كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جذور "الإسلاموفوبيا"

جذور "الإسلاموفوبيا"

تاريخ النشر: 2024-04-03 | 07:28

انتشر الإسلام، كدين وثقافة وتقاليد وأنماط حياة وحضارة تقبل التنوع والتعايش مع الآخر، في ثلاث قارات، وفي أقل من قرن. وقُبل الإسلام بسهولة من سكان الشرق الأدنى، وإفريقيا الشمالية وجزء من إسبانيا، لكنه واجه مقاومة في المجتمعات المحيطة بشمال البحر الأبيض المتوسط، وقد تركت هذه المقاومة آثاراً على مختلف العلاقات بين الإسلام وأوروبا المسيحية، وبين العرب والغرب (الفرنجة) بشكل عام. وقد شَنَّ «الفرنجة» أكبر هجوم مضاد وعنيف على ديار الإسلام والعرب من خلال الحروب الصليبية.

وقد أفرزت هذه الحروب، خلال القرون الوسطى، عناصر التخيل والصور النمطية السلبية عن الآخر (المسلم والعربي والديانة)، وهي عناصر شائنة تسربت إلى قلوب الأوروبيين ووجدانهم، وكوَّنت متخيلاً جمعياً يُعلي من شأن الذات الأوروبية المسيحية (تنويري)، ويقدم الآخر بشكل «شيطاني» و«شرس» و«ظلامي». وبذلك زُرع في الذهن الأوروبي الشعور بضرورة انتصار «النور» أو «الأنوار» على «الظلام»، ولعل تلك البذور والمشاعر هي التي وفرت المقدمات لفكرة المركزية الأوروبية، في مقابل «الأطراف».

وقد كان لرجال الكنيسة، كمؤسسة دينية واجتماعية وثقافية، دور كبير وأساسي منذ العصر الوسيط حتى عصر النهضة في تشكيل المتخيل الجمعي الأوروبي تجاه الآخر (الإسلام والمسلمون والعرب)، وكانت الكنيسة ورجالها الأقوى على امتلاك مفاتيح المعرفة والثروة والتأثير في أوروبا، كما كانت هي المتكفلة بتربية الناس المؤمنين بها، وتشكيل رؤيتهم للآخر وللعالم الخارجي.

أما الصورة النمطية السلبية التي كانت تتشكل وتسود في الزمن الوسيط، فتدور حول الإسلام (دين جبر، وانحلال، وعنف وقسوة، دين وثني.. إلخ).

وكان الغرب الأوروبي المسيحي، وقتها، بحاجة إلى تعزيز وعيه بالذات، من خلال تقديم الآخر في أكثر أشكاله عدوانية وتشوهاً (الوثنية - التوحش - الشبقية)، وأنه يُشكل «خطراً داهماً» وتم تكريس هذه الصور في أعماق الوعي الجمعي، وتداخلت في هذا الخطاب المعلومة المغلوطة مع الخيال، وطغت عليه الأصوات الحادة والعنيفة، وانتشرت أدبيات وروايات كثيرة تشوّه الإسلام، وتفتري على المسلمين ونبيهم، صلى الله عليه وسلم، من أمثلتها: توماس الأكويني، والشاعر الإيطالي دانتي أليجري في كتابه الكوميديا الإلهية، في بداية القرن الرابع عشر، وغيرهما، ممن عبروا عن مشاعر الكراهية والخوف تجاه الإسلام، التي كانت سائدة في الوعي الجمعي الأوروبي، وتشكل أصداء للتجربة التاريخية لأوروبا.

ولا شك أن الصور النمطية التي حلَّت محل الواقع، والتأويلات الزائفة ضد الدين الإسلامي، والقسوة في الحكم على الإسلام، وتقديمه إلى المخيال الغربي كدين وثني، والتشكيك في صحة وصدقية نبوّة محمد، صلى الله عليه وسلم، كانت في مجملها تحفز (الفرنجة) لتنظيم هجوم مضاد للمد الإسلامي الجارف والكاسح الذي كان يشكل تهديداً للوجود المسيحي في البحر المتوسط.

تكرَّست الصور النمطية عن الإسلام من خلال نسج خطاب حول هذه الديانة، خطاب تداخلت فيه المعلومة المنتزعة من سياقها، والرغبة المقصودة في تشويهه، وجعله ديانة ماكرة ومنفرة وممقوتة ووثنية، شعاره السيف والحرب والعنف، وتقديم صورة نبي الإسلام كصورة مجرَّحة، وتدمير صدقية رسالته.

بقي الإسلام موضوعاً للخوف، ولتمثّل متخيل كعدو، ذي نزعة تدميرية، فضلاً عن صفات أخرى ممقوتة في السلوك ونمط الحياة، والفظاظة وحتى لونه «الأسود»!! مواقف وصور موروثة من مخلفات القرون الوسطى الأوروبية عززت في زمانها الوعي المسيحي بالذات الذي كان بحاجة إلى تقديم الآخر في أكثر صوره عدوانية وتشوهاً، وخلق ظروف تعبئة نفسية ومعنوية لمحاربة قوته السياسية، ووقف زحفه «الدعوي» وفتوحاته.

وفي مرحلة تالية، وفي عصر النهضة الأوروبية، توارث كتَّاب وساسة ورجال دين وفلاسفة صوراً نمطية عن الإسلام من موروث القرون الوسطى، وأخرى جديدة بتأثيرات سقوط القسطنطينية، ونهاية العصر الأندلسي وصعود العثمانيين، وحركة الإصلاح الديني التي قادها وأسسها الراهب الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، وقسمت المسيحية بين الكاثوليكية الرومانية والبروتستانتية، وانشغلت أوروبا في قرون تالية بحروب دينية داخلية دامية، وطويلة المدى والأثر.

وفي عصور تالية، مروراً بعصر النهضة الأوروبية وعصر الاستعمار الغربي لمناطق واسعة في العالم، ظلت هذه الصور النمطية المشوهة عالقة في المخيال الغربي، وأمدت الاستعمار بهذه الصور التحريفية والظالمة لطبيعة الإسلام وحضارته، وتم وسم مجتمعات المسلمين، وكذا الشرق، بالتخلف الذي يستمد جذوره من معتقدات دينية وثقافة مغلقة تعادي العلم والروح العلمية والفلسفة والحداثة، وتحث على التطرف.

لا ينتعش رهاب الإسلام إلاَّ في ثقافة أو وعي يتداخل فيه الجهل بحقيقة وجوهر الإسلام، مع عناصر أخرى سياسية واجتماعية، وتعصب، وتزييف إعلامي لإبقاء حالة التوتر مستدامة. ولا شك أن هناك اليوم ظواهر تستحق التشجيع تلوح بين حين وآخر، في صحف ومراكز تفكير وإعلام ونخب سياسية في أوروبا والغرب عموماً داعية إلى إنصاف الإسلام، والرغبة في فهم أهله، وله أسبابه ومبرراته، وله علاقة أيضاً بعشرات الملايين من المسلمين الذين يتنامى عددهم وتأثيرهم في مجتمعاتهم الأوروبية، بخاصة أن نحو ثلث عدد المسلمين في العالم يعيش اليوم في مجتمعات دول غير مسلمة، ويتفاعل مع أتباع ديانات ومعتقدات وثقافات متنوعة، وبالتالي فإن السلم المجتمعي واحترام التعددية هو لمصلحة الجميع.

إن مرض «رهاب الإسلام» بحاجة إلى معالجات ثقافية جادة وموضوعية، وتتطلب إعادة النظر في برامج التعليم ومحتويات الثقافة والإعلام والتشريع، وبناء مناخات لا تنمو فيها مشاعر العنصرية والتعصب، ولا الصور النمطية السلبية عن الآخر.

نحتاج جميعاً، في الشرق والغرب، إلى قراءة التاريخ بنظرة «التاريخ الحافز» وليس بنظرة «التاريخ العبء» والتعاون الإنساني المشترك، لإسقاط الصور المزيفة عن الآخر، والتسليم بمبدأ الاختلاف، ونبذ نزعات التفوق والسيطرة والهيمنة ونفي الآخر.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط