كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جنين لست وحدك

جنين لست وحدك

تاريخ النشر: 2022-04-12 | 07:09

بات من الواضح جدًا أن حكومة الاحتلال اختارت التركيز على استهداف جنين، التي تمثل ملحمة مستمرة ونموذجًا للصمود والمقاومة قابلًا للتعميم، في محاولة جديدة لكسر إرادتها، من خلال عزلها ومحاصرتها، وخصوصًا مخيمها الأسطورة، كما يظهر من خلال فرض الإغلاق الشامل عليها، ومنع العمال من العمل داخل الخط الأخضر، ومنع شعبنا في الداخل من التسوق من جنين، الذي يشكل مصدرًا رئيسيًا للدخل، على اعتبار أن شهر رمضان يشكل موسم المواسم، إضافة إلى تنفيذ اقتحامات متلاحقة لمناطق مختلفة، خصوصًا المخيم.

قامت قوات الاحتلال خلال الأيام الأخيرة باعتقال المئات، وتهدد باعتقال الآلاف، واستباحت الدم الفلسطيني، كما يتضح من تصريحات رئيس الحكومة نفتالي بينيت، بدءًا بمطالبة كل حامل سلاح لاستخدامه، وانتهاء بعدم وضع أي قيود؛ ما يشرعن شريعة الغاب، ويشكل استمرارًا لعمليات القتل البارد بحق الفلسطينيين، التي كانت آخر ضحاياها الشهيدة غادة السباتين الأم لستة أطفال التي قتلت بدم بارد من دون أن تشكل تهديدًا.

يبين ما سبق أن قوات الاحتلال تقوم بعملية "سور واقٍ" جديدة، يمكن أن تقتصر على جنين هذه المرة، ويمكن أن تمتد تباعًا إذا لم تستطع سلطات الاحتلال كسر الموجة الجديدة من المقاومة المسلحة، المترافقة مع مقاومة شعبية مستمرة بوتائر وأشكال مختلفة تنتقل من منطقة إلى أخرى، وإذا لم تنجح "السور الواقي" الأصلية، فكيف ستنجح الفرعية؟ فالاحتلال يولّد المقاومة مثلما الضغط يولّد الانفجار.

لم يتأخر الرد الشعبي الفلسطيني نصرة لجنين، وجاء تحت شعار "جنين لست وحدك"؛ حيث نظمت المظاهرات، وشهدنا عشرات مواقع الاشتباك الشعبي مع قوات الاحتلال تضامنًا مع جنين في مختلف الأراضي الفلسطينية، وأطلقت المبادرات للتكافل مع جنين، من خلال انضمام الشبان إلى المواجهات في مناطق مختلفة، وذهاب الكثير منهم إلى جنين، وتنظيم حملات إفطار، والتسوق من المدينة.

متى تدخل غزة على خط النار؟

أطلقت فصائل المقاومة تهديدات بأنها لن تترك جنين وحدها، وأنها ستتدخل مثلما حصل في معركة سيف القدس خلال العام الماضي.

وحول هذا الأمر، دار حوار ساخن تركز حول الهتافات التي ترددت في مظاهرات الضفة تطالب غزة بالتدخل وإطلاق الصواريخ نجدة لجنين والقدس، وهناك من رفض هذه الهتافات على أساس أن دور غزة لا يجب أن يقتصر على إطلاق الصواريخ التي تؤدي إلى اندلاع حرب يكون ثمنها غاليًا.

أما من دافع عن ضرورة تدخل المقاومة فورًا، فقال إن أهمية سلاح المقاومة، وصواريخها تحديدًا، أنها دخلت العام الماضي من بوابة القدس والأقصى، ورسخت الترابط بين ما يجري هنا وهناك؛ حيث القضية والشعب والأرض في وحدة واحدة، وبعدها بات الاحتلال يأخذ المقاومة المسلحة في الحسبان عندما يقرر سياساته وإجراءاته حول مختلف القضايا، بما فيها عند تنفيذ مخططاته في الضفة وضد الأسرى.

يكمن الموقف المتوازن والسليم، كالعادة، ما بين الموقفين (الداعين إلى التدخل الفوري دائمًا، أو عدم التدخل على الإطلاق)، ويستند إلى أن المقاومة لا بد أن تكون تطبيقًا لإستراتيجية، وليست مجرد ردة فعل تلقائية أو موسمية، وهذا غير متوفر جراء الانقسام، وما أدى إليه من سلطتين متنازعتين وإستراتيجيتين متعارضتين وغياب المؤسسة الوطنية الجامعة والقيادة الواحدة.

وعند النظر إلى مقاومة غزة، يجب النظر إليها في السياق المشار إليه، فهي يجب ألا تستخدم فقط لتحسين شروط الاحتلال والحصار في قطاع غزة على أهمية ذلك، لأنها إذا انحصرت في هذه الزاوية فستتحول المقاومة إلى قطاع خاص بفصائل ومناطق بعينها، وليست إستراتيجية موحدة للتحرير وتحقيق الأهداف الوطنية.

الجمع بين أشكال المقاومة والشعبية هي الرئيسية

مع أخذ ما سبق في الحسبان، إلا أن تجاهل ضحايا القطاع والدمار الذي يلحق به في أي مواجهة عسكرية ليس أمرًا عاقلًا ولا وطنيًا بما فيه الكفاية، خصوصًا في ظل الاختلال الفادح في ميزان القوى، وأن هناك ميدانًا واسعًا وأهدافًا وأشكالًا متعددة للمقاومة في الضفة لا حصر لها، لا سيما مع أهمية عدم إضعاف المقاومة الشعبية التي تشارك فيها أعداد واسعة، بينما المقاومة المسلحة تنحصر المشاركة فيها على المسلحين.

من الضروري الجمع ما بين أشكال المقاومة، مع أن الشكل الرئيسي لا بد أن يكون شعبيًا، ويعتمد أشكال المقاومة والمقاطعة التي لا تقل أهمية عن المقاومة المسلحة وأثبتت جدواها، ومتوقع ومفترض أن يتم الرهان عليها أساسًا، من دون إهمال أشكال المقاومة الأخرى كونها أقل تكلفة للفلسطينيين وأكبر تكلفة للإسرائيليين، وتضغط على نقاط الضعف الإسرائيلية.

إضافة إلى ما تقدم وقبله، يجب وضع خطوط حمر لا يسمح للاحتلال بتجاوُزِها، وتجعل تدخل المقاومة المسلحة مطروحًا وواجبًا إذا تَجَاوَزَها الاحتلال، مثل ارتكاب مجازر، أو فرض التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى، أو ضم مناطق، أو تهجير سكان؛ إذ لا يجب أن تُستدعى صواريخ غزة عند كل حادث، ووراء كل تطور مهما كان حجمه.

دور السلطة الملتبس

هناك نقطة أخرى لا بد من التطرق إليها، وهي دور السلطة الملتبس والمثير للتساؤل والغضب، فمن جهة يدين رئيسها قتل المدنيين من الجانبين، وكأن لا فرق بين الضحية والجلاد، بين إرهاب الدولة المنظم وجرائم واعتداءات المستوطنين وبين المقاومة المشروعة للاحتلال، ويدعو إلى السلام والحفاظ على الاستقرار، ولا يكفي هذا الموقف، بل يطالب الاحتلال السلطة ورئيسها بتكرار الإدانة على لسان مختلف المسؤولين في السلطة وقادة حركة فتح وفي الإعلام الفلسطيني، وتوقف صرف رواتب الأسرى وعائلات الشهداء، لدرجة وصلت المطالبة بوقف صرف الراتب التقاعدي لوالد الشهيد رعد فتحي حازم.

وحملت محكمة العدل العليا السلطة المسؤولية عن القتلى الإسرائيليين في الموجة الأخيرة، وطالبت بالضغط عليها لتقوم بدور أكبر ولتفرض سيطرتها على جنين ونابلس، وكل الأرض المحتلة، مع العلم أن الذي يقوّض السلطة قبل أي شيء آخر سياسات الاحتلال وممارساته. فعندما يعاد إحياء "الإدارة المدنية" التابعة لوزارة الحرب، وقيامها أكثر وأكثر بما يجب أن تقوم به السلطة فهذا يقوّض السلطة وينتزع من صلاحياتها.

كما أن قيام قوات الاحتلال بالاقتحامات الدائمة للمدن، المفترض أنها خاضعة للسلطة، واعتقال من تشاء، واغتيال من تشاء، والسماح لأفرادها وقطعان المسلحين لفعل ما يريدون، من الاعتداء على السيارات والممتلكات والأشجار، إلى إطلاق الرصاص والقتل بدم بارد؛ فكل ما سبق يزيد الهوة ما بين السلطة وقيادتها وشعبها. وعندما تتعامل حكومة بينيت مع السلطة ورئيسها باعتبار ذلك ملفًا أمنيًا اقتصاديًا، وترفض عقد أي مفاوضات سياسية والالتزام بأفق سياسي، فهي تطلق رصاصة على ما تبقى من شرعية وطنية للسلطة.

آن الأوان لكسر هذا الحلقة الجهنمية التي تتعاون فيها السلطة مع الاحتلال من دون أي التزامات متبادلة، مقابل مجرد بقاء السلطة بأي ثمن وعلى حساب كل شيء.

لا تزال هناك فرصة لوقف هذا العبث، وأن تختار السلطة الوقوف إلى جانب شعبها، خصوصًا أن حركة فتح، لا سيما كتائب الأقصى، التي أعادت الاعتبار لتعبير الفدائي، وتحكم السلطة باسمها وتاريخها ووزنها؛ اختارت أن تكون إلى جانب شعبها كما كانت دائمًا، وهذا لا يعني الدعوة إلى الانتحار، وإنما توفير فرصة حقيقية للكفاح ضمن رؤية وقيادة وإستراتيجية موحدة ومتفق عليها، وتكون قادرة على تحقيق الأهداف. فالمقاومة ليست من أجل المقاومة ولا صنمًا نعبده وإنما وسيلة لتحقيق الأهداف والمصالح الوطنية.

ما يميّز موجة 2022 عن سابقتها

ما يميز الموجة الحالية من المقاومة أنها تستهدف أهدافًا داخل إسرائيل، وأنها تستخدم السلاح لا السكاكين والدهس مثل موجة العام 2015، وأن المنفذين من داخل أراضي 67 و48، وهم أكثر حذرًا؛ حيث لا يعبرون عن نواياهم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، ولا يستخدمون وسائل الاتصال سريعة الرقابة عليها مثل سابقيهم، كما تشير الأوساط الأمنية الإسرائيلية، ولا تزال أعمالهم فردية، ولكنها تحظى بحضانة شعبية، وحتى سياسية، فهم بنظر أوساط كبيرة من الفلسطينيين أبطال وقادة ونماذج يجب أن تحتذى، ويقدمون خشبة الخلاص، فالموجة الحالية أسقطت مخططات تهميش وتجاوز القضية الفلسطينية، ووجهت ضربة قوية للتطبيع ولمحاولات الاستعانة بإسرائيل بعد الفراغ الناجم عن تراجع الدور والوجود الأميركي في المنطقة، وستجعل أي يهودي من أوكرانيا أو روسيا أو أوروبا ينوي الهجرة إلى إسرائيل يفكر مرتين قبل الإقدام على الهجرة، فإسرائيل الدولة النووية وصاحبة التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الهائل تبدو عاجزة عن توفير الأمن داخل المدن الإسرائيلية.

الوقت من دم، والتاريخ لا يرحم كل من لم ولن يلتقط اللحظة التاريخية التي تشير إلى أن العالم وكل شيء يتغير، وأن عالمًا جديدًا سترسم خرائطه الجديدة، عاجلًا أو آجلًا، ولا بد من توفير كل المتطلبات لوضع فلسطين على هذه الخرائط، وهذا يتطلب رؤية شاملة، ومؤسسة وطنية جامعة فاعلة، وإستراتيجية سياسية ونضالية وقيادة واعية تتحلى بالإرادة، وإعطاء الأولوية لوحدة الشعب والقوى والمؤسسات في مجرى التصدي للتحديات والمهمات العاجلة من دون تهور ولا تهاون، ومن دون تضخيم أو تقليل.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط