كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ثيوقراطية السلاح: هل يعاني الجيش الأمريكي من "الأوهام النبوية" التي يرمي بها الآخرين؟

ثيوقراطية السلاح: هل يعاني الجيش الأمريكي من "الأوهام النبوية" التي يرمي بها الآخرين؟

تاريخ النشر: 2026-03-05 | 11:14

في تصريح يتجاوز حدود التحليل الاستراتيجي ليلامس التنميط العقائدي، زعم وزير الدفاع الأمريكي في خطاب أخير أن "الأنظمة التي تقتات على أوهام نبوية إسلامية لا يمكن الوثوق بها في امتلاك أسلحة نووية". هذا الادعاء، الذي يبدو للوهلة الأولى دفاعاً عن "العقلانية النووية"، ينهار بنيوياً عند إخضاعه لمشرحة النقد الجيوسياسي. فهو لا يكتفي بازدواجية المعايير، بل يتجاهل عن عمد ظاهرة "تسييل الدين" داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها، وهي ظاهرة موثقة بشهادات من قلب "البنتاغون".

أولاً: "هرمجدون" في الثكنات.. حين يصبح الوحي عقيدة قتالية

بينما يتحدث الوزير عن "أوهام الآخرين"، تكشف تقارير رصينة عن واقع يثير القلق داخل رتب الجيش الأمريكي. ففي تحقيق موسع نشرته صحيفة "الجارديان" عام 2022 بعنوان "US troops were told war on Iran was ‘all part of God’s divine plan’, watchdog alleges" "أُخبِر الجنود الأمريكيون بأن الحرب على إيران كانت ’جزءًا من الخطة الإلهية للرب"، لم يعد الخطاب الديني مجرد ممارسة روحية فردية للجنود، بل تحول في حالات موثقة إلى استراتيجية تعبئة أيديولوجية.

تشير وثائق ضمن التحقيق تضم شكاوى رسمية من أكثر من 200 جندي ومحارب مخضرم إلى أن قادة عسكريين في رتب رفيعة اعتمدوا خطاباً يصور النزاع مع إيران ليس كخلاف على نفوذ أو برنامج نووي، بل كـ "مخطط إلهي كوني". إن وصف الرئيس السابق دونالد ترامب بأنه "مختار" لإشعال شرارة معركة "هارمجدون" (معركة نهاية الزمان في الميثولوجيا الإنجيلية) يعكس انزلاقاً خطيراً من "العقلانية العسكرية" إلى "الثيوقراطية القتالية". هنا يصبح السؤال مشروعاً: من هو الطرف الذي يعاني حقاً من "أوهام نبوية" تؤثر على قرارات الحرب والسلام؟

ثانياً: التآكل الدستوري وشهادة "مراقبي الراديكالية"

يبرز اسم مايكل وينشتاين، المحامي ومؤسس "مؤسسة الحرية الدينية للعسكريين"، كشاهد إثبات من داخل المنظومة. يؤكد وينشتاين، الذي أمضى سنوات في توثيق هذه الانتهاكات، أن تغلغل الخطاب "المسيحي المتطرف" داخل الجيش الأمريكي يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ الفصل بين الدين والدولة المنصوص عليه في الدستور.

هذه ليست مجرد هفوات فردية، بل هي "راديكالية هيكلية" تجعل من العقيدة القتالية رهينة لتفسيرات لاهوتية غيبية. حين يُقنع القائد جنوده بأن قتالهم هو تنفيذ لإرادة سماوية، فإنه ينزع عن الحرب صبغتها السياسية (التي تخضع للتفاوض والتراجع) ويلبسها صبغة "مقدسة" لا تقبل إلا بالإبادة أو النصر المطلق، وهو تحديداً "الجنون الديني" الذي يخشاه العالم في السياق النووي.

ثالثاً: تفكيك مغالطة "الأهلية النووية الإسلامية"

يتجاهل خطاب الوزير الأمريكي حقائق تاريخية واستراتيجية دامغة. فالدولة ذات الأغلبية المسلمة الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً فعلياً (باكستان) لم تبرهن في سلوكها الاستراتيجي على أي "هوس نبوي". على العكس تماماً، ورغم خطابها الداخلي المحافظ، تُدار العقيدة النووية الباكستانية بمنطق "الردع العقلاني" (Rational Deterrence) الموجه بصرامة نحو تحقيق التوازن الاستراتيجي مع الهند، وليس وفق جدول زمني ديني لنهاية العالم.

في المقابل، نجد أن التيارات الإنجيلية السياسية في الولايات المتحدة (Christian Zionism) تمتلك نفوذاً هائلاً في مراكز صنع القرار. هذه التيارات تؤمن إيماناً راسخاً بضرورة "تسريع" أحداث نهاية الزمان - بدءاً من هجرة اليهود إلى فلسطين وصولاً إلى صراع مسيحاني شامل - لتسهيل العودة الثانية للمسيح. هذا النوع من "الأوهام النبوية" يمتلك صوتاً مسموعاً في أروقة واشنطن، ويمارس ضغطاً حقيقياً لتوجيه السياسة الخارجية نحو التصعيد في الشرق الأوسط لدعم إسرائيل، مما يجعل ادعاء الوزير حول "عدم أهلية المسلمين" نوعاً من الإسقاط النفسي السياسي (Political Projection) الخالص.

رابعاً: السردية الدينية كسلاح للسيطرة والتدخل

إن التركيز على "الإسلاموية النبوية" ليس سوى إعادة إنتاج لخطاب استشراقي قديم، يُستدعى كلما أرادت الإدارة الأمريكية شيطنة خصم جيوسياسي. الغرض من هذا الخطاب هو:

نزع الصبغة الإنسانية والعقلانية عن الطرف الآخر، لتبرير حرمانه من التكنولوجيا أو توجيه ضربات استباقية له.

خلق "عدو لاهوتي" يسهل تعبئة الرأي العام المحلي ضده، خاصة في أوساط الناخبين المتدينين في أمريكا.

تكريس الاستثناء الأخلاقي الأمريكي، حيث يُصوّر السلاح النووي الأمريكي كأداة "للسلام العالمي"، بينما يُصوّر أي جهد دفاعي للآخرين كـ "انتحار عقائدي".

خامساً: الخلاصة.. نحو نزع فتيل "الجنون المقدس"

إن الاستقرار النووي العالمي لا يتحقق عبر مهاجمة عقائد الشعوب أو ادعاء احتكار العقلانية. إذا كان وزير الدفاع الأمريكي قلقاً حقاً من "الأوهام النبوية"، فعليه أن يبدأ بـ "تنظيف بيته أولا".

إن السلاح النووي يصبح خطراً داهماً حين يلتقي بـ:

خطاب "الاختيار السماوي" الذي يتسلل إلى الثكنات الأمريكية.

تسييس الأديان واستخدامها كغطاء للتوسع والهيمنة.

غياب المحاسبة للانتهاكات الدينية داخل الجيش الأقوى عالمياً.

إن منع الكارثة النووية يتطلب الالتزام بالمنطق الاستراتيجي والقانون الدولي، وليس استحضار معارك "هارمجدون" لتبرير الميزانيات العسكرية. على واشنطن أن تدرك أن "الأوهام النبوية" لا تعرف حدوداً جغرافية، وأن خطورتها تزداد طردياً مع قوة الترسانة التي تحميها.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط