كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حبّ وزجاج

حبّ وزجاج

تاريخ النشر: 2022-04-28 | 06:24

قصّة أسيرة سبق مولدها نورها ستّ سنوات!

أن يختلط الحبّ والفرح والألم والكره في عينين مرّة واحدة، أو أن ترى عيناك في عينين حبّا وفرحًا ما تفتأ أن تراهما ألمًا وأحيانًا كرهًا، اجتمع ما ترى أو تفرّق تراه وإكليله الصبر والتحدّي. أن ترى كلّ هذا الخليط ليس أنّك تعاني حالة لا تفسير لها وإن كنت أنت والمعاناة رفيقيّ عمر، وإنّما ترى ذلك لأنّ لا مكان في عينيك في الأقفاص الزجاجيّة للعيون الجذلى.

هذا ما كان يجول في خاطري وأنا أرشف كلمات "جلال" وهو يحاول أن يقرأ عليّ الألم المتحدّي وقد استولى على كلّ بارقة في كيانه وهو يصف ما كان حلّ به ذاك اليوم بعد أن ترك القفص الزجاجيّ (1) إلى قفص الزرْب الحديديّ (2)، وظلّ يرافقه وهو يسير في الكُمّ (3) وبعض رفاقه وخلفهم سجّان وأمامهم آخر، الكمّ الواصل بين الأقفاص والقواويش الزنزانيّة (4).

لم تكن تلك "الرحلة" هي الأولى له عبر الأقفاص والأكمام ذهابًا وإيابًا وما كانت لتكون الأخيرة، فالرحلات مثلها لا تعدّ. ولكنه أبدًا لم يرَ قبلًا ما رأى ذاك اليوم في عينيّ أمّه في القفص الزجاجيّ وقد كان من المفروض أن يرى عينيّا غيره ذاك اليوم. وهذا الذي كان جعله يغيب عن جوّ زملائه الفرِح فرحًا من النوع الذي يتذوّقون طعمه فقط في مثل ذاك اليوم ومرّة في الشهر في الأحوال الاعتياديّة في الأسر، ولأنّه كذلك يصير أداة قمع في الأحوال غير الاعتياديّة وهي الغالبة، وحسب مزاج صاحب البيت.

ذاك الغياب جعل النزلاء الزملاء يذهبون به شتّى المذاهب، خصوصًا وأنّ الأقفاص الزجاجيّة لا تأت دائمًا بالأفراح، ويا ما حمل زجاجها أحزانًا ودموعًا. وفّر الزملاء عليه، تفهّمًا، الأسئلة التقليديّة عن كيف الأهل وكيف... وكيف...، مكتفين بالقول التقليديّ؛ "مبروكة الزيارة"، متأكّدين أنّه سيفصح لاحقا عمّا جعله إثر الزيارة حاضرًا غائبًا عنهم، فأخبار عوائل النزلاء لم تكن مرّة من الخصوصيّات اللهم إلّا على ما ندر.

كانت "مريم" أمّ جلال امرأة في أوائل العقد الرّابع من عمرها ما زال الشباب يفور فورانًا من وجنتيها، وتدأب ألّا تغيب البسمة عن وجهها وهي تستمع إليه، وتحمل له باسمة كلّ ما تعتقد أنّه سيفرّج عنه همّ أيامه. لكن لا بريق عينيها المشارك ابتسامتها ولا كلامها استطاعا أن يخفيا ذلك الألم في بريق عينيها والذي أحسّ جلال وكأنه يراه للمرّة الأولى. حين كان الحبّ والفرح الممزوجين بالألم يُهاجَمان كرهًا لتتّسع المآقي منهما، لم يكن لا جلال ولا امّه بحاجة لاجتهاد لقراءةِ ما في الأعين، إذا كان هذا يحطّ فيها دوريّا بمرور السجّان خلفها أو الآخر خلفه من جانبي الزجاج يسترقان السّمع والنظر.

حين راح جلال في قيلولته الظهريّة ظلّت أفكاره في القفص الزّجاجيّ وهذا الاختلاط الذي رآه في عينيّ أمه رغم أنّها ليست المرّة الأولى التي يرى مثل ذاك الاختلاط. لكنّ ما أخرجه من عينيّ أمّه وعكّر عليه صفو القيلولة كانت العينان السوداوان الواسعتان من وراء الزجاج، واللتان تشابك سوادهما والبياض حولهما والأجفان والرموش الطويلة في لوحة رسّامها من دنيا غير دنيا، وقد كانت حملت اللوحة، وقد اخترقت الزجاج، جلال وإيّاهما بعيدًا إلى عليّ بن الجهم وعيون الْمَها، وعلى وعد.

كانت بدت ذاك اليوم العينان "غير شكل" وقد زاد عليهما بريقٌ أخّاذ جمالًا فوق جمال تحقيقًا للوعد، وهذا البريق هو الذي جعل اختلاط الحبّ والفرح والألم والكره سيّد عينيّ أمّه، وبالتالي عكّر فرحه وأقضّ مضجع قلبه وعقله.

كان سبق المونولوج أعلاه، ما صار يوم جاءني جلال، والذي كان أحد طلّابي في الصفّ الدراسيّ في السجن، يكلّفني مرافقة من يكلّف من النزلاء زملائنا لطلب يد ابنة "جهاد" زميلنا في القسم، لم أعرف كيف أتعامل حينها مع ما أسمع وقد تملّكني الذهول الباسم. ووجدتُّني والأسئلة والأجوبة اختلطت عليّ:

كيف هذا؟! فأين الخطيبة؟! وكيف عرفها ومِن ورائه سنوات في الأسر، وأمامه سنوات أخرى أكثر؟!

هل هي لوثة أصابت جلال دون سابق إنذار؟!

لا يبان عليه من ذلك شيء!

هل هي مقلب؟!

رغم زمالاتي وإيّاه في الأسر وكوني أستاذه، لم تبلغ العلاقة بيننا حدّ المقالب!

لم تأخذ منّي هذه الأسئلة إلّا لحظات وإن كان يمكن أن يخطر على البال كمّ من الأسئلة في موضوع هو الغرابة بذاتها. وفعلًا تمّت لاحقًا مراسم الخطبة ساعة "الفورة" (5) وكنت مع مجموعة من النزلاء الجاهة ومن تمّ تكليفه بطلب يد العروس "صابرين" من زميلنا جهاد أبيها والذي استقبلنا في نُزله مع من اختار من النزلاء أهلًا للعروس. جاءت موافقة جهاد دامعًا باسمًا دون تردّد وختم ردّه: "انشالله العرس قريب!"   

لم تخلُ المناسبة من "التّحْلاية" ممّا استطاع النزلاء، ذوو العريس وذوو العروس، إليه سبيلًا من "الكنتين" مقتطعين كرمى لجلال وصابرين من المخصّصات القليلة أصلًا. زُفّ جلال وأيّ زفّة وسط ذهول السجّانين دون أن يقووا على فعل شيء، أمام هذا السيل العرم من الغناء وجلال على الأكتاف جيئة وذهابًا في "الفورة"، اللهم إلّا أنّهم اكتظوا على شبابيك القسم الشائكة يتابعون الزفّة.

بالمناسبة الغناء في الأسر ممنوع ولكن كان لا بدّ منه كرمى لجلال وصابرين وجهاد، وأيّا كان ما يمكن أن يترتّب على ذلك من إجراءات، وفي حقّ أيّ كان. ولذا كان السؤال الجائل في جوّ القسم دون أن يُطرح، هل سيمرّ ذلك عليهم وكانّ أمرًا لم يكن؟!        

عند العدّ المسائيّ وقبل أن تقفل الأبواب، أُخِذ جلال ولم يعد إلّا بعد أسبوع قضاها في الزنزانة الانفراديّة.

ظلّت الأسئلة التي تراودني في غياب جلال وحضوره كثيرة، خصوصًا وكنت عرفت أن جلال وصابرين ليسا ابني قريّة واحدة ولا حارة ولا حيّ، ولكنّ أحد تلك الأسئلة ظلّ الطاغي: كيف؟! ولماذا؟!

خطر في خياليّ "الكاتبيّ" أنّ قفصًا زجاجيّا رغم اختناق الأجواء فيه، يمكن أن يكون أوسع من قرية وأرحب من حارة وأكبر من حيّ، ولكن لم يشفِ هذا غليلي ولم يشفِ جلال غليلي رغم أنّ كل ما كتبت في المقدّمة كان إقرارًا منه في ساعة صفا وإن كنت ربّما أعملتُ به بعض خيال كاتب، ولكنّ غليلي ظلّ عطِشًا إذ جاءت إجابته عن أهمّ ما في الحكاية، الألم والفرح والحبّ والكره في عيني أمّه، مقتضبة، ولكن وجدّتني حين رحت أفكّر فيها وجدتُّني أرتوي حتّى الثمالة بما تحمل الإجابة في طيّاتها، إذ كان أجاب: "هؤلاء هنّ بنات ونساء شعبنا!"

______________

(1) غرفة التقاء الأسرى في زيارة ذويهم من وراء زجاج.

(2) نقطة تجميع الأسرى قبل الزيارة في قفص (زريبة).

(3) الطريق من القسم إلى الزريبة وثمّ القفص، وسُمّي كذلك كتشبيه بالكم وهو المحاط بالأسلاك من كلّ الجهات.

(4) مهجع الأسرى الأوسع قليلًا من الزنازين. (رجل قوش\ قاووش \فارسيّة: ضئيل الجسم)، ربّما لضآلة المهجع.

(5) الفورة من الناس: مجتمعهم. في الأسر هي الساحة ما بين القواويش وفيها يجتمع الأسرى قليلًا من نهاراتهم. وصار معناها وكأنها الفرصة.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط