كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جمال عبد الناصر في الرواية العربية تأكيد على الحضور الطاغي للزعيم في رحيله كما في حياته

جمال عبد الناصر في الرواية العربية تأكيد على الحضور الطاغي للزعيم في رحيله كما في حياته

تاريخ النشر: 2024-01-15 | 11:26

ما زالت شخصية الرئيس والقائد القومي العربي جمال عبد الناصر، تثير النقاش والخلاف حولها، ولا زال الناس والباحثون منشغلون كلّ بأسلوبه بهذه الشخصية المميزة والمثيرة للاهتمام لما تمتعت بها من خصال قلما تمتعت بها الشخصيات العامة، رغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيله وأكثر من قرن على ميلاده، وقد عبّر هذه الحالة نزار قباني في قصيدته "الهرم الرابع" حيث هتف:
" ما زال هنا عبد الناصر..
في طمي النيل، وزهر القطن..
وفي أطواق الفلاحات..
في فرح الشعب..
وحزن الشعب..
وفي الأمثال، وفي الكلمات..
ما زال هنا عبد الناصر..
من قال الهرم الرابع مات؟"
ولم يتوقف الحديث عن عبد الناصر في المجالس ووسائل الاعلام وفي المناسبات، بل امتدّ ليشكل محور نقاشات أكاديمية وإعلامية وليكون مركز أبحاث سياسية وتاريخية وفي قلب دراسات أدبية وفكرية. واذا كان الشعراء في عصره أجمعوا على محبته، كما عبروا عن ذلك في قصائد الرثاء بعد الفاجعة التي حلت بهم وبالشعب العربي في مختلف أماكن تواجده، إلا الرواية شهدت اختلافات في النظرة إلى شخصية عبد الناصر، حيث نجد الأدباء (كتاب الروايات والقصص والمسرحيات) يتراوحون بين الهجوم والنقد من جهة والتمجيد والتعظيم من ناحية أخرى، وقلّة تعيش بين الطرفين. وربما يعكس كتاب "صورة جمال عبد الناصر في الخطاب الروائي"* هذا الأمر كما سنبين ذلك في مقالنا هذا.
دراسة عن حضور عبد الناصر في الرواية العربية:
الكتاب المذكور عبارة عن دراسة مميزة، تلقي أضواء على حضور عبد الناصر في الرواية العربية وخاصة بعد رحيله. وهي بالتالي تؤكد من جديد على ضحالة ادعاءات بعض الأوساط المعادية للناصرية، من أن الشعب المصري خاصة والعربي عامة خرج إلى الشوارع بعد النكسة عام 1967، رافضا الهزيمة ومطالبا عبد الناصر بالبقاء في الحكم لمواصلة المسيرة، بتحريض وتوجيه مؤسسات حزبية وسلطوية وليس بإرادته العفوية، ولم ينجح أولئك بتفسير خروج الشعب بملايينه عام 1970 إلى الشوارع والميادين، مودعا عبد الناصر بما يليق بوداع الأبطال. وزعم البعض كذلك بأن عبد الحليم والطويل وجاهين وضعوا أغانيهم التي تروي إنجازات الثورة ورؤيتها وتشيد بزعيمها عبد الناصر، بأوامر من قوى عليا. وقالوا بأن قصائد الرثاء جاءت نتيجة شعور الحزن الجارف وسرعان ما ستذوب وتغيب من ذاكرة الناس. لكن الشعر توالى وواصل الشعراء يتغنون بعبد الناصر ومواقفه، والى جانب ذلك - وبشكل أقوى - جاءت الرواية العربية لتثبت وتؤكد على حضور عبد الناصر الذي ما يزال يقض مضاجع أعدائه حتى اليوم، لأنهم عملوا واجتهدوا ودفعوا باتجاه محو اسم عبد الناصر، وعادوا خائبين من حروبهم الحاقدة ضد عبد الناصر الانسان والزعيم والبطل، وتحول عبد الناصر إلى رمز وأسطورة ومثال لا يحده زمان أو مكان.
وقد قرأنا توفيق الحكيم الذي فقد وعيه بعدما هيأ له بعودته إليه، ونجيب محفوظ واصل ثرثرته ليس على النيل فحسب بل في الكرنك وأمام العرش حيث بقي له من العمر ساعة. لم ينجحوا في تشويه صورة عبد الناصر في وجدان الشعب العربي، وان نجحوا لدى فئات معروفة بعدائها لعبد الناصر لأنه سلب منهم امتيازاتهم وجردهم من اقطاعياتهم، وكشف تواطأهم مع أعداء مصر والعرب وتصدى لمؤامراتهم وأطماعهم في الداخل والخارج.
احتوى الكتاب على بابين وسبقهما تمهيد من خمسة مقالات مطولة، وكان الباب الأول بعنوان "صورة عبد الناصر في مخيلة الشخصية الروائية" والثاني بعنوان: "الوسائل الفنية التي شكلت صورة عبد الناصر في النص الروائي" وكل باب ضم عدة فصول، سنتطرق لها بالتفصيل في هذه المراجعة.
ضم الباب الأول ثلاثة فصول تباعا: الضحية، البطل، المستبد ويفهم القاريء أن تلك الصفات ظهر فيها عبد الناصر من خلال الروايات العربية. فالروايات التي ظهر فيها كضحية هدفت للدفاع عن عبد الناصر والرد على التهجمات التي تعرض لها خصوصا بعد رحيله. وتلك الروايات اخذت من الحياة الواقعية التي مرت على عبد الناصر في مسيرة حكمه حيث تعرض لعدة مؤامرات داخلية وخارجية، مما أوجد حالة من التعاطف معه من قبل أبناء الشعب الذين وثقوا به وكانت لهم شكوك فيمن حول عبد الناصر، وكراهية لأعدائه الخارجيين الذين أرادوا تحطيم الشخصية المصرية المستقلة وليس عبد الناصر فحسب.
وفي الفصل الثاني تظهر صورة عبد الناصر البطل، كيف لا وقد رأى فيه المصريون البطل المنتظر، الذي سيخلصهم من مفاسد النظام الملكي وتبعيته للاستعمار الأجنبي وخاصة الإنجليزي ويحرر البلاد والشعب من العبودية. ومما ثبت شخصية البطل في عبد الناصر أن شروط هذه الشخصية توفرت فيه سواء الخارجية أو الداخلية أي من حيث الشكل والمظهر ومن حيث الأخلاق والشهامة والقيم التي يحملها، يضاف إليها استعداد البطل بأن يدفع الثمن حرصا على بلاده وشعبه حتى التضحية بنفسه. ظهر ذلك في روايات صنع الله إبراهيم، وهناك بعض الروايات صورت عبد الناصر كبطل أسطوري مثل رواية "فرج" لرضوى عاشور.
أما صورة المستبد في الفصل الثالث فقد صورها بعض الكتاب على هذا النحو، لأنهم كانوا إما معادين لعبد الناصر والناصرية عقيدة وطريقا، أو معادين شخصيا من منطلق الكراهية العمياء، أو ممن لم يتمكنوا من الثبات على موقفهم وخضعوا للدولار أو الجاه والطمع في الجوائز العالمية، مثلما فعل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهما من الذين انقلبوا على عبد الناصر بعد رحيله وأخذوا يهاجمون عصره بعدما امتدحوه ونالوا قسطا من خيراته.
وفي الباب الثاني قدم لنا الباحث أربعة فصول، هي: التشخيص الفني، الاستدعاء، مفردات الفضاء المكاني، التذكر والاسترجاع الزمني. حيث تجلى في التشخيص الفني العداء لعبد الناصر، عندما قام بعض الروائيين بتشويه صورته المرسومة في ذهن الشعوب، وإبراز الجانب السلبي في شخصيته على حساب الجوانب الإيجابية وهي الطاغية في شخصية عبد الناصر.
وفي فصل الاستدعاء يتوقف الباحث عند نماذج من الروايات التي تم فيها استدعاء أي استحضار شخصية عبد الناصر ليلعب دورا رئيسيا في الرواية، وجاء ذلك بعدما عاين الكتاب الفراغ الذي حل في مصر والتراجع في مكانتها بعد رحيل عبد الناصر. ولهذا أبرز الكتاب ما لعبد الناصر من فضائل على مصر ومكانتها في العالم، مع أن البعض استدعى عبد الناصر ليدينه وليصدر الحكم المسبق والظالم عليه، مثلما فعل الكاتب المرتد نجيب محفوظ في روايته "أمام العرش"، ورغم اجتهاده في تشويه صورة عبد الناصر إلا أنه لم يتمكن من تجاهل بعض إنجازاته الراسخة في تاريخ مصر. ومقابل الاستدعاء الحاقد هناك الاستدعاء الإيجابي النابع عن محبة واشتياق لهذا القائد الفذ والمميز، الذي حكم مصر لفترة قصيرة، كما فعل الأديب جمال الغيطاني في روايته "كتاب التجليات، الأسفار الثلاثة".
لا يمكن الغوص في هذه العجالة في كافة الجوانب التي تطرق لها الباحث وهي على درجة من الأهمية، وما كشفه من نواقص في الروايات التي تعرضت لشخصية عبد الناصر، حيث تعاملت معه من الجانب السياسي فقط، وتناولت فترة حكمه، دون التطرق إلى الجانب الاجتماعي من حياته وخاصة فترة طفولته وشبابه وتربيته، كما أغفلت الجانب السيكولوجي في شخصية عبد الناصر وما مرّ عليه من أحداث جسام أثرت على نفسيته وصحته.
رغم ما يمكن أن يقال في هذا الكتاب، إلا أنه يستحق القراءة وكذلك لكونه بات يعتبر مرجعا هاما لمن يود التعرف إلى الحقبة الناصرية في مصر خاصة وعلى الصعيد العربي عامة، من خلال الرواية وأسلوب تناول تلك الحقبة من وجهة نظر أدبية بما تحمله من خيال وواقع ومراجعة نقدية رغم أن عظمها حمل تجريحا أكثر مما حمل توضيحا.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط