كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جامعة دول عربية.. لمن؟

جامعة دول عربية.. لمن؟

تاريخ النشر: 2016-06-16 | 07:46

يتساءلون، وأقصد أصدقائي المتابعين للشأن العربي، إن كانت وزارات الخارجية العربية ستواصل تعاملها مع جامعة الدول العربية وكأن شيئا لم يتغير غير شخص الأمين العام، يتساءلون ويجيبون.
توقعوا أن يعود المندوبون العرب وعلى قوائم اهتماماتهم كالعادة موضوع تعديل ميثاق ولوائح الجامعة والميزانية وحصص الدول فيها، وربما تقدمت مندوبيات دول بعينها، بالتشاور مع قياداتها في عواصمها أو باجتهاداتها الذاتية، بأفكار تسمح لها بتغيير أوضاع داخلية في الأمانة العامة تتيح فرصاً جديدة للتدخل أو التوجيه، كل منها لهدف معلوم أو مستجد. أما الأهداف المعلومة فيتصدرها هدف السعي للتأكد من أن الأمين العام الجديد يأتي مستوعباً رغبات ومصالح كل دولة عضو في الجامعة، ومتفهماً حقيقة وضع توازن القوى السياسية والمالية لكل عضو وانعكاسات هذا الوضع على صنع القرار داخل الجامعة. من الأهداف أيضاً التثبيت المبكر لأقدام ونفوذ مندوبي الدول داخل الأمانة العامة بحجة الرغبة الطيبة والبريئة نحو ترشيد أداء العاملين وتجديد ولاءاتهم أو كسب ولاءات جديدة.
واقع الأمر أننا، وأقصد أنا وعدد من الذين راقبوا مسيرة العمل العربي المشترك على مدى سنوات عديدة، منَّا من راقب المسيرة من داخلها ومنَّا من راقبها من الخارج، توصلنا الى اقتناع كامل بأن تعديل الميثاق الراهن وإصلاح لوائح العمل والأداء بالجامعة وتبديد طاقة الأمين العام ومساعديه وأرصدتهم الشخصية على التوسل المهين لزيادة الميزانية السنوية، هذه الموضوعات وغيرها من التي يجري الآن تصفيفها استعداداً لإعادة عرضها على مجالس الحكام العرب ومندوبيهم انتهى وقتها. أخشى أن يصبح الحديث فيها في أفضل الأحوال أداء واجب لقاء راتب أو تجميل ما هو قائم وأثبت فشلاً. إنما نعتقد وبحق أنه قبل أن نسأل عن ميثاق الجامعة الراهن وتعديلاته والمواقف العربية المتناقضة من هذه التعديلات، أن نسأل السؤال الجوهري الذي يجب أن يشغلنا كسياسيين وحكام وديبلوماسيين ومراقبين، ولا شك يشغل الباحثين والأكاديميين عرباً وغير عرب، وهو هل ما تزال جامعة الدول العربية الوعاء الأمثل المعبر عن الحال النظامية الراهنة في «العالم العربي»؟ وللسؤال تتمة ليست بأقل أهمية، وهي عن «العالم العربي» الذي يفترض أن تمثله وتنتمي اليه وتحميه وترفع شاراته وراياته هذه الجامعة العربية. أتجاسر وأزعم أننا صرنا نواجه مشكلة حقيقية في تعريف عبارتي «الوطن العربي» و «العالم العربي» غير واثقين تماماً من أننا ونحن ننطق بأيهما لا نهدر حق وتطلعات شعب وطائفة أو نتجاهل ما طرأ على الخريطة من تغيرات وما نراه وما نتردد في وصفه بكيانات غير عربية الهوى أو الهوية في طور التكوين.
قامت الجامعة العربية لترمز لنظام إقليمي عربي. صعب علينا الآن أن نفترض أن هذا النظام موجود، نظام تنطبق عليه الشروط «الأكاديمية» والسياسية والاستراتيجية التي تؤهله لحمل صفة «العربي» وصفة «الإقليمي»، ولتمثله منظمة تدعي لنفسها صفتين لا تتوفران معاً في أي مكان آخر، وهما الإقليمية والقومية. هل نبالغ أو نخدع فنستمر في الزعم بأن هذه المنظمة ما زالت تمثل بالفعل كتلة مصالح «عربية» وتعكس «هوية» استقرت عليها الدول الأعضاء كشرط عضوية؟ أو الزعم بأن هذه الدول الأعضاء وشعوبها وطوائفها وأعراقها تلتزم «العروبة» عقيدة، مُعلَنة أحياناً وكامنة بعض الوقت، كما عند الأزمات وفي الأعياد والمناسبات.
إن الإجابات التي نسمعها على أسئلة من هذا النوع، وهي الآن ملء الساحات المدمرة والحدود المخترقة وملء سجون غاصة بالشباب والنساء والأطفال، لا تعني بالضرورة أكثر من أن بعضَ مَن في هذه «الأمة» أصبحوا أشد ميلاً من أي وقت مضى للاعتقاد بأن النظام الإقليمي العربي قد سقط، أو بكلمات أخرى، للتخفيف من وقع الصدمة في قطاعات عديدة، هو نظام آيل للسقوط.
أسباب السقوط، سواء حدث أو يحدث، كثيرة. أختار منها ما سبق أن حذرنا من عواقب عدم معالجتها، أختار مثلاً تسلط حكام وأنظمة حكم بعينها على شعوبها لفترات تطول أو تقصر، حقق بعضها درجة أو أخرى من النمو، ولكنه النمو المهدد دائماً بثورات لاستعادة الحقوق يعود به الى نقطة الصفر أو تحتها بكثير، وهو أيضاً من نوع النمو الذي لا تصاحبه قدرة أو نية على الخلق والابداع والابتكار. سقط النظام الإقليمي العربي، أو هو يسقط الآن، لأن حكومات دول الإقليم المتسلطة رفضت تسهيل عبور وانتقال السلع عبر حدودها، وانتقال الأفراد للعمل بحرية. رفضت إقامة المشروعات التكاملية التي تنشر روح المشاركة بين شعوب الإقليم وتترجم شعارات النظام وعقيدته القومية إلى أعمال ملموسة على الواقع. سقط لأن الحكومات لم تشجع شعوبها على المشاركة في تقرير مصيرها ومصائر أمنها، ونادرة هذه الحكومات العربية التي أقامت حكمها على أسس التعددية الثقافية وحقوق الأقليات في مجتمع عربي كبير.
سقط النظام الإقليمي العربي، أو ها هو يسقط أمام عيوننا، ومعظم دول الإقليم مستمرة في ممارسة هواية بل عقيدة الاستئناس برأي الأجنبي وسلاحه وأمواله في كل صغيرة وكبيرة، ومستمرة في الادعاء، ساعة الهزيمة أو الفشل، وما أكثر هذه الساعات، بأن العالم كله ينفذ مؤامرة ضد العرب. سمعنا هذا الادعاء أيام هزيمتنا في حروب فلسطين الأولى ونسمعها الآن في أيام انغماسنا في حروب غبية وسقيمة. لم يهتموا باستشارة شعوبهم، ولكن اهتموا برأي الأجنبي المرحب دائماً بأي حرب في هذا الإقليم أو غيره.
سقط أيضا النظام الإقليمي العربي لأن الحكام لم يهتموا بتشجيع فكر التكامل أو الاندماج الإقليمي. رحل التكامليون العرب من الآباء المؤسسين لفكر التكامل ولم يخرج أمثالهم من بعدهم، ولم أعرف، من جانبي على الأقل، أن جهدا مدروسا بذلته الجامعة العربية والمؤسسات التعليمية العربية والمنظمات العربية المتخصصة من أجل تشجيع جيل جديد يرتفع الى مستوى إبداع وانجازات التكامليين في بروكسل أو في أميركا اللاتينية.
أضيف إلى قائمة أسباب سقوط النظام الإقليمي العربي الخطأ الكبير الذي ارتكبه عدد غير قليل من حكومات الإقليم حين استهانت بخطورة الغضب المكتوم في مجتمعاتها، وانسداد منافذ التنفيث والتعبير. كانت النتيجة أنه بدلاً من أن يحدث الانفجار في إطار منظم وبقيادة قوى سياسية مسؤولة وتنظيمات شبابية وطنية، وأن تنتهز التيارات المتحضرة والتقدمية داخل الحكومات الفرصة للاستفادة من طاقة هذه الثورات في تطوير أساليب الحكم وعقيدته ونظامه، تعاملت بعض الحكومات مع جماهير الثورات بالعنف وتستخدم عناصر فوضوية وخارجة عن القانون لإثارة فوضى متعمدة، كانت النتيجة أن انفرطت ثورات ثم انفرطت مجتمعات ثم انفرطت دول، ثم انفرط أو ها هو ينفرط النظام الإقليمي العربي. لا ننسى أنه على مسافة أمتار من أيقونة ثورات «الربيع» تقف على طرف في ميدان التحرير بالقاهرة جامعة الدول العربية تسأل الرائح والغادي «من أكون ومن أمثل إذا كان الإقليم بدون نظام إقليمي؟».
أقول دائما إن التاريخ كان كريما معنا نحن العرب. منحنا قرنا كاملا، من 1916 إلى 2016، لنتدبر أمر واقعنا وأمور مستقبلنا. جرب معنا كل أساليبه، جرب معنا الحرب والسلم وجرب الهزيمة والنصر وجرب الاشتراكية والرأسمالية. أذاقنا طعم الاستقلال فرفضنا التنكر لطعم التبعية. جربنا معه التدخل في الشؤون الداخلية لبعضنا البعض، ولكن جربنا في الوقت نفسه الالتزام بالقومية والسيادة الوطنية واحترام التعددية الثقافية، كنا من بين أوائل من جربوا التكامل الإقليمي وأتيحت لهم فرص للاستمرار في التجربة ورفضنا.
كان التاريخ بالفعل كريما معنا، منحنا دولا بحدود وشعوب وعقيدة وتاريخ وحماية أجنبية ومنحنا عدواً ليجمعنا ويحفزنا. ساعدنا لنقيم نظاماً إقليمياً وجامعة عربية ولم نكن أوفياء لأي منهما، أسقطنا النظام الإقليمي العربي، أو ها نحن ندفعه للسقوط... وجمدنا جامعة الدول العربية أو ها نحن نحذف من عنوانها عروبتها.
أتطلع بلهفة لرؤية وجوه هؤلاء الذين سوف يتصدون لمهمة تكوين نظام إقليمي جديد، ولعلهم بيننا يخططون ويستعدون.
عن السفير

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط