كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جذور الأزمة في الفعل العربي

جذور الأزمة في الفعل العربي

تاريخ النشر: 2018-12-16 | 16:48

فوضى في الإجابة على التحديات التي تواجه أقاليمنا ومنطقتنا العربية وعالنا الإسلامي.. ماذا نريد؟ وكيف نحقق ما نريد؟ وما هي قيمة الأحزاب وأنظمة الحكم ومشاريع التنمية والإعلام والعمل الدبلوماسي؟ يبدو اننا لم نستطع بعد ترتيب أوراقنا وإدارة أوضاعنا بأولويات ايجابية.. لذلك فنحن نسير من فشل الى فشل ويتواصل مسلسل التجارب والاخطاء.
بين الموضوعي والذاتي علاقة جدلية وإضطرادية لا غنى لأحدهما عن الآخر.. وقد منحنا المنهج القرآني قواعد التأسيس لرؤية تكاملية بين الشرطين وبقدر دقيق كي لا تجنح بنا الأفكار والمفاهيم فنتطرف يمينا او يسارا، ولكي تستمر رحلتنا الرسالية متوازنة رحمة للعالمين.. ففي حين كان القران الكريم يتنزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الطليعة الرسالية الأولى بكلمات بينات "اقرأ" و"قم الليل الا قليلا" و"اعبدوا رب هذا البيت" كان في الوقت نفسه يقول لهم:" غلبت الروم في أدنى الأرض" يمنحهم الوعي السياسي بالواقع الإقليمي والدولي وكان يقول لهم :"ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" ليزودهم بالوعي التاريخي، وكان يشير إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي بقوله:"لإيلاف قريش إيلافهم.. رحلة الشتاء والصيف"..ويشن الحرب على العقبات السياسية الكبيرة التي تتصدى للرسالة"تبت يدا أبي لهب وتب".. وهكذا نرى ان القرآن الكريم وهو يصنع الطليعة الأولى في مكة كان يعزز التركيز على الشرط الذاتي من قراءة وطهارة ونبل وصدق وتوحيد و توجه الى الله وحرية وكرامة في الوقت الذي كان فيه يفتح العقل على الشرط الموضوعي بكل حيثياته الفعالة التي يترتب عليه واقع في حياة الناس.
هذا الوعي المتكامل لما هو ذاتي ولما هو موضوعي وعدم الجنوح مع أحدهما هو الذي صنع الطليعة الرسالية الأولى التي كانت مشاعل نور وهداية وقيادة للعالمين.. وسيظل هذا التكامل بينهما هو السبيل للإجابة على التحديات التي تواجه الأمة.
في تاريخنا الإسلامي وعلى الصعيد الثقافي حصل ارتباك كما الارتباك الذي حصل على الصعيد السياسي وكان نتيجة له او من إفرازاته.. فحصل ان انكبت بعض الإجابات على الشرط الموضوعي للخروج من الأزمة فيما اتجه آخرون الى التركيز على الشرط الذاتي واستمرت هذه الفوضى قرونا عديدة ولعل آخرها ما انتهى إليه اكبر مفكرين عربيين سيد قطب ومالك بن نبي ففي حين اهتم الأول بإيضاح الشرط الذاتي في عملية النهضة وأولاه اهتماما فائقا على حساب الشرط الموضوعي اتجه الآخر إلى الانغماس في متابعة الشرط الموضوعي بتفصيلات ومتابعات عميقة ودقيقة إلى درجة تبدو معها أهمية الشرط الذاتي لا تحتل حيزا واضحا بمساحة كبيرة في تنظيره.
ولقد كان أبوحامد الغزالي وابن رشد مثالا تأصيلا وتأسيسيا بارزا في هذا الانشطار الذي بلغ مداه بينهما إلى درجة التراشق بالكتابات يتهم كل منهما الآخر بتهافته وخروجه عن المطلوب.. إنها حالة من عدم التوازن النفسي في مواجهة التحدي الذي تواجهه الأمة التي كانت بحاجة ماسة الى إجابة متوازنة متكاملة لأنه لا يصلح أمرها الا بما صلح به آمر أولها.
عاش أبوحامد الغزالي في عاصمة الخلافة وفي مرحلة من تراخي أواصرها وسلطانها وتوقف إبداعاتها فلقد كانت في حالة من التهالك فنهض يقدم إجابة على التحدي الذي استشرى في قيم الناس وثقافتهم وسلوكهم لاسيما في الطبقة الحاكمة او المثقفة فكانت جهوده الكبيرة منصبة على تزكية النفس وتربيتها الروحية والمسلكية ولجأ في هذا الى سوق كل ما رآه مؤيدا من أدلة وبراهين إالا أن كل ما كتبته أبوحامد كان منصبا على مسألة الآداب والأخلاق الفردية وبلا شك هذا في غاية الأهمية والحاجة الملحة.
وعاش ابن رشد في الجيب الحضاري المتميز - الأندلس- حيث المواجهة المباشرة مع الغرب الذي بدأ يتحسس طريق الخروج من ظلماته و قرونه الوسطى.. ففي الأندلس كان المطلوب تجدد الإجابات الثقافية والحضارية التي تواجه هذا العالم الغربي المتاخم لبلاد وصلت الى حد التخمة الحضارية ولقد أصبحت منارة ثقافية لطبقة النخبة الأوربية.. فانشغل ابن رشد بتقديم تفسيراته للكتابات الفلسفية الكبيرة للعظماء كأرسطو.. فقام بالإشراف على ترجمة كتاب أرسطو "ما بعد الطبيعة" وقدم له تفسيرا شاملا.. وتواصلت كتاباته الفلسفية على هوامش الكتب التي ترجمها عن لغاتها القديمة قبل ان يتفرد بوضع مؤلفات خاصة به.. لقد كان ابن رشد قاضي القضاة وكتب في الفقه وسوى ذلك لكنه كان مكرسا لمجادلة الفلسفات الغربية القديمة، ومصححا وناقدا، ووضع إجابات على أسئلتها فكان بذلك باعثا للوعي والثقافة في المجتمع الغربي، وكانت أفكاره بمثابة النور الذي كشف الطريق أمام النهضة الغربية ولم يكن لجهوده الفكرية العظيمة مردود على حركة الثقافة في المجتمع الإسلامي عموما والمجتمع الأندلسي خصوصا حيث بقي علما بلا محركات ذاتية نفسية فبقي على هامش حركته الثقافية والعلمية.
بين الرجلين مسافة كبيرة على صعيد الموقع الجغرافي ومتطلباته فللمكان سلطانه على المثقف والمفكر بحيث يدفع دفعا للانهماك في قضايا واقعه على حساب الرؤية الكلية أحيانا كثيرة.. ولذا كانت المسافة المنهجية بين الرجلين كبيرة من التباين بحيث اتجه كل منهما للانشغال بأحد شرطي الإجابة مغفلا الى حد كبير أهمية الشرط الآخر.. وكم كان مفيدا لو اجتمعا في مشروع يتكامل ببعديه الكبيرين الفلسفي والأخلاقي فلقد كانت بغداد بحاجة الى أفكار لتخرج من العبث وكانت الأندلس والغرب بحاجة الى أخلاق وقيم لتستقيم أفكارها..
حصل الانشطار داخل المنظومة الثقافية الإسلامية فما الذي حصل نتيجة ذلك..؟ تقدم الغزالي بعمق في لب الثقافة الإسلامية السائدة يوم ذاك كردة فعل نفسية يعيشها المجتمع عندما يستشري فيه الفساد فتصبح ميكانزمات الدفاع النفسي منخرطة في البحث عن الأخلاق وتزكية النفوس.. وخرج ابن رشد الى هامش الثقافة الإسلامية يرد عليه تأييدا أو نقدا نخبة النخبة في عملية ترفية لا تنعكس على حركية المجتمع الإسلامي وذلك ليس لصعوبة القضايا التي طرحها ابن رشد فهي قضايا في حس المسلم مفروغ منها ولكن لأنه اعتمد قاعدة فلسفية تحتاج الى أعمال العقل والتجرد من العواطف والمواقف المسبقة ونهج سبيل الفهم للوصول الى الحقائق الكبرى في فهم الآيات والسنن.. وهذا أمر يصعب على الكثيرين الذين اعتادوا القصص والوعظ والتشويق والترهيب..
ان أبا حامد ذهب الى الأسلوب الأسهل في مواجهة التحدي فخاطب الناس بحاجتهم الذاتية الى الإصلاح الفردي في حين اعتمد ابن رشد الأسلوب الأكثر عمقا وجدية ورصانة وإثارة لمعارضة الأوضاع الساكنة المتكدسة وهو بهذا عجل في إصدار الحكم علي مشروعه التنويري بحكم نطق به أبوحامد"تهافت الفلاسفة" والذي كان لسان حال علماء الدين وعامة المثقفين والعوام حينذاك.
ان التمثل الأخلاقي الذي جسدته رسائل أبوحامد انجاز في غاية الأهمية والجمال الا انه يفتقد التركيز والتبيين لفلسفة الوجود ورؤية عقلية عميقة نحو الحياة المتجددة والكون المتكشف باستمرار وكذلك غياب روح التمحص والنقد فيما كان حضور روح التسليم مكرسا .. وهذا كله بسط له ابن رشد نقدا وتصويبا وتركيزا على أهمية ارتقاء الإنسان بعلمه وعقله لفهم المعجزات والآيات الكبرى فالعقل مفتاح المعرفة فكان مشروعه قائما على العقل والإدراك والمنطق في بنائه الفكري الخاص.
ان المقصود هنا بالنقد ليس أبوحامد المفكر و"الفيلسوف" ولا ابن رشد الفقيه والمجتهد..إنما هو ما انتهيا إليه من تكريس منهج انشطاري في مواجهة التحدي الأمر الذي خضع للضغوط المكانية والزمانية ففقد التوازن الضروري.. ومع هذا لابد من إعادة الاعتبار الى المنهجين الكبيرين وقراءة احدهما على ضوء الآخر ومحاولة تركيب مبدع بين المنهجين برؤية أكثر واقعية وعلمية وإستراتيجية مع الأخذ بعين الأهمية التطورات الحاصلة على المسيرة البشرية وواقع الأمة.. فلقد حرمنا للأسف من الاستفادة من أفكار ابن رشد ومشروعه التنويري وذلك لخلل في عرضه وطريقة إخراجه وعدم مراعاته لأهمية التوازن، كما إننا حوصرنا في أفضل حالاتنا بسكونية وتسليم مشروع ابي حامد الذي انكب على البعد الذاتي وهو في النهاية لم يحصن بغداد ولا يحصن الفرد والمجتمع في مواجهة التحديات الثقافية او الأخلاقية..
ها نحن نكتشف ان التركيز على الشرط الذاتي لم يحم مسيرتنا من الانهيار..كما ان العملية الفكرية العميقة لم تسهم في صمود مجتمعاتنا وتقدمها.. ومع الزمن أصبحت عمليات التلفيق سمة لكثير من الذين يتصدون لموضوعة النهضة فلقد تضاءل منهج الغزالي وتم اختصاره واضمحل منهج ابن رشد وتم الإقلاع عنه الا في قاعات الدراسات المتخصصة.
ان طلائع البعث الإسلامي المعاصرة وقعت تحت ضغط الواقع فأعطت إجابات هشة سطحية مصلحية تتلون أحيانا بشعارات إسلامية للسيطرة على مشاعر العامة وهي بهذا تعمق الأزمة وتبعدنا عن باب الخروج منها..وفي ظل هذه الفوضى تقدمت نماذج مشوهة او مصنعة تعيث خرابا في عقول النشء وحياتنا.
اما شأن كثير من العاملين اليوم في مشروع النهضة فنكاد لا نرى فيهم الا القليل من تمثل منهج الغزالي ولا نجد فيهم شيئا من منهج ابن رشد، إننا نرى فيهم سطحية وتكلفا.. الأمر يعني اننا بحاجة عميقة إلى العودة الى منهج التوحيد بين الشرط الذاتي والموضوعي بطريقة متداخلة متكاملة يقرأ كل جانب على ضوء الجانب الآخر.. هدانا الله الى سواء السبيل.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط