كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جوزيف بلاتر والتجربة الفلسطينية

أبى السويسري جوزيف بلاتر المتربع على عرش الفيفا الدولية، وكرة القدم العالمية منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن يجدد لنفسه دورةً خامسة رئيساً للفيفا، ليفوز بالمنصب الذهبي الذي يحلم بالوصول إليه كثيرون، ويتطلع إليه قديرون، لتلامس سنوات ولاياته الخمس المتوالية الربع قرنٍ من الزمان، فبدا متمسكاً بالمنصب حريصاً عليه وساعياً إليه، رغم سنه التي لامست جدار الثمانين عاماً، وصحته التي لا تبدو في أحسن حالاتها، إلا أنه تحدى الشائعات الكبيرة، والاتهامات الخطيرة، وصمد في وجه الاعتقالات الأخيرة، ومذكرات التوقيف الدولية، وأصر على مواصلة سباق المنافسة الانتخابية حتى النهاية.

لم يصغ بلاتر إلى نصائح مريديه، وتوجيهات محبيه، وأماني القربين منه والعالمين بأحواله، والعارفين ببواطن الأمور وخبايا الأزمة التي سببها وجوده، وصنعتها سياساته، وراكمتها أخطاؤه، وتسبب بها المقربون والمستفيدون منه، والمستغلون لصلاحياته والمنتفعون من مكتسباته، الذين أساؤوا استخدام سلطاته واستغلال صلاحياته، التي كانت مطلقة بلا حدود، وعلى مدى العالم بلا منازع، وقد كان تحت تصرفه مليارات الدولارات التي صنعتها الكرة الذهبية، والنهائيات العالمية، والاستضافات الدولية، والمنح والمساعدات والهبات، وحقوق النقل وعوائد الدعاية والإعلان وغيرها، إلا أنه أساء التصرف، وأخطأ في السلوك، ووظف ما بين يديه لمصالح شخصية، ومنافع فردية، ومكتسباتٍ خاصة، أو مكن منها آخرين ليسوا أهلاً للأمانة.

وبغض النظر ما إذا كان الرجل في نفسه فاسداً، أو كان عالماً بفساد بطانته، وسوء حاشيته، فإنه يبقى هو المسؤول الأول عن الأخطاء، والمحاسب عليها، التي عمقها استمراره في موقعه لسنواتٍ عديدة، وتمسكه بمنصبه وإصراره عليه لدوراتٍ متوالية، في سلوكٍ غير مبررٍ، وإصرارٍ غير مقبول، وحرصٍ غريبٍ ممقوتٍ، بدا فيه محباً للسلطة، وغير قادرٍ على التخلي عنها، ولهذا فقد أخلص له الكثيرون القول، وأسدوا له النصح الرشيد، بأن يكتفي بسنواته التي مضت، وبولاياته السابقة، وأن ينسحب من منصبه بكرامةٍ وشرف، ليبقي لنفسه احتراماً ومحبة لدى جمهور كرة القدم والعالم، وليعطي الآخرين درساً في التنازل عن مقدرة، والتخلي رغم الرغبة، والقبول بتعاور السلطة وانتقال الخبرات والتجارب إلى الأجيال التالية.

لكن بلاتر الذي درس التجربة الفلسطينية، وخبر انتخاباتها، وعرف سيرة قادتها، أراد أن يكون مثلهم وأن يحذو حذوهم، فقلدهم لتكون له ولاية خامسة، يحقق من خلالها يوبيله الفضي في ظل الكرة الذهبية، فأصر على البقاء، وغَيَّرَ وبدل ليبقى، ورشا ليُنتخب، ومنح ليُختار، ووعد ليعطي، وقرَّب من لا يستحق ليكون معه جوقة وله صوتاً، وقد كان له ما أراد، فاستعاد عرشه وتهيأ للجلوس على كرسيه، ولكن الأرض به مادت، والأحداث حوله كالنار اشتعلت، فكادت تحرق أطرافه، وتهدم ما بنى، وتفسد ما عّمَّرَ، فقرر فجأة مكرهاً أو مجبراً أن يتخلى عن موقعه، ويتنازل عن منصبه، ويدع المجال لغيره، بعد أن أدرك أنه قد أخطأ، وأنه ما كان ينبغي له أن يجدد ولايته، ولا أن يزاحم غيره، وينافس من هو أكثر شباباً منه، وأقدر على العطاء منه.

يدرك جوزيف بلاتر أنه قد آن الأوان لأن تفتح ملفاته، ويبدأ حسابه، وأنه سيكون بعد أن تدخل استقالته حيز التنفيذ، ويحل غيره رئيساً للفيفا مكانه، محط السهام، وهدف الرماة، وسيبدأ الشكاة عندما تزول عنه الحصانة، ويرفع عنه الغطاء في رفع القضايا ضده، وتوجيه الاتهامات إليه، والمطالبة بمحاسبته ومعاقبته، وحينها سيتخلى عنه من كان معه، وسيبتعد عنه من قرَّبه وجاء به، ولن يبقَ اللفيف الذي كان يطوقه، ولا الحواريون الذين كانوا دوماً معه، يطوفون حوله، ويمدحونه ويشيدون به، وسيكون وحيداً في مواجهة ماضيه، خائفاً يترقب، وقلقاً يتوجس، إذ أنه كان في موقعٍ يستوجب المحاسبة، ويستحق المساءلة، ولعلها سنة الأولين وجبلة السابقين، أنهم يبدأون عهدهم بفضح من سبقهم، ومحاسبة سلفهم، ليظهروا أمام العامة أنهم أفضل وأحسن، وأنهم سيغيرون النهج، وسيبدلون السياسة، وأن عهدهم سيكون مخالفاً ومغايراً.

بعد أن كانت التجربة الفلسطينية نموذجاً ومثالاً رائداً يستحق التقليد لدى جوزيف بلاتر، ها هو يعلن خطأها، ويؤكد فشلها، ويتخلى عنها بل ويلعنها، بعد أن خانته التجربة، وغدرت به المقارنة، وجعلته محط اتهام وانتقاد، وأضعفته على ضعفه، وزادت في رهقه وتعبه، فهل يتعلم منه القادة الفلسطينيون، ويستفيدون من تجربته الأخيرة، فيتخلون عن المنصب الذي يتمسكون به، ويتنازلون عن الموقع الذي يقاتلون من أجله، خاصةً أنهم وبلاتر يتشابهون في خلق الأزمات، وصناعة المشاكل، والتسبب في النزاعات، وتعمد الإقصاء والإبعاد، والتقريب والتمكين، ما جعل وجودهم مشكلة، وبقاؤهم أزمة، ورحيلهم ضرورة، ومغادرتهم واجب، وليس في هذا تضحية ولا خلق، ولا شيمةٌ ولا فضل، ولا ما يُحمدون أو يُشكرون عليه، فهم صنيعة المنصب، الذي منَّ عليهم بالمكانة، وأعطاهم الرفعة، وميزهم عن غيرهم، وقدمهم على سواهم، فكانوا به علماً، وبفضله نجماً، فما قدمه إليهم المنصب والموقع، أكثر بكثيرٍ مما قدموا له، وأعطوا في سبيله.

طوبى لمن استفاد وتعلم، وأخذ العبرة من غيره ونجا بنفسه، فالكيِّسُ الفطن هو من يتعلم من حساب غيره، ولم يقع في أخطاء من سبقه، فمهما طال الزمن أو قصر، ومهما عمَّر الحاكم أو تأخر رحيله، فإنه عما قريب سيغادر، وسيودع منصبه شاء أم أبى، حياً بإرادته، أو مكرهاً ومجبراً، اقصاءً أو انتخاباً لغيره، واختياراً لسواه، أو غائباً بموتٍ وانتهاء أجل، ولن تبقَ معه جوقته، وستتخلى عنه عشيرته، وسيغدو وحيداً، لا يؤنسه غير عمله، ولا ينفعه غير حسن صنيعه وجميل ما قدم، ولن ينفعه ذكر الناس له إلا بخالص دعاء وصادق طلبٍ بالرحمة والمغفرة، لصالح ما قدموا، وصادق ما سبقوا بالخيرات، فهل يكون جوزيف بلاتر عبرةً لغيره، ودرساً لمثله، وموعظةٍ للعقول الرشيدة، والقلوب المستنيرة، وأصحاب المقامات الرفيعة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط