كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ثوراتنا المضادة وسلطة ترذيل العقل

ثوراتنا المضادة وسلطة ترذيل العقل

تاريخ النشر: 2018-08-16 | 21:08

التنوع الديني في بلادنا اليوم، وكما كان بالأمس، ليس بدعة مُستحدثة، جاءت بها العلمانية، ويجود بها العلمانيون، كما يزعم متدينو ومتمذهبو قوى "الإسلام السياسي" والإرهابي بأطيافها المختلفة؛ التنوع في الأصل تعددية قديمة، أقدم من الفترة التي يطلقون عليها "زمن الجاهلية"، وقد ذهب التزوير والتدليس والتأويل العدمي حدودا انتهى معها التاريخ الفعلي، ليبدأ معها تاريخ موهوم، ما فتئت الاستيهامات التدينية تبني عليه أهرامات من التخييل غير المبسط، استيهامات يراد لها أن تسقط معها، أو تخفي هويات كانت قد تأسست كنتاج لموجات التنوع الديني التي سادت في حقب مختلفة.

لم تستطع قوى "الإسلام السياسي"، وفي ضوء تجاربها وخبراتنا الطويلة معها، ولن يكون في مقدورها، أن تجدد فقهها الديني؛ ولا حتى السياسي، نظرا لما يفترضه دورها أو أدوارها التي أناطتها بذاتها ولذاتها، بأن تكون الأقدر على استنباط ما يتماشى وواقعها المعاش، لكنها ونظرا لتركيبها المعقد، وجمود معتقداتها، وتقديس عديد من نصوص غير مقدسة، جلها أيديولوجيات إغراق واستغراق في أفكار ظلامية، قيامية وخلاصية، تعيش على استيهامات الآخرة وتوصيفاتها؛ كما ولعلة في وجودها، ووجود فقهها القادم من أعماق التاريخ، وقد أزاحته جانبا، وأبقت على "تاريخ ديني" جعلت منه بديلا للتاريخ الواقعي والحقيقي، من دون أن تعيش واقعا لها تتفاعل معه ومع قضاياه ومسائله الملحة، الأمر الذي كرّس ويكرّس ُبعدها عن السياسة والفكر السياسي والثقافي والعلمي، لتنشغل بالتكفير والترهيب والتخوين، ما جعلها ربيبة سلطة أرادتها وتريدها بأي ثمن، حتى ولو هدمت بلادها، ولم يتبق لها من وطن، فجعلت من أشباه الأوطان والأوثان طواطمها المعبودة. ولهذا فهي تخفق وقد أخفقت على الدوام، في مجاراة ما أنتجته الحضارات الإنسانية من أفكار سياسية وعلوم وثقافات، وُبنى دولة مواطنية حديثة، وقيم ومعايير مشتركة.

لقد جعل "الإسلام السياسي" بكافة أطيافه المعتدل والمتطرف على حد سواء، من نفسه حائط صد أمام موجات التغيير والثورة في بلادنا، عبر انقلاباته وتقلباته، ومسلسلات طعن قوى الثورة والتغيير في الظهر دائما، وانتقاله إلى الصف الأمامي، وإطلاقه النار في كل الاتجاهات وبشكل استثنائي وانتهازي، في الاتجاه الصحيح نادرا وأحيانا، ولكن في الاتجاه الخاطىء في معظم الأحيان؛ وهذا ما كانه الأمر؛ خصوصا في بعض ما أسمي ثورات "الربيع العربي"، وهو يتحول بقدرة قادر "قوى الإسلام السياسي" ومن وجد فيها الحليف الموثوق، لصنع ارتدادات ثورات مضادة، أحالت ربيع الشعوب خريفا، اقتنصت القوى الظلامية وأنظمة الاستبداد والظلام، الفرصة السانحة للتشبث بأمر واقع ينبغي التخلص منه، لا الحفاظ عليه واقعا يستجلب إحباطات ومآس لا حصر لها، في ظل أنظمة بوليسية عسكرية وسياسية لها طابع أمني طائفي ومذهبي، ووظائف ميليشياوية وطموحات للهيمنة الاقليمية، تمهيدا لاستعادة مجد امبراطوري يتزيا بزي تدين خصوصي، لا علاقة له بأي دين، أو أي أصولية كان منطلقها هواها السلطوي لتسيّد واقع "السلطة الجديدة"، لتصيغ أصلا لا علاقة له بأي أصل.

وما فتىء الطموح الراهن لقوى التدين السلطوي يعادي الدولة الحديثة، ويسعى باستماتة سعيه الحثيث للإبقاء على تقليدية شكل الدولة القديم، دولة استبداد أصحاب المزارع والمافيات وحظوة القرابات، بكل محمولاتها السياسية والدينية وعلاقاتها الأبوية والريعية والزبائنية في الداخل، وعلاقات التبعية مع الخارج، من هنا منابع ومنابت العداء لقضية التغيير الثوري في مجتمعات بلادنا، فقد اعترضت قوى التدين السلطوي وقطعت الطريق على قوى الثورة والتغيير، لتجهض الثورة وتمنع التغيير، وهذه هي سيماء الخريف العربي الراهن، كما تتبدى اليوم في سورية، وكما كانت قد بدت في مصر، حين ورث العسكر من قوى التدين السلطوي ثورة مضادة خريفية بامتياز؛ وهذا هو حال يمن ساهمت قوى التدين السلطوي مع بعض العسكر في إبقائه رهين محبسي الثورة المضادة، ليتمازجا معا في محاولة الإبقاء على سلطة التدين والعسكر الرجعية المتخلفة.

وفي العراق لا يختلف الوضع كثيرا عما يجري في اليمن أو في سورية، حيث تسعى سلطة الهيمنة لملالي إيران، إلى تغليب مصالحها على مصالح الشعب العراقي بكل طوائفه ومذاهبه، جاعلة منه أشتاتا طوائفية ومذهبية ملحقة بسلطة الهيمنة وتابعة من توابعها، وهذه حالة من حالات الثورة المضادة التي تجتاح كل قوى التدين السلطوي وغير السلطوي في رؤيتها تجاه التغيير والثورة، ونشدان منعه وإجهاضها، احتفاظا بـ "استحقاقات" هيمنتها، وحفاظا على سلطة نخب تابعة تحقق الغلبة، بالإكراه والمصالح المتهافتة لها ولرعاتها الخارجيين.

هكذا سعت وتسعى قوى التدين السلطوي، كما قوى الإسلاموية الراهنة في طبعتها/طبعاتها الأخيرة (التكفيرية الإرهابية والداعشية على ضفتي التمذهب) إلى هتك الوشائج الوطنية وترذيلها، وتعمّد ضرب نسائجها الوطنية وهوياتها الدينية والقومية فيما بينها، ما أفشل ثورات الربيع العربي جميعها، وأعاق وصولها إلى مبتغاها ومآلاتها المرجوة.

وفي وقت باتت ضرورات المرحلة، تتطلب ثباتا على مطلب التغيير وأهدافه الثورية، فإن ذلك لا ولن يكون مهمة قوى الغيب الدينية أو السياسوية، بل هي المهمة الأبرز لقوى المعارضة العلمانية الوطنية والثورية، ووحدة برنامجها وتضافر كل جهودها الوطنية على نهج الكفاح الثوري والتحرري، الهادف لتغيير طبائع السلطة واستبداديتها، وأنماط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واستبدال أيديولوجيات وشتات أفكار الغيب والتغييب بثقافة التنوير والحداثة، واعتبار التاريخ بشريا وإنسانيا على الدوام، ولا علاقة للحضارات البشرية وتراكمات وعي إنسانها، بتركيب تاريخ أو تواريخ دينية ميثولوجية، ترتع وتمتح من يوتوبيا واهمة، ليست حقيقية بقدر ما تنتمي إلى عالم الأسطرة والتخييل والرؤى الغيبية والمصالح النرجسية الخاصة، لأصحاب الأهداف السلطوية والغايات التسلطية، وذلك حتى لا نبقى ننظر للتاريخ أو نراه بالمقلوب، محكومون لما ليس تاريخنا الواقعي الإنساني، وإنما لتاريخ قررته وتقرره سلطات الهيمنة المشدودة على الدوام لترذيل العقل، وتمجيد خرافات اليوتوبيا وتقديس أساطير الهيمنة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط