كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

(حتى لا ننسى..) راشيل كوري* : جسد على درب الموت..ونبض في وجدان الإنسانية

(حتى لا ننسى..)   راشيل كوري* : جسد على درب الموت..ونبض في وجدان الإنسانية

تاريخ النشر: 2026-06-17 | 15:55

في ربيع عام 2003،حيث كانت رياح الانتفاضة الثانية تعصف بقطاع غزة،وتكسر ظهر الحياة اليومية تحت وطأة الاحتلال والقصف والهدم، وقفت فتاة شقراء بعمر الثالثة والعشرين،تحمل في عينيها بريق السماء،وفي قلبها إيمانا لا يلين بأن التضامن الحقيقي لا يختصر في تغريدة عابرة،ولا يحصر خلف شاشات الأجهزة الباردة. كانت راشيل كوري،تلك الأمريكية التي تركت ديارها ورفاهية بلدها لتكون درعا بشريا أمام جرافة إسرائيلية تهدد منزلا فلسطينيا في مدينة رفح.

لم تكن راشيل مجرد ناشطة عابرة،بل كانت تجسيدا حيا لمفهوم الوجود الإنساني في مواجهة آلة الموت،وكانت روحها الثائرة تصر على أن يكون الجسد الإنساني هو الحائط الأخير أمام العنف،لا لأنها تبحث عن الموت،بل لأنها تؤمن بأن الحياة التي لا تدافع عن غيرها لا تستحق أن تعاش. 

وفي تلك اللحظة الصاعقة،حين انطبقت جنازير الجرافة على جسدها الهش،لم يسقط فقط جسد فتاة أمريكية،بل انكسر في الأرض شيء من براءة الإنسانية،وارتفعت صرخة مدوية في ضمير العالم، ظلت أصداؤها تتردد حتى اليوم.

لم تكن راشيل تدرك،وهي تقف أمام تلك الجرافة، أنها ستتحول إلى رمز عالمي يتجاوز حدود الزمان والمكان،وإلى ضمير حي يخز وعي البشر في كل مكان. 

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات منحها لقب "الشهيدة"،ليس مبالغة سياسية،بل اعترافا بأنها ارتقت في سبيل قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية،وأنها نالت ما يناله الشهداء من خلود في وجدان شعب بكامله.

 جنازتها التي نظمت على غرار جنازات الشهداء الفلسطينيين لم تكن مجرد وداع لجثمان،بل كانت تتويجا لروح آمنت بأن الحدود التي تفرق البشر ليست سوى أوهام،وأن الدماء التي تراق في سبيل العدالة هي دماء الإنسانية جمعاء.

وفي مسقط رأسها،أولمبيا،حيث نشأت بين أحضان الطبيعة الأمريكية،لم ينس أهلها ابنتهم، فأعلنت جمعية تعاونية لبيع الأغذية مقاطعة لكل البضائع الإسرائيلية،وكأنهم يردون الجميل لروحها التي علمتهم أن المقاطعة ليست سلاحا اقتصاديا فقط،بل هي رسالة وفاء لضمير لم يمت.وحين منح الرئيس عرفات والديها قلادة "بيت لحم 2000"، ذلك الوسام الفلسطيني الرفيع الذي لا يمنح إلا لرؤساء الدول وكبار الشخصيات،كان الاعتراف بأن راشيل لم تكن مجرد ناشطة،بل كانت سفيرة للضمير الإنساني في أرض تعج بالتناقضات والأوجاع.

امتد إرث راشيل إلى أبعد من ذلك،حين أطلق اسمها على سفينة مساعدات أيرلندية متجهة إلى غزة،وكأن البحر نفسه أراد أن يحمل اسمها إلى شواطئ الحرية،لكن إسرائيل صادرت السفينة، وكأنها تريد أن تقول إن حتى اسمها ليس له حق العبور.ومع ذلك،ظل اسمها يسبح في ذاكرة العالم، وتجسد في فيلم وثائقي للمخرجة الفرنسية-الإسرائيلية سيمون بيتون،الذي لم يكتف بسرد قصة حياتها وموتها،بل صور معاناة الفلسطينيين في غزة من خلال عيونها،وكأنها ما زالت تنظر إلينا من خلف العدسة،تذكرنا بأن القضية لم تمت،وأن الألم ما زال ينزف.

راشيل كوري لم تكن مجرد فتاة دهستها جرافة في رفح،بل كانت مرآة صافية عكست وجوهنا جميعا،وسألتنا سؤالا أبديا: كم من الحياة تحتاج أن تزهق حتى نتحرك؟! وكم من الجدران يجب أن تنهار حتى ندرك أن الإنسانية لا تبنى على أنقاض الآخرين؟!

في لحظة سقوطها،لم يمت في راشيل إلا جسدها، أما روحها فقد تحولت إلى شعلة لا تطفأ،تضيء دروب كل من يؤمن بأن التضامن الحقيقي يبدأ حين نخاطر بأنفسنا،وحين ندرك أن الحياد في وجه الظلم هو ظلم مضاعف.

 لقد علمتنا أن الحياة ليست في أن نعيش طويلا، بل في أن نعيش بعمق،وأن الموت في سبيل قضية عادلة هو أسمى مراتب البقاء.

فلتكن ذكراها نبراسا لكل من يبحث عن معنى للحياة في زمن ضاع فيه المعنى،ولتكن وصيتها الصامتة أننا،مهما اختلفت جنسياتنا وألواننا،نحن جميعا راشيل،ونحن جميعا في مواجهة جرافات العالم التي تحاول هدم بيوتنا وإنسانيتنا.ففي النهاية،لا يموت من يضحي،بل يخلد في ضمير الأجيال،ويصبح نبضا دائما في شرايين العدالة والحياة.

لم تكن راشيل كوري مجرد ضحية عابرة في زحام الصراعات،بل كانت معجزة إنسانية اختزلت في عمرها القصير ما لا تختزله أعمار طوال.في تلك اللحظةالتي التهمت فيها جنازير الجرافة جسدها الشفيف،لم تُمحَ راشيل من الوجود،بل انقلبت معادلة الفناء ذاتها،فصارت الجرافة هي المندثرة، وصارت الحفنة من تراب غزة التي اختلطت بدمائها هي الخالدة.لقد كشفت لنا أن الجغرافيا ليست قدرا،بل اختيارا،وأن الروح عندما تؤمن بقضية،تصبح أخف من الظل وأقوى من الفولاذ.

راشيل التي جاءت من بلد الإمبريالية لتقف مع المقهورين،دحضت كل نظريات الصراع الحتمي، وعلّمت العالم أن الضمير لا يحمل جنسية،وأن العدالة ليست حكرا على أحد،وأن الحياد في مواجهة الجرافة هو تواطؤ صامت يليق بحجارة الطريق لا بإنسانية البشر.

 هي اليوم ليست رمزا أمريكيا ولا فلسطينيا،بل هي جرح مضيء في وجدان الأرض،ونافذة تطل منها الأجيال القادمة على مشهد يتكرر: جبارٌ وآلة، وفرد يواجه مصيره بإرادته.

إن إرث راشيل الحقيقي لا يكمن في الأوسمة التي منحت لها،ولا في السفن التي حملت اسمها،بل في ذلك السؤال الوجودي العنيف الذي تركته يرتجف في قلوبنا:كم منا يجرؤ على تحويل قناعاته إلى خطوات،وكم منا يمتلك الشجاعة لأن يكون درعا للآخرين ولو لثوان قبل أن تنهار الدنيا عليه؟!

 لقد كانت شعلة اقتطعت من عمرها الزمني لتمنحه للخلود،تهمس في آذاننا أن الحياة ليست في طول الأيام،بل في عمق الأثر،وأن الموت ليس نهاية حين يكون طريقا لولادة الضمير الجمعي.

في النهاية،تبقى راشيل كوري تلك الضفيرة الذهبية التي انغرست في وحل رفح،لتصبح بذرة لا تموت،وجسرا بين الموت والحياة،وبين الشرق والغرب،وبين الإنسان وقضيته الأولى: أن يبقى إنسانا. 

وهكذا،ورغم كل الجرافات،ستبقى هي التي انتصرت،لأنها حولت جسدها الضعيف إلى فكرة، والأفكار لا تسحقها المعدات،بل تسحقها فقط الأفكار الأغلى والأسمى التي تسبقها إلى المجد.

*راشيل كوري ( 10 أفريل 1979-16 مارس 2003):

مناضلة أميركية دافعت عن حقوق الفلسطينيين، لقيت حتفها تحت جرافة عسكرية إسرائيلية أثناء محاولتها منع قوات الاحتلال الإسرائيلي من هدم منازل الفلسطينيين، وذلك خلال زيارتها قطاع غزة، ضمن حركة التضامن العالمية.

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط