كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حتى لو لم يقلها الغنّوشي

حتى لو لم يقلها الغنّوشي

تاريخ النشر: 2017-04-16 | 09:08

العام الماضي، نشرت بعض الصحف رسالة قالت إن راشد الغنوشي، زعيم (حركة النهضة) الإسلامية بتونس، خاطب بها اجتماعاً عالمياً كان منعقداً في إسطنبول لجماعة (الإخوان المسلمين)، حيث وجه لهم نقداً عنيفاً، ووصف طريقهم ب«الخاطئ»، وبأنه «جلب الويلات للمنطقة» (الحياة الجديدة؛ 15 مايو/أيار 2016م).
في الرسالة أعلى الغنوشي من قيمة (الوطن)، و(الوطنية)، في مفارقة واضحة لمفهوم «الأممية» برؤية حركات (الإسلام السياسي) المشرقية المعاصرة، قائلاً: «أنا مسلم تونسي، تونس (وطني)، وأنا مؤمن بأن (الوطنية) مهمة وأساسية ومفصلية، فلن أسمح لأي كان بأن يجردني من تونسيتي، ولن أقبل أي عدوان على تونس حتى لو كان من أصحاب الرسالة الواحدة.. تونسيتي هي الأعلى والأهم؛ لا أريد لتونس أن تكون ليبيا المجاورة، ولا العراق البعيد، بل أريد لها أن تحمي أبناءها بكل أطيافهم وألوانهم السياسية.. لقد تعاميتم عن الواقع.. وأسقطتم من حساباتكم الشعوب وقدراتها، وتحالفتم مع منظمات إرهابية تدمر (أوطانكم).. أنا جندي للدفاع عن تونس، ولن أسمح للإرهاب بأن يستهدف (وطني).. (الوطن) هو الأهم.. يجب أن نقر ب(الوطنية).. أنظروا كيف أصبحتم.. في عزلة شعبية بعد أن كنتم تراهنون على الحاضنات الشعبية؛ لا يمكن أن تبنوا حاضنة شعبية واحدة من دون هوية (وطنية).. اتقوا الله في (أوطانكم) وشعوبكم. نحن تسلمنا الحكم وخسرنا الانتخابات، فالذي أفقدنا هذه الانتخابات هو الشعب التونسي.. لا الروس، ولا الأمريكان، ولا غيرهم، بل أخطاؤنا واجتهاداتنا.. أخطأنا والشعب حاسبنا، وعلينا أن نستفيد من هذا الحساب.. أتركوا كل (بلد) و(وطن) لأبنائه مهما كانت النتيجة».
وما كادت الرسالة تنشر، حتى كذبها الغنوشي نفسه، كعادة أغلب فعالياتنا مع كل ما ينسب إليها وتخشى تحمل تبعاته، لا سيما وأن أياماً معدودات كانت قد تبقت على مؤتمر (النهضة) العاشر في 20 مايو/أيار، الذي اعتبر، وقتها، الحدث الأبرز في تجربة الانتقال الديمقراطي، مما لم تكن قيادة الحركة مستعدة لتتحمل، خلاله، نتائج أي قفزة في الظلام، رغم أن العديد من قادة (النهضة)، ومنهم الغنوشي نفسه، كانوا أكدوا، في أكثر من مناسبة، فك ارتباطهم مع (الأخوان) فكرياً وتنظيمياً (العربية نت؛ 16 مايو 2016م).
ولأن (الأممية) أصل، أيضاً، في (الشيوعية)، فلربما أوحى ذلك، خطأ، برابطة ما بين التيارين الفكريين؛ غير أنهما، في الواقع، مختلفان. ف(الشيوعية) فكر بشري يفسر العالم كميدان صراع طبقي يتوحد فيه عمال جميع البلدان لتحقيق العدالة والمساواة. ومع أن (الوطنية) قد تبدو، هنا، للوهلة الأولى، متقاطعة تماماً مع (الأممية)، فإن كلتيهما تمثل ضرورة جدلية للأخرى، وذلك من حيث إفضاء (حركات التحرر) إلى (أوطان قومية) مستقلة تنهض فيها طبقات عمالية تتكاتف (أممياً) ضد الإمبريالية العالمية. أما (الإسلام السياسي) المعاصر فينسب نفسه إلى السماء؛ ويطرح (الأممية) من زاوية عدم الاعتراف، أصلاً، ب(الوطن القومي)، واعتبار (الإسلام) بمثابة (الوطن) لكل (المسلمين). لذا فإن أوجب واجبات الحركة هو التمكين لهذا المفهوم، بصرف النظر عن المفاهيم الإنسانية الأخرى، أو الوضعيات الجيوبوليتيكية المغايرة.
غير أن ذلك يتقاطع، بأكثر من سند، مع (حب الوطن) في (الإسلام)، فطرةً، ونصوصاً. فقد ساوى الله عز وجل بين (الوطن/الديار) وبين (الدين) نفسه: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم» [8: الممتحنة]؛ كما جعل النفي والتغريب من (الوطن) عقوبة للعصاة. والرسول، صلى الله عليه وسلم، ما انفك يناجي مكة من يثرب: «ما أطيبك من بلد، وما أحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك»؛ رواه الترمذي. وفي قول الحافظ الذهبي «كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يحب.. وطنه»؛ وجاء في (الصحيحين) أنه كان يدعو قائلاً: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد»؛ رواه البخاري ومسلم. وقال الغزالي: «والبشر يألفون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتقص».
التناقض، إذاً، بين (تأكيد) رسالة الغنوشي، وبين (نفيها)، يعزى، ولا بد، لا إلى تلجلج في صدره إزاء الموقف (الإسلامي) الصحيح من (الوطن) و(الوطنية)، بل إلى خشيته من نشوب صراع (سياسي) داخل المؤتمر، بين تيار موالاة (الإخوانية المشرقية)، و(أمميتها الإسلامية)، وبين تيار (الوطنية التونسية) المستند إلى خصوصية الشعور (الوطني) في هذا البلد. فبالنظر إلى هذه الخصوصية، تحسّب قادة (النهضة)، سياسياً، لخطورة أن تفضي إثارة هذه المسألة، داخل المؤتمر، إلى مواجهة، من دون تهيؤ فكري كاف، بين (الأممية الإسلاموية)، وبين (روحية) لا تناقض فيها بين الانتماء ل(الإسلام) ول(الوطن) في آن، مما يتوقع أن يفضي لتسعير صدام (سياسي) بين (النهضة) وبين (المسلمين) التوانسة، ما شكل الأساس الموضوعي لرسالة الغنوشي، سواء أكدها أو نفاها.

عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط