وبنية تحتية وموارد إنتاج، وتعرض مجتمعها لنزوح متكرر وتمزيق عميق. كما أن استمرار المعاناة وتعثر الإعمار وتعقيد ترتيبات الحكم والمستقبل السياسي، إلى جانب استمرار مخاطر التهجير والاقتلاع، تجعل من الصعب اختزال المشهد في لغة الانتصار. الصمود إنجاز في مواجهة الاقتلاع، لكنه ليس بديلا عن القدرة على صناعة المستقبل.
لهذا فإن الحصيلة الأكثر صدقا بعد ثلاث سنوات لا تختزل في ثنائية المنتصر والمهزوم. "إسرائيل" لم تنهَر، لكنها لم تعد كما كانت، وغزة لم تنتصر، لكنها لم تُقتلع؛ وقد تغيّر الطرفان، وإن كانت الكلفة الفلسطينية أكبر بما لا يقارن. والأهم أن الحرب لم تُنهِ الصراع، بل نقلته إلى مرحلة جديدة كشفت حدود نموذجين: نموذج احتلالي حاول استبدال السياسة بالقوة، ونموذج فلسطيني وجد نفسه، في كثير من الأحيان، أسير إدارة البقاء والاستجابة للكارثة، دون بناء قدرة وطنية متماسكة على إدارة الصراع وتحقيق أهدافه.
من هنا ينتقل السؤال من حساب الخسارة إلى ما الذي سيفعله الفلسطينيون بنتائج الحرب. فالتحدي المقبل ليس إعادة إعمار ما دُمر فحسب، بل إعادة بناء القدرة الوطنية على الحياة والفعل، واستعادة الإنسان والمجتمع والمؤسسات والاقتصاد والحياة السياسية لطاقتها على المبادرة. وهذا يتطلب تحويل الصمود من حالة دفاعية اضطرارية إلى قوة اجتماعية وسياسية، وإعادة بناء الإرادة الوطنية على قاعدة الإنسان والمجتمع والأرض والذاكرة والحق في تقرير المصير، بوصفها ركائز مترابطة في "استراتيجية مواجهة الإبادة".
وعليه، فإن النتيجة الأهم للحرب الإبادية قد لا تُحسم في ميزان القوة وحده، بل في قدرة الفلسطينيين على تحويل الصمود إلى نهوض، والكارثة إلى نقطة انطلاق لإعادة تنظيم الذات الوطنية. فالحرب لم تحسم الصراع، لكنها أغلقت مرحلة وفتحت أخرى؛ وفي هذه المرحلة الجديدة، لن يكون السؤال فقط من بقي ومن خسر، وإنما من يستطيع أن يستعيد قدرته على الفعل ويصوغ مستقبله بيده.