كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حراك 26 يونيو في غزة: لماذا لم تتحول الكارثة والألام إلى حراك قادر على تغيير الواقع؟!

​ربما ذهب الكثيرون بالأمس لتدبيج مرثيات سياسية حول حراك 26 يونيو السلمي المطلبي في قطاع غزة، وانطلق مُنظروا الصالونات السياسية في البحث عن مبررات سطحية، "لفشله" حسب ادعائهم، تلامس القشرة ولا تنفذ إلى الجوهر. غير أن القراءة الحقيقية للمشهد لا تبدأ من قياس حجم الغضب الكامن في صدور مئات الآلاف من المشردين في خيام ام النكبات التي بدأت مع المؤامرة الكبرى يوم 7 اكتوبر 2023، بل تبدأ من تفكيك شروط الفعل السياسي، وكشف العوار البنيوي الذي جعل حركة حماس وقوات الاحتلال الإسرائيلي يلتقيان موضوعياً عند نقطة واحدة وهي إجهاض أي صوت فلسطيني يبحث عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه خارج مظلة الموت المتبادل.
​إن حجم الكارثة الإنسانية، بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من حرب الإبادة، والتدمير، والنزوح، والجوع، يمثل بيئة نموذجية لانفجار شعبي لشعب يعيش ظروف طبيعية، ولكن وفي الحالة الغزية، يمكن القول إن معظم أسباب الحراك الشعبي موجودة بالفعل من حرب ودمار ونزوح وفقر وجوع وانهيار تام للخدمات، لكن وجود الأسباب لا يعني أن البيئة أصبحت مهيأة لنجاح الحراك، فما زالت هناك عوائق بنيوية تجعل أي تحرك سلمي يواجه تحديات هائلة تمنع تحول الغضب إلى أداة تغيير وعمل سياسي ناجح.
​تتجلى أولى هذه العوائق في غياب البيئة السياسية الحاضنة، إذ خلقت الحرب واقعاً سياسياً واجتماعياً شديد الاستقطاب، تملؤه الاتهامات والشائعات والخوف والانقسامات، وفي مثل هذه البيئة المسمومة يصبح من الصعب جداً أن يكتسب أي حراك عريضة شرعية وطنية جامعة، لأن كل طرف ينظر إليه من خلال عدسة الصراع السياسي الفصائلي الضيق. ويأتي العائق الثاني متمثلاً في غياب القيادة والمشروع السياسي الواضح، فالحراك مهما اتسعت قاعدته الشعبية يحتاج إلى قيادة قادرة على التنظيم على الأرض، وإلى رؤية سياسية تحدد الأهداف وتجيب عن السؤال الأصعب وهو ماذا بعد، فالثورات لا تنتصر بالغضب وحده وإنما بوجود من يحول الغضب إلى مشروع سياسي ناضج  وهذا غاب عن الحراك بغياب التنظيم الأكبر بشقيه، حركة فتح الرسمية وحركة فتح التيار الإصلاحي، بل ان من فتح الرسمية وفتح الإصلاحية من هاجم الحراك لصالح حركة حماس بحجة أنه سيؤدي للفوضى في تساوق تام مع رواية حماس.
​أما العائق الثالث فهو البيئة الاجتماعية والأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب والانقسام الممتد، والتي أضعفت ثقافة الاحتجاج السلمي ورسخت أنماطاً من العنف والاستقطاب، ومع انتشار السلاح والتوترات العائلية والقبلية والخوف من الانفلات الأمني يصبح الحفاظ على الطابع السلمي لأي حراك تحدياً كبيراً في الميدان. وينتصب العائق الرابع في شكل الحرب الإعلامية والسياسية الممنهجة على الحراك، حيث يواجه أي تحرك اتهامات جاهزة بالعمالة والخيانة وتنفيذ أجندات خارجية والسعي لضرب ما يسمى المقاومة، وتشارك في ذلك أدوات متعددة من خطاب إعلامي رسمي وحزبي باستخدام المساجد ومنصات تلتواصل واجتماعات مخاتير وضغوط اجتماعية، ومع اختلاط المطالب المعيشية بالخلافات السياسية تضيع الرسالة الأساسية للحراك ويصبح الدفاع عن لقمة العيش أو المطالبة بحياة كريمة موضوعاً ثانوياً أمام معركة التخوين المتبادل.
​لقد وقعت حركة حماس بناء على ذلك في فخ سياسي وأخلاقي غير مسبوق، فمنذ أسابيع جندت الحركة كامل ماكينتها الإعلامية والخطاب الديني والمنصات الرقمية لشيطنة الحراك وتخوينه، مستعينة بأئمة المساجد وبالمخاتير الموالين لها بعد ان هندست العائلات وبعض واجهات السوشيال ميديا لتسويق نظرية المؤامرة الكونية. هذا الاستنفار الأمني والترهيبي المرعب لم يكن دليل قوة، بل كشف عن عورة سياسية واضحة وهي أن الحركة تعيش في كوكب موازٍ منفصل عن واقع أهل غزة، وتتحسب لكل صيحة تحرك معيشي مطلبي بسيط يحمل شعارات اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار وكأنه تهديد وجودي لها. وكان يمكن لحماس، لو امتلكت عقلية الدولة لا عقلية التنظيم، أن تستفيد من هذا الحراك الشعبي السلمي لتقوية موقفها التفاوضي وإثبات أن الحاضنة الشعبية لها مطالبها الحياتية العادلة، لكنها فضلت قمع واستعراض مواهب الإرهاب الفكري والبدني، لتثبت للعالم من حيث لا تدري وبغباء سياسي أنها تقدم مصلحة بقائها في الحكم، ولو فوق ركام قطاع غزة، على حساب أمن وحماية هذا الشعب المنكوب.
​لقد كشف يوم السادس والعشرين من يونيو زيف الدعاية الحمساوية، فالحراك ظهر بوضوح أنه غير مدعوم من احد، وعارٍ من التنظيم المعقد، وتديره من الخارج شخصيات تفتقد للتواصل الميداني اللوجستي الذي يوفر مواصلات أو يافطات، فلم تكن هناك خطة خارجية، ولم تكن طائرات الاحتلال تحلق لحمايته كما روجت أوهام التخوين، لقد كان الحراك مجرد تعبير عن صوت المقهورين الحالمين الذين سحقتهم الألف يوم من الجحيم. وإن غياب البديل المقنع بالتوازي مع القمع الممنهج جعل المواطن الغزي الذي نزح عشرات المرات يفكر ملياً قبل النزول إلى الشارع في معركة خاسرة، مفضلاً التعايش مع واقع سيئ ومألوف على مستقبل مجهول قد يحمل فوضى وانفلاتاً أمنياً أكبر.
​والسؤال اليوم تجاوز مربع الخلاف الفصائلي، فالقضية هي قضية وجود ومستقبل وطن. عندما يخرج بنيامين نتنياهو في سياق المصادقة على مشروع إنشاء مطار قريب من حدود القطاع ليقول بوقاحة إن غزة لن تبقى موجودة، وعندما تجتمع المؤسسات الأمنية الإسرائيلية لبحث الهجرة الطوعية، فإننا أمام مخطط إسرائيلي واضح يهدف لتلاشي غزة جغرافياً وديموغرافياً.
​إن إسرائيل تستفيد وتتغذى من بقاء حماس بصورتها الحالية وسلاحها في مقدمة المشهد، لتستخدمه كذريعة مطلقة لاستمرار الحرب والحصار والتهجير القسري. لذلك ومنذ أكثر من عام ونصف بُحت الأصوات بالقول إن المصلحة الوطنية العليا تقتضي أن تغيب حماس عن المشهد بصيغتها الحالية. الغياب هنا ليس إنكاراً لتاريخ أو إلغاءً لفكرة المقاومة بل هو ضرورة سياسية لسحب الذرائع، وعلى حماس أن تتحول إلى حزب سياسي جديد يترك سلطة وإدارة وواجهة الحكم ويسلم غزة للجنة وطنية فلسطينية تبدأ في إعمار ما دمرته الحرب، فالتمسك بالواجهة في اللحظة التاريخية الخطأ ليس بطولة بل هو مساهمة غير مباشرة في ضياع الوطن.
​والتاريخ يعلمنا أن غياب الحراك الداخلي المستند إلى رؤية وقيادة وبديل سياسي مقنع يفتح الباب للتغيير القادم من الخارج عبر توازنات إقليمية ودولية تفرض ترتيبات أمنية جديدة، هذا التغيير الخارجي قد ينهي الواقع القائم لكنه سيواجه دائماً باختبار القبول الداخلي ومدى قدرته على توفير الأمن وإعادة الإعمار والكرامة الإنسانية. وإن الكارثة الأكبر التي تصنعها الحرب الطويلة والتجويع هي صناعة اليأس، حيث يتحول التهجير بفعل الذل والحرمان من مشروع تفرضه قوة الاحتلال إلى خيار يرتضيه مئات الآلاف من أهالي غزة للهروب من حياة لم تعد تطاق.
​لم يفشل حراك 26 يونيو إعلامياً وسياسياً، فقد أدى رسالته وأوصل صوت شعبنا اليتيم المنكوب، وحدد ملامح الاصطفافات، ونزع الأقنعة أدوات حماس الذين شاركوا في شيطنة عذاب الناس. الظلم قد يولد الغضب لكنه لا يبني ثورة دون قيادة ومشروع وطني جامع، واليوم المعركة الحقيقية والوحيدة التي يجب أن نخوضها بشجاعة سياسية هي معركة بقاء الإنسان الفلسطيني فوق أرضه، فبقاء الشعب أقدس بكثير من بقاء أي تنظيم أو شعار.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط