كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حربهم لا تتوقف... وحربنا قد تبدأ

حربهم لا تتوقف... وحربنا قد تبدأ

تاريخ النشر: 2023-02-19 | 16:32

فؤاد مطر
فؤاد مطر

عندما حدثت الحرب العراقية - الإيرانية كان بادئاها ظاهرتيْن غير مألوفتيْن في عالم الحُكْم في العالم الثالث، وخاصة الجناح الخليجي من هذا العالم. ونقول بادئاها على أساس أن كلاً من الرمزيْن كان يريد لهذه الحرب أن تحدُث، وتواقاً إلى أن يطلق رصاصة البدء؛ كي لا يصل الآخر إلى تحقيق مرامه ويكون ذلك بغتة فلا تعود الفرصة مناسبة له على نحو ما يأمل. كما أن كلا البادئيْن كان قد أعد العدة لها بالتدرج، بحيث ما إن يحدد ساعة الانقضاض يواصل سريعاً تنفيذ برنامجه.

الحرب تمت على قاعدة الشراهة في السُلطة وتحقيق أحلام سلطانية، لا يكون الواحد منهما سلطان وطنه وشعبه فقط، وإنما يكون سلطانا كما في الأيام الخالية، أو سيد إمبراطورية مترامية الأطراف إن جاز التحديد. كما أن البادئيْن افترض كل منهما أن الأمر لن يستغرق أكثر من بضعة أيام ويتحقق المبتغى.

يحقق الرئيس صدَّام الحلم رافعاً ورقة ردع المشروع الإيراني، وبذلك يستقر مقامه رئيساً إلى آخر العمر لا منازع له، فضلاً عن علو مقامه عربياً وإسلامياً ودولياً. وأما الإمام الخميني، فإنَّه بالضربة المباغتة للعراق يحقق الإنجاز الأساسي في مشروعه، وهو أن تصبح المراقد في كل من النجف وكربلاء رهن إرادته، وذلك لأنه من دونها يكون فاقد الورقة الروحية، وبفقدانها لا تعود طريقه سالكة نحو الورقة الأكثر أهمية في مشروعه، وهي أن يكون المسجد الأقصى في عهدة مشروعه. ومن هنا كان استحواذه على طيف رموز العمل الثوري الفلسطيني الذين ورّثهم لخليفته المرشد الأعلى علي خامنئي، يمارس من خلالهم دور المزايدة على العرب في موضوع الحق الفلسطيني.

ما ظنه بادئا الحرب العراقية - الإيرانية أتى عكْس الحسابات. فالذي يشعل الحرب لا قدرة له على محاصرة نارها على النحو الذي يتطلع إليه. ومن هنا فإن هذه الحرب التي ظنّاها بضعة أيام، ويلزم كل من الطرفيْن حدوده مرتضياً بما لا يؤذي البلاد والعباد، دامت ثماني سنوات، ومن دون أن يتهادن البادئان عند حلول مناسبات روحانية رمضانية أو عاشورائية. وعلى الرغم من الخسائر الفادحة في كل المجالات، فإن الجانبيْن لم يأخذا العبرة واستمر طيف الاحتراب واعتماد القوة أسلوب تعامُل. البادئ العراقي وظف المكسب النوعي من المواجهة أبغض توظيف، وكانت النتيجة أن ما لحق به وبمحطات درامية في معظمها، كان هو ما يتمنى البادئ الإيراني إلحاقه به، تعويضاً عما أصابه - وهو ما أوجزه الإمام الخميني بعبارة خلاصتها أن قبوله بوقف إطلاق النار كمَن يتجرع السم - ولتعويض الهزيمة، والرهان الذي أفشله له صدَّام، بدأ خامنئي من خلال حرسه الثوري يؤسس لحروب صغيرة، وفي حسابه أن مردودها هو إبقاء المشروع الذي بدأه الخميني قيد الحياة.

وفي هذا السياق... اصطياد النظام السوري البشَّاري، واستيلاد «النظام الحوثي اليمني» وتنشئة كيان في لبنان من خلال «حزب الله» يتطور إلى حالة يصبح فيها الوطن الصغير وطنيْن، أحدهما مثل قبرص التركية، لا اعتراف به سوى من إيران على نحو اعتراف تركيا دون غيرها بتلك القبرص التي فصلوها عن الأم.

مناسبة هذا الاستحضار للتجربة العراقية - الإيرانية المريرة وكيف أن الحرب التي حدثت خرجت من أيدي البادئيْن صدَّام والخميني، حيث افترض كل منهما القدرة على حسمها في بضعة أيام، أن الحرب التي بدأها الرئيس فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا وفي حسابه أنها لن تستغرق أكثر من شهر وسيسارع الغرب من أجْل وقفها إلى تطييب خاطره، ها هي ذي، على أهبة اكتمال سنة وتؤسس لسنة جديدة... وربما لسنوات.

لقد دامت حرب صدَّام - الخميني ثماني سنوات، هي في عمر المنطقة بمثابة ثمانين، فضلاً عن أن التداعيات مستمرة، وهنالك في الأفق احتمالات كثيرة في هذا الشأن. وليس بالنسبة لحرب بوتين ثمة ما يشير إلى أنها لن تكون مثل حرب صدَّام - الخميني. فالرئيس الروسي بدأ حربه لأنَّه يتطلع إلى رئاسة دائمة وربما هاجسه قيصرة زعامته.

وكما افترض بوتين ومن قْبله إردوغان - (في حروب من نوعية مختلفة من معالمها تجنيد مرتزقة) - ومن قبلهما صدَّام والخميني، فإن الرئيس الأميركي وحلفاءه الأوروبيين كانوا هم أيضاً البادئين بأسلوب مختلف - أي الحرب ضد بوتين الذي بدأ الحرب - لكن بمساعدتهم المالية والسلاحية والإعلامية للرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، حتى إن الرئيس بايدن قال على الملأ وأمام الكونغرس (يوم الأربعاء 8 فبراير «شباط» 2023) مخاطباً سفيرة أوكرانيا لدى الولايات المتحدة التي كانت حاضرة «إننا سنقف إلى جانب أوكرانيا مهما استغرق الأمر». وفي اليوم نفسه يقول مستشار ألمانيا - (حيث يوجد فيها مليون لاجئ أوكراني كحال لبنان على سبيل المثال، حيث يوجد فيه مليون لاجئ سوري) - أولاف شولتس: «ما يمكننا ملاحظته بعد عام من الحرب، أن بوتين لن يحقق أهدافه... لا في ساحة المعركة... ولا من خلال فرْض معاهدة سلام. تنتمي أوكرانيا إلى أوروبا، مستقبلها في الاتحاد الأوروبي وهذا وعد من جانبنا مهم...».

خلاصة القول، إن الرئاسة وكذلك الزعامة التي لا معارضة لها والتي هي مثل طريدة يتلهف لها الصيادون الشرهون، تبقيان بمثابة فتيل يشعل حروباً تتفجر كالبراكين أو تؤسس لأوضاع قابلة للتفجر كتلك التي يعيشها معظم غرب العالم مع شرقه الروسي... إلاّ إذا تكررت واقعة علاج أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا قبل ستين سنة. ولقد دفع الثمن مذاك الزعيم الذي لم يكن هناك اعتراض على قراراته نكيتا خروشوف، إلى أن حدثت الأزمة الصاروخية من أجل خاطر كاسترو، وكادت تؤسس للحرب العالمية الثالثة، فكانت الخشية السوفياتية من ذلك ثم إسقاط خروشوف.

وربما لتفادي نهاية تفجيرية عالمية كما الحال من جانب روسيا ضد أوكرانيا، أن تصبح التسوية الروسية من دون بوتين بخيار من جانبه أو برغبة ودية من جانب الجنرالات، الذين - بعد انقضاء سنة على حرب كانوا فيها تنفيذيين وليسوا أصحاب القرار - يفضلون لملمة تداعيات ما حدث والمساعدة على أن تكون روسيا مثل الصين، وليست مثل كوريا الشمالية ذات الشغف الصاروخي.

وبعد مجريات تطورات الصراع البارد حتى الآن بين دول العالم الغربي والأوروبي وفي جزئية منه، إسرائيل، يبدو النظام الإيراني حاضراً بقوة ضمن احتمالات حرب تخوضها إيران من لبنان، فإذا ربحها تتبناها وتقطف ثمارها، أما إذا جاءت النتيجة خسراناً فإنها تداوي المصاب الذي ينوب عنها في المواجهة المحتملة مع إسرائيل وتبقى السلطة في إيران سالمة... إلى حين.

وبعد الذي سمعناه في خطاب الأمين العام «حزب الله» السيد حسن نصر الله، يوم الخميس 16 فبراير 2023، من تلويح بحرب ممكنة تكون ترجمة للفوضى المستشرية في لبنان، تتضح ظاهرة استعمال القوي للضعيف قرباناً أو خروفاً يُنحر، كما في مناسبة عيد الأضحى، وعلى نحو ما يفعل الغرب الأميركي - الأوروبي بالورقة الأوكرانية، التي يسعى من خلالها إلى أن يبقى الشرق الروسي، كما الصيني، شرقاً دون تحارب. والوضع فيما نعيش مفتوح على عدة احتمالات بدل الاحتمال الواحد. ومَن يعش ير ويتعظ.
عن الشرق الأوسط السعودية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط