كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

جولة في عقل الفكر المتطرف

تعريف التطرف باختصار هو الهروب الى الأمام من واقع سيء.

حينما فكرت بالقيام بهذه الجولة في عقل الفكر المتطرف، تخيلت نفسي بأنني مكبل في زنزانة مغلقة، وشعرت بضيق في النفس وضغط كبير على القفص الصدري لضيق المكان والمساحة المتاحة للحركة في داخل هذا العقل المتآكل والمتهالك والمتناهي في الصغر، وراودتني نفسي أن أتراجع عن القيام بهذه الجولة، ولكن الواجب الإنساني أولاً والديني ثانياً دفعاني الى الثبات على القرار وخوض المغامرة.

تشير الدراسات النفسية التحليلية والمنهجية التاريخية لسيرة أصحاب هذا الفكر أنهم ثلاث فئات:

أن نسبة كبيرة منهم كانوا في مسيرة حياتهم من الفاشلين على المستوىات الإجتماعية والعلمية والثقافية والعملية، ولكي يهربوا من فشلهم عمدوا الى التطرف الفكري واستقطبوا من هم على شاكلتهم من البسطاء من العامة ليعوضوا النقص الإجتماعي والنبذ الأسري، وتطرفوا بالفكر الخشبي ليعوضوا النقص العلمي والشح الثقافي الذي يعانون منه، واستحدثوا لأنفسهم المناصب داخل هذا التيار المتطرف ليعوضوا النقص العملي. فولد الشعور بالفشل في نفوسهم الحقد تجاه كل نجاح. وسلكوا طريق العنف الدموي للإنتقام من كل ناجح.

وأن نسبة متوسطة منهم كانوا عبيداً للرغبات والشهوات الدنيوية التي تغيب العقل والضمير الإنساني وتنحيه عن قيادة التصرفات وحركة الجسد، وتجعل منه إمعة تقوده رغباته وشهواته فيستحل بها الحرام ويحرم بها الحلال. ويطلب من الناس أن يعيشوا في هوامش المحرمات الضيقة بينما يعيش هو في رحاب الحلال الواسعة وفي أرض البوار من المحرمات، لذلك تجده يلهث وراء شهواته وغرائزه بقلب يعمره الحسد والحقد والكره والعزل والإستقصاء للآخر. فيتكون حول قلبه غلاف أصم يخلو من المسامات والنوافذ والأبواب، يمنع الإتصال والتواصل مع الخارج، ويرفض التعايش مع الآخر الا مع نفسه ومن سايرها، ويعيش على مقدرات ومعطيات الداخل من الحقد والكره والحسد والشعور بالفشل والتجويف الثقافي والعقم الفكري، ونظراً لعزل هذا الفكر وتغليفه دون ملامسته للواقع واستنشاقه لهواء الحرية، يتعفن هذا الفكر ويصبح (كالبيض أو كالسمك) الفاسد. لا ينفث الا سماً وكرهاً وتدميراَ.

وأن نسبة ضئيلة منهم كانوا أضداداً مناهضين لهذا الفكر المتطرف فأصابهم الإرتداد العقلي نظراً للواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة، وجرفهم تيار التطرف السائد مكرهين، لكي يركبوا الموجة السائدة ويستمروا على طوفانهم على السطح، أولئك هم المذبذبون (إنهم لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء)، يسيرون مع الموجة العاتية التي تجتاح المجتمع، بغض النظرعن بوصلتها واتجاهاتها، وخير وصف لهم بأنهم هم المنافقون كما جاء وصفهم بالقرآن الكريم في سورة البقرة.

يتنافر المتطرف مع فطرته الخلقية التي خلقه الله عليها مصداقاً لقوله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" ويصبح المتطرف عدواً للتعارف والتعايش والإنفتاح، وينفصل عن الواقع ويعيش في دوامة الفعل والفعل المضاد، ويخلق لنفسه العداوات على حساب الصداقات، دون حساب لموازين القوى بينه وبين من يعتبرهم الأعداء وكأنه يسعى للإنتحار وإلى الهروب من الحياة التي قدسها الله لأنها رسالة، وهي واجب على الإنسان لإعمار الأرض لا لتخريبها والعبث فيها، ومن ينظر للحياة نظرة سوداء هو عدو للفطرة الخلقية وللخالق، ومن يهلك نفسه وغيره دون نتائج وأهداف سامية في إطار مشروع تعود بالنصر والخير على الصالح العام فهو في عداد المنتحرين.

الشخص المتطرف لا يمكن وصفه بالغباء، إنه شخص ذكي لكنه يستغل ذكاءه في الإتجاه السالب لقلة حيلته وعجزه عن المقاومة لظروف الحياة ولسرعة وصوله بشتى الطرق بغض النظر عن مشروعيتها. ليكون قوة شد واحتكاك عكسي للإتجاه العام الذي ينشده المجتمع الإنساني. ويعمل على تحويل الإتجاه العام وحرفه الى إتجاهه الخاص بأساليب مواربة وملتفة على الشرائع السماوية والقوانين المدنية ومعادلات القوة القائمة في المجتمع ولكن كيف:

يدرس المتطرف البيئة الفكرية والعقدية السائدة والمُستقطبة في المجتمع، لتلمس الثغرات التي سينفذ بها الى الفكر السائد لاستقطابه وتطويعه والسيطرة من خلاله على المجتمع. كما أنه يلجأُ الى الموروثات المسلم بها من العادات والتقاليد التي يجب التخلص منها لأنها تشكل قيوداً على التحرر والإنعتاق الفكري، ليزيد من قوة ضغطها وتسلطها على رقاب الناس ليجعل منها أدوات للتنفيذ والوصول الى السلطة والسيطرة.

وإن من أكثر أنواع التطرف الفكري شيوعاً في هذه الأيام في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هو التطرف العقدي الديني الذي ساد المجتمعات الآوروبية قديماً وّأذاقها الويلات والمصائب وكلفها ملايين الضحايا الى أن استفاقت آوربا بعد الصدمات العنيفة، ووعت على واقعها المؤلم بفعل الثورة الفكرية والثقافية التي قادها نخب من الفلاسفة والمفكرين لتوعية الناس للخروج من هذا الواقع المؤلم، وتلتها إنتفاضة شعبية على الواقع المرير، فوضعت الشعوب الآوروبية حداً لهذا التطرف والغلو العقدي والفكري المتصلب، فانعتق الفكر لينتج الثورة العلمية والصناعية.والذي أدى الى النهضة الشاملة ونبذ التطرف الفكري العقدي المتسلط على العقل البشري.

إن البيئة الفكرية السائدة اليوم في مجتمعاتنا العربية تشكل أرضاً خصبة لهذا التطرف العقدي، ونلحظ نشاطاً محموماً للمتطرفين العقائديين، ففي غياب الوعي عن الأمة والتجويف الثقافي والتوعوي ينشط الإستقطاب للفكر العقدي المتطرف، الذي يجد الروافع لدعمه وغلوه في مجتمعاتنا، من تفش للبطالة والفقر والجوع وفشل للشباب في إيجاد فرص للعمل، وانعدام للتنمية وضعف في مناهج التعليم وكل ذلك أدى الى خلل في التربية والى خصوبة للإستقطاب المتطرف.

إن من صفات الشخص المتطرف أنه أناني بطبعه، يفضل مصلحته الخاصة على المصلحة العامة، متسلط ودكتاتور متفرد، يعيش في سياج داخل أسوارعالية من القوانين الضاغطة للحريات على غيره من الناس، بينما يبدو في ظاهره ملتزماً بتلك القوانين المبتدعة من النصوص الشرعية في غير مواضعها ومناسباتها وفي باطنه يعيش في حل منها. يحب الحروب والنيران، يلجأ الى العلاج مبتدئاً بالكي بالنار، يجيز القتل والدمار دون أهداف محددة، لا يعترف بالمجاز والتحليل والقياس، يكره أن يرى الإبتسامة على وجوه الناس، بإختصار إنه عدو للحياة وغير مستوعب لرسالة الإنسان على هذه البسيطة.

لا يكاد التطرف أن يُرى بالعين المجردة في المجتمعات الناهضة الواعية، ولكنه حتماً ينمو ويتغلغل ويترعرع ويكبر حثيثاً كالمارد في المجتمعات المتخلفة، وهذا ما يشهد به الواقع اليوم.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط