كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جامعة الأزهر.. نموذج لأزمة وطن

جامعة الأزهر.. نموذج لأزمة وطن

تاريخ النشر: 2019-08-24 | 10:43

كان يُقال –وهو قولٌ راجح- أن الفلسطينيين في سنوات الستينات والسبعينات كانوا مداميك البناء وطلائع النخبة في مؤسسات الدولة الحديثة في بلاد الخليج. ويُقر المحبون والكارهون أن الفلسطينيين في هذه البلدان وغيرها كانوا صناع التحضر والتمدن. يميزهم التفوق والإجادة في كل المهن والأعمال من قمة هرم الدولة حتى أدناها. فلما جاءت أوسلو وعاد من عاد –وهم كثر- من بناة هذه الدول حتى عجزوا في وطنهم عما فعلوه في أوطان الأشقاء.

ويقُال أيضأ: أن نسبة التعليم في فلسطين هي الأعلى عالمياً، بل تتفوق على دول عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، رغم ذلك، فشل الفلسطينيون المتعلمون في كل تجاربهم الحضارية، خصوصاً في ثقافة الحوار واحترام الآخر، وانتكس وعيهم بغرابة وشذوذ حين اختلفوا وأراقوا دماء بعضهم البعض.

هذه المقدمة مدعاة للتساؤل عن المحركات النفسية والثقافية التي تُصاب بالعطب في تجاربنا الوطنية الخاصة. وتدعو للاستغراب والدهشة عن سر هذا الجمود والعجز والحيرة في التعايش مع واقع مشكلاتنا وأزماتنا وتفاصيل حياتنا.

جامعة الأزهر أكبر جامعات قطاع غزة، تملك نخبة متميزة وقديرة من الأكاديميين المتميزين، ولكوادرها الأكاديمية مساهمات علمية اقليمية ودولية في العديد من التخصصات، ويحظى خريجوها بتقدير تعليمي متقدم، ورغم ظروفها المالية الصعبة –تاريخياً- استطاعت أن تسجل باستمرار نجاحات مطردة مقارنةً بظروفها وامكانياتها.

وهي المؤسسة التي تقدم نفسها على أنها حيز ديمقراطي أصيل تقبل بالاختلاف والحوار والمنطق والاعتدال، لكن في لحظة ما نجدها تصطدم بجدار أصم، وتعيش القطيعة والادراك الخاطئ للواقع وعدم القدرة على المواجهة، وتتموضع باعتبارها وجهاً من وجوه الأزمة الفلسطينية العامة. وتغرق في بيئة تعيسة مشابهة للبيئة الوطنية الفلسطينية التي يُفسد فيها كل نجاح، ويتعطل فيها كل تفوق، ويسقط فيها كل تقدم.

أزمة تغرق فيها جامعة الأزهر، ويترتب عليها اغلاق أبوابها في وجه طلبتها وتطورها ومستقبلها، وهي أزمة تشتم في رائحتها فكرة السقوط الفلسطيني الذي نعايشه أكثر من عقدين، السقوط المتطابق في جوهره في الفشل العام للمشروع الوطني برمته. والعجز في إدارة الأزمات بطريقة علمية.

وبدون عناء يمكن لنا أن نرصد معدلات التدهور في حياتنا عموماً، وجامعة الأزهر خصوصاً، ونتبين بوضوح أوجه للمقارنة بين أزمة الوطن وأزمة جامعة الأزهر. وفي المعالجات الاعتباطية للأزمة، مثل: انكارها، وعدم تحديد القوى المسببة والمحركة لها، أو تغيير اتجاهاتها، أو التقديرات الخاطئة لأسبابها.

ولو بدأنا في المرجعيات القانونية باعتبارها الإطار الناظم قانونياً لمسارات الفعل والإنجاز والمسموح والممنوع، وبالإشارة إلى المرجعية العليا في حالة جامعة الأزهر، فلن تجد مرجعية قانونية ثابتة ومؤصلة تؤول إليها الاختلافات، وتفصل في قضايا الحق والواجب، فلو افترضنا أن مجلس الأمناء هو الإطار المرجعي، فهو في غالب أمره وفي كل سنوات خبرته، افتقد إلى الاختيار السليم، وإلى الشفافية، والكفاءة، وفي غالب تجاربه اقتصر الاجتهاد والعمل على البعض القليل، وعلى الكثير المستفيد، فضلاً عن أن قرارات تكليفه يكتنفه الشك والريبة.

هذه المرجعية باستمرار سبب في المشكلة، ولم تكن باباً للحل، وهي كذلك في أزمة الجامعة الراهنة، وهو أمر يدعو لضرورة مراجعة عمل هذه المرجعية في اختيارها وعملها واعتماد وصفاً محدداً لدورها الذي ينبغي ألا تتجاوزه.

ما يطفو على السطح في مشهد الجامعة يشير أن قدراً من العنف تم استخدامه –اللفظي المعنوي أو الجسدي- وهو ما يعني أن أطراف الأزمة –وهم نخبة- لم يتمكنوا من تجاوز أزمة العقل السياسي والاجتماعي الفلسطيني التقليدي الذي يلجأ للقوة والعنف حين يفشل الاتفاق. وهو ما جعل –في العموم- فلسطين ومشروعها التحريري والتنويري –على كافة الصعد- ضحية للفاعلين السياسيين والحزبيين والمتناحرين والمتاجرين بالشعارات.

ما يشهده الأزهر ليس أزمة طارئة، فالمشهد يمنح المتأمل اسقاط للحالة الوطنية الفاشلة، فالأزمة تشهد تعدد في الأطراف الفاعلة، فهناك أطراف مباشرة، وهناك أطراف غير مباشرة، ويتداخل في الأزمة خليط من المركبات المعقدة، ونمط متغير للتحالفات، فانقسام فتح التنظيمي حاضر وبقوة، وحالة الانقسام الفلسطينية حاضرة وبقوة، الانتهازيون حاضرون وبقوة، وأصحاب النفوذ حاضرون وبقوة، والمستفيدون من الأزمة حاضرون وبقوة، المضللون حاضرون، والخبثاء حاضرون. هذا الخليط يُنبىء بأن الأزمة عميقة، تشبه حالة الوطن المتمزق، الغارق في مصيبته. وبدون أمل. وأختلف مع الذين يرون أن المشكلة محددة وواضحة، فلو كانت كذلك لكان حلها سهلاً ويسيراً، لكن تداخل الأسباب الداخلية والخارجية، التنظيمية والسياسية، والذاتية والموضوعية، والانقسام وأخوته، وفتح بشرعيتها ودحلانها، كلها جزئيات أصيلة من حالة الأزمة الراهنة.

يظل السؤال المطروح –الشبيه بسؤال الوطن ككل- من المسؤول عما وصلت إليه الأوضاع في جامعة الأزهر. هل فعلاً أن كل هذه الأزمة تتعلق بشخص رئيس الجامعة الذي تم التجديد له؟ أم أنها محاولة لإصلاح منظومة العمل ككل في الجامعة؟ أم هي تصفية حسابات حركية فتحاوية؟ أم كونها ردة فعل تراكمية لإشكاليات كثيرة وجاءت لحظة الغضب القاسي؟
في تقديري، أن الأزمة مركبة، لكن ما أجزم به أن السبب الأكبر في هذه الأزمة هي غياب المعايير. غياب المعايير في اختيار مجالس الأمناء، وفي مجالس الجامعة، والتعيينات، وازدواجية السلوك الإداري، والتدخلات الخارجية، والاصطفافات الفئوية الداخلية، وتصفية الحسابات الحزبية، والشخصانية، وعدم احترام النظم الضابطة لعمل المؤسسة، والمحاباة.. الخ.

غياب المعايير هي من أوصلت أن تقف نقابة العاملين –في غياب آخر للمعايير- على أبواب الجامعة ليمنعوا بالقوة الطلبة من دخول الحرم الجامعي. فكل المقدمات الخاطئة قادت إلى النتائج الكارثية هذه.

أعتقد أنني أرى صورة الوطن الكبير الموجوع بالفشل، في هذه الجامعة العظيمة الحبيبة الموجوعة بنا وبسببنا.

وأظن أن هذه الجامعة رغم كل ذلك، تشبه الوطن، تتوجع، لكنها لا تموت. وأن الأدعياء لن يستمروا في تضليلهم، فسقوطهم قريب.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان..وحذر السلطة الفلسطينية من تغيير اتجاه بنادقها ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط