كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جدل عيد الميلاد.. أزمة عقل صحراوي

جدل عيد الميلاد.. أزمة عقل صحراوي

تاريخ النشر: 2021-01-16 | 06:09

مع حلول رأس السنة الميلادية من كل عام، يتكرر الجدل العقيم حول حكم تهنئة المسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح عيسى  حسب تقويمات الطوائف المسيحية، وكأنَّ قضايا العرب والمسلمين الكُبرى انتهت، ولم يبقَ إلاّ قضية التهنئة بعيد الميلاد. وهذا العام كان الجدل أشد سخونة وأعلى حرارة، فكان الصوت المُحرِم للتهنئة هو الأعلى ضجيجاً والأكثر عجيجاً، وكأنَّه قادمٌ من عمق صحراء نجد للتو، مُحمّلاً بجفاف أرضها، وقسوة صخورها، وحدة حرارتها، فكان فقه التحريم مُنسجماً مع بيئتها الجافة والقاسية والحادة، فولد من رحمها فتاوى تُوغِلُ في التحريم والتكفير، ومنها تحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، انتقلت أحياناً من درجة التطرف إلى درجة الشذوذ.

ومن أمثلة تلك الفتاوى الشاذّة، فتوى لأحد أقطاب التيار الصحراوي في مصر، يُحرِّم فيها على الزوج المسلم أنَّ يردّ السلام على زوجته المسيحية، أو يهنئها بأعيادها، وذهب إلى وجوب بغضها دينياً، والاكتفاء بمعاشرتها جنسياً دون أن يقع في خطيئة حُبها، وإن كان لا بد فاعلٌ فليحبَّ جسدَها دون روحها، وكأنَّ الله تعالى لم ينزل في محكم التنزيل بين الزوجين  وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  وفي الحقيقة لم تكن تلك الفتوى وغيرها خارج سياق نمط التفكير الصحراوي، بل كانت منسجمة مع سيل جارف من الفتاوى المشابهة المستندة للإمامين الكبيرين أحمد بن تيمية وابن القيم الجوزية، التي أحياها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأعاد تلاميذه إنتاجها بإضفاء مزيد من التطرف عليها، ومنها فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين- عضو هيئة كبار العلماء في السعودية – "إنَّ تهنئة النصارى بأعيادهم مُحرَمٌ بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة، لأنَّ المُهنئ لهم هنَّأهم بشعائر الكفر، كما لو هنأهم بعبادة الصليب، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر".

مدرسة إسلامية أخرى آمنت بخلاف ذلك الرأي والفتوى، وهي المدرسة الأشعرية التي يتبناها الأزهر ومعظم علمائه، ويتبعها غالبية علماء الأمة، وهذا ينفي (الاتفاق) الذي جاء في فتوى ابن عثيمين، إلاّ إذا كان الاتفاق المقصود هو إجماع علماء مذهبه وتياره. فرأت المدرسة الأزهرية الأشعرية جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم، باعتباره مباحاً أو مندوباً، لا سيما الذين يُشاركون المسلمين أوطانهم، وهو الأمر غير الموجود في الجزيرة العربية، فلم يدرك علماؤها أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية في البلدان المتعددة والأديان والمذاهب، ولذلك جاء في فتوى مركز الإفتاء بالأزهر قبل عامين "أنَّ تهنئة المسيحيين بأعيادهم أمر مُرّحب به شرعاً، إذ يُصنف تحت التعبير عن الإحسان إليهم، والبر بهم، ويدخل في باب لين الكلام وحسن الخطاب، وجميع هذه الأمور أمرنا الله عز وجل بها مع الناس جميعاً دون تفرقة، وخاصة أهل الكتاب  لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  وقال أيضاً في سورة البقرة  وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً .

اذن في مسألة تهنئة المسيحيين بأعيادهم مسألة خلافية اجتهادية من قضايا الفروع التي تقبل الاختلاف وتعدد الاجتهادات، وخطأ أنصار التحريم كما يرى علمائهم هو ربط المسألة بالعقيدة، استناداً إلى اعتبارها تشبهاً بالكفار، وإقراراً بصحة عقيدتهم، وولاءً لهم "فهذا إن سلم قائله من الكفر فهومن المحرمات"، كما قال ابن القيم في (أحكام أهل الذمة)، وابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم)، فاتُخذت المسألة سبيلاً لكل أنواع التشويه والتشنيع على المبيحين للتهنئة، ابتداءً من التبديع والتفسيق، وانتهاء بالتضليل والتكفير، فالمشكلة في مدرسة التحريم أنها لا تعتبر رأي المحللين للتهنئة اجتهاداً مُعتَبراً إسلامياً، رغم قوته وكثرته، انطلاقاً من فهم خاطئ يرون فيه أنفسهم الممثلين حصرياً للإسلام، ويعتبرون آراء علمائهم هو الإسلام نفسه وليس اجتهاداً في دائرة الإسلام، وهذا أصل البلاء وأساس الوباء، الذي حمل فيه العقل الصحراوي المأزوم للمسلمين ثقافة التكفير وفعل التقتيل.

التشدد في تحريم التهنئة بعيد الميلاد، لم تكن المظهر الوحيد لأزمة العقل الصحراوي، فمن مظاهرها انشغال ذلك العقل المأزوم، بآلاف القضايا الصغيرة المُفرِقة، وترك القضايا الكبيرة الموحِدة، وذهب بالأمة نحو الفُرقة بدل الوحدة، ومن أمثلة ذلك: إهمال مفهوم (الأمة الإسلامية) الجامع لكل المسلمين بنص القرآن الكريم  إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ، واستبداله بمفهوم (أهل السنة والجماعة)، لإخراج المُخالفين من دائرة أهل السنة والجماعة، كمدخل لإخراجهم من دائرة الإسلام. وتجاوز مفهوم (الإخوّة الإسلامية) الموّحِد لكل المسلمين بنص القرآن الكريم  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، ليشعل فتيل الفتنة المذهبية أينما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولم يعترف بمفهوم (الإخوّة الوطنية) كجامعة لكل أبناء الوطن الواحد، المستند إلى وثيقة المدينة، التي وضعها الرسول ، والقائمة على أساس الشراكة والمساواة في الواجبات والحقوق، وأصر على التمسك بفقه يُعزز التمييز والكراهية بين المسلمين وغيرهم. وبدلاً من مفهوم (الإخوّة الإنسانية)، وفق مفهوم التعارف الوارد في القرآن الكريم  وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ، عزّز التصنيف الثنائي القطعي بين داري الإسلام والكفر عندما كان هناك دولة إسلامية واحدة فعلياً (الخلافة) وغيرها دول غير إسلامية.

أزمة العقل الصحراوي تجلّت في انهماكه باستنساخ فتاوى العصور السابقة، وانتزاعها من سياقها الاجتماعي دون تمحيص لتطبيقها على عصرنا، وانشغاله باستدعاء تراث الأزمنة الغابرة، وانتزاعه من سياقه التاريخي دون تمييز ليكون موّجهاً لواقعنا، فانتقى من أكوام الفتاوى ما يتفق وهوى مذهبه، واصطفى من رُكام التراث ما ينسجم ومزاج مدرسته، فأخرج من جراب فقه الاستبداد ما يُشرعن لاستبداد الحكام وفساد الأعوان، وتهميش الشعوب، وإذلال (أهل الذمة...) وأطلق من صندوق فكر الاستعباد ما يؤصل لدونية النساء، وفقر البؤساء، وطاعة الرؤساء، وتضخم أموال الأغنياء... ورسّخ في أذهان الكثير من الناس مُحرّمات ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها: الحكم بأنَّ المرأة كلها عورة، وأنَّ الفنون الجميلة كلها مُحرمة... واستخدم خطاباً دينياً دعوياً مليئاً بآفة الاستعلاء على الناس، ووهم امتلاك الحقيقة المطلقة وصولاً إلى الظن بأنّهم للفرقة الناجية... وغير ذلك.

خلاصة القول في جدل عيد الميلاد المتكرر سنوياً، كأحد مظاهر العقل الصحراوي المأزوم، بعجزه عن إنزال النص الديني الثابت على الواقع البشري المتغير، وفقدانه للقدرة على التمييز بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري، والمحكوم بالحرفية النصية الحادة دون اعتبار لمقاصد الشريعة وروح الدين، والمأزوم بانشغاله بقضايا دينية فرعية تقبل الاجتهاد والاختلاف، كالتهنئة بعيد الميلاد، دون أن يهتم بقضايا الأمة الكبرى، مثل: قضية فلسطين، ووحدة الأمة، ومشروع النهضة، وعوامل النصر، ورسالة الأمة... وغيرها، وطالما لم يملأ أصحاب الفكر التنويري ساحة الفكر والعمل الإسلامي سيظل العقل الصحراوي المأزوم ينشر أزمته في عقول أبناء الأمة الإسلامية وواقعها، ومُثيراً لنقاش في غير موضعه، وجدل في غير محله.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط