كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جريمة نورث كارولاينا في ميزان العدل الأمريكي

عندما تقع جريمة قتلٍ في أي مكانٍ في العالم، يتهم القاتل إن كان عربياً أو مسلماً أو أسوداً أو مهاجراً بأنه إرهابي، وأنه ارتكب جريمته بدافع الكراهية والانتقام، وأنه مشبع بالتطرف والعنصرية، وتسيطر عليه أفكارٌ عنفية متشددة، وأنه ينتمي إلى تنظيماتٍ ارهابية، وحركاتٍ متطرفة، وتصنف جريمته بأنها حلقة في مسلسلِ ارهابٍ لا ينتهي، وتبدأ الحملات السياسية والإعلامية الموجهة تنال من العرب والمسلمين وتحرض عليهم، وتتحد الألسن والأقلام في المعركة المقصودة، وتتهم الإسلام كدينٍ وعقيدة، وتحاول أن تشوه صورته، وأن تحمله المسؤولية عن هذه العمليات، وتحمل المجتمع العربي والإسلامي كله تبعات الجريمة، وقد تنتقم منهم، وتثأر من الجميع، دون تمييزٍ بين الناس، وتفريقٍ بين العامة.

تبحث الشرطة في جيوب القاتل وملابسه، عن أيةٍ قرآنية أو مصحفٍ، أو عن أي شعارٍ تنظيميٍ أو صورة، أو أي مادةٍ تحريضية، أو أدلةٍ عنفية، كي يسهل عليها تصنيف الجريمة، وتوجيه أصابع الاتهام، وتفتح صفحة القاتل على الفيس بوك، وتدخل إلى بريده الاليكتروني وموقعه الشخصي، لتقرأ رسائله، وتتعرف على أصدقائه، وتحكم عليه من خلال ملصقاته ومشاركاته، وحواراته ودردشاته، كما تفتح هاتفه الشخصي، وتستعيد مكالماته، وتطلع على سجل محادثاته، وقد تطلب الاستماع إليها إن كانت مسجلة، وتستعرض الصور التي يحفظها في هاتفه، وتحلل كل صورةٍ فيها، وهي تعتقد ابتداءً أن الجريمة متعمدة، وأنها فعلٌ مقصود، وأنها بقصد الإرهاب وبدافع التطرف.

تبدأ السلطات الرسمية والجهات الإعلامية في توجيه الاتهامات وتعميمها، وتطلق حملات التهديد والوعيد، وتنادي بالثأر والرد والانتقام، وتباشر عمليات التأديب والعقاب، وتبدأ في التضييق على العرب والمسلمين، المواطنين والقاطنين، والمهاجرين والزائرين والطلاب، والسود وذوي السحنات العربية والوجوه الأسيوية، قبل أن تظهر نتائج التحقيق، ويتم معرفة التفاصيل والدوافع، ودراسة الأسباب والبواعث، وقبل أن يقول القضاء كلمته، ويوجه التهمة رسمياً بموجب الأدلة والقرائن، وينطق بحكمه القاطع على مرتكبها، وإن كان القضاء الغربي غير مبرأ من هذه الحملات التحريضية العنصرية.

أما عندما تقع جريمة قتلٍ مشابهة، مروعةٍ وبشعة، ومقصودةٍ ومتعمدة، في وضح النهار أو في جنح الليل، وفي الخفاء أو أمام العامة، ويسقط فيها ضحايا وأبرياء، لكن القاتل لا يكون عربياً أو مسلماً، ولا يوجد على وجهه أو بشرته ما يدل على أصله العربي أو المسلم، وإنما هو مواطنٌ أمريكي أو غربي، فإن الجهات الرسمية تتلكأ وتتريث، وتتأخر وتتأنى في توجيه الاتهام وتحليل الجريمة، وتسليط الضوء على مرتكبيها ودوافعهم، كما لا يتهم القاتل بالإرهاب، وتنفى عنه صفة الكراهية، وتخفف جريمته بدوافع نفسية، وأسباب شخصية، وخلافاتٍ عادية، وتبدأ الجهات الرسمية والشعبية في خلق القصص وحبك الروايات التي تبرر المجرم من تهمة الإرهاب، وتنزهه عن التطرف، وتقصيه عن الكراهية، وتبرئ ساحته من سوء القصد، وسواد الطوية.

وترفض السلطات الرسمية أي مساسٍ به أو اعتداء عليه، ولا تقبل بأن يتهم بأنه تعرض لتحريضٍ أو لغسيل دماغ، أو أنه قام بفعلته ثأراً أو انتقاماً، وترفض تصنيف جريمته بأنها فعلٌ إرهابي، وتمنع وسائل الإعلام من التعريض به، أو عرض صوره وفضح خصائصه، وكشف ما خفي من حقيقة شخصيته، وتعجل في تسمية طبيبٍ نفسي له، ومشرفٍ اجتماعي عليه، ليدرس شخصيته، ويتعرف على ظروفه، ويفهم أسبابه ودوافعه، وتعزو متعمدةً وقاصدةً جريمته إلى أسبابٍ شخصية، وخلافاتٍ فردية، ومشاكل تعود لسوء تصرفٍ أو خشونةٍ في التعامل، أو تكون بسبب الرعونة والاشتباك، والاستفزاز والمشادة، والاختلاف مثلاً على مرآب سيارة كما فسرت الشرطة الأمريكية جريمة مقتل المسلمين الثلاثة في ولاية نورث كارولينا الأمريكية.

ترفض السلطات الأمريكية تصنيف جريمة القتل البشعة بأنها إرهابية، رغم أن كل الشواهد تؤكد أن القاتل كان متعمداً، وأنه سبق وأن هدد هذه العائلة، وخاطبها بخشونة، ودخل بيتهم عنوةً، وتعامل معهم بفوقية وعنجهيةٍ، واستخدم ضدهم كلماتٍ نابية، ومفرداتٍ معيبة، وقام بتهديدهم مستخدماً كلماتٍ متعالية، وأنه كان يستفزهم ويعترض طريقهم، ولا يعجبه لباسهم ولا مظهرهم الخارجي، كما كان يغيظه دينهم وانتماؤهم الإسلامي والعربي، رغم أنه يعرفهم عن قرب، إذ كان جارهم ويسكن في نفس مبناهم، ويراهم يدخلون ويخرجون في صحبة والديهم وأفراد أسرهم، فضلاً عن أن الضحايا كن بناتٍ شاباتٍ طالباتٍ جامعياتٍ، وزوج احداهن الطالب الجامعي الشاب.

كما أن صفحة القاتل على موقع الفيسبوك واضحة وتشي بالكثير، وتكشف عن حقيقته وتفضح سريرته، وتعبر عن نفسه وتفسر سلوكه وتصرفه، إذ فيها الكثير من العبارات المتطرفة، والاشارات العنصرية، فضلاً عن وجود رسائل كثيرة تحمل صور مسدساتٍ محشوة بالطلقات، وتعليقات شخصية له يقول فيها أن مسدسه ثقيل، وفيه خمس طلقاتٍ إضافية، وفي هذا تهديدٌ واضحٌ بالقتل، وبيانٌ للنية السيئة المبيتة بلا ريب، وهو السلاح الذي استخدمه علناً في ارتكاب جريمته.

لا نقبل بجرائم القتل أياً كان منفذها ومفتعلها، ولا نشجع عليها ولا ندعو إليها، وندين مدبرها ونتبرأ من مرتكبها، ونرى أن الجرائم التي تستهدف السلم المدني، وتقضي على آفاق التعايش السلمي بين المواطنين، أياً كانت جنسياتهم وانتماءاتهم، في بلادنا أو في بلاد غيرنا، حيث نحن مواطنين أو لاجئين ومهاجرين، أو طلاباً وزائرين، فهي جرائم ضد الإنسانية، نستنكرها وندينها، ونرفضها ولا نؤيدها، وهي ليست من ديننا، ولا تعبر عن قيمنا، ولا تنسجم مع مجتمعاتنا، وإن حدثت فإننا منها براء، وندعو ونعمل للقصاص من مرتكبها، ومعاقبة المحرضين عليها والداعين إليها.

في الوقت نفسه فإننا نرفض أن يتهمنا الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بالإرهاب، وأن يلصقوا بنا وبكل عربيٍ ومسلم هذه التهمة البشعة، ولا نقبل بأن يتعاملوا معنا وكأننا جميعاً نهوى الجريمة، ونفرح بارتكابها، ونشترك في تنفيذها، ونتشفى بضحاياها، ولا نحزن على من يسقط فيها، رغم أننا نقتل بأيديهم كل يوم، ونحرق بسلاحهم في كل مكان، ويعتدى علينا باسمهم، ونحارب بظلمهم، ويستقوي علينا العدو ويحتل أرضنا، ويغتصب حقوقنا، ويطرد ويقتل أهلنا معتمداً عليهم، ومطمئناً إلى دعمهم واسنادهم، فهذا هو الارهاب بعينة، وهو الجريمة الدولية ضد الإنسانية كلها، وإلا فإنها معايير شوهاء، وموازينٌ باطلة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط