مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حرب السعوديين الطاحنة

حرب السعوديين الطاحنة

تاريخ النشر: 2016-02-20 | 08:42

بين مثقفين يدعون لاجتثاث خصومهم المفكرين، ودعاة يتهمونهم بالعداء للوطن، يعيش السعوديون حرباً طاحنة بين دعاتهم الدينيين ويمينهم المحافظ، وبين مثقفيهم وكتاب صحفهم، وتيار يقول إنه ليبيرالي.

اخترت الانسحاب على رغم أنني تورطت في السابق في صراع التيارات السخيف هذا، والذي بت أسميه «ملهاة الرعيان» إذ لا تفارق مخيلتي صورة مسؤول حكومي يتابع على شاشة بلازما كبيرة اثنين من ممثلي التيارين يتبادلان التهم، ويلوح كل منهما بأوراق تدين الطرف الآخر، وكلاهما يزعم أنه الأحرص على الوطن، بل أحياناً يستدعي السلطة على خصمه، فيبدوان وكأنهما ديكان يصطرعان، فيضحك المسؤول، ليضحك معه جلساؤه، الذين يندر أن يعارضوه في رأي، ويقول: «دعهم يتصارعون فهم يحرقون أنفسهم بأنفسهم»، ولكن كل الأطراف تحرق هذا الوطن بهذا الصراع، بما في ذلك من يشجعه ويتركه بلا حسم، فتتجزر هذه الانقسامات الوهمية، وتتحول إلى قبائل سياسية تختصم حول «ناقة بسوس» وليس حول تكلفة إعاشتها وحقها في الرعي من عدمه، وجدوى زراعة علفها أم استيراده، أو حتى الجدوى الاقتصادية لتربية بضعة ملايين من النوق مثلها في بلاد استهلكت مواردها الطبيعية منذ عقد أو اثنين، ولكنها لا تزال تفضل أن تختصم حول ثوابت حسمتها دول أصغر منها سناً، على أن تنشغل بما هو أدعى وأهم.

إنه وقت غير مناسب لمثل هذه الصراعات، فالمملكة تشهد حربين على جبهتين، الرأي العام قلق على أمنه وعلى اقتصاده، وبدأ يشعر تدريجياً بقرصة كلفة الحروب وانخفاض أسعار النفط، ولكن في خضم ذلك انفجرت قصة فتاة تقف على الرصيف، جاءها عضو في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طلب منها تغطية وجهها، تجادلت معه، هربت منه، لاحقها، سقطت على الأرض فجرها من قدميها، ربما حصل هذا من قبل في غير مكان، ولكنه زمن الإعلام الاجتماعي، فكان هناك من وثق الحادثة، فأصبحت قضية رأي عام، انفجرت الصحافة تنتقد الهيئة وتصرفها، والود مفقود بين الاثنين منذ زمن، فالصحافة بطبعها - في السعودية أو غيرها - تنحو نحو الحرية والعصرنة، وأيضاً تعنى بغريب الأخبار، ولا يمكن أن يمضي خبر جر فتاة من رجليها في الشارع من دون أن تغطيه. التيار الديني تعامل مع تصرف الإعلام الطبيعي والمتسق مع وظيفته بأنه تصيد واستهداف للهيئة، التي يؤمنون بأنه لولاها لفسد المجتمع السعودي، فاشتعلت الحرب بين الطرفين، واتسعت بفتح ملفات أخرى، ودخلها الدعاة وخطباء المساجد، وزادت في اشتعالها ساحة الإعلام الاجتماعي حيث لا ضابط ولا رابط للمتشاتمين فيه.

سجل الإعلام وكتاب الأعمدة ومقدمو البرامج التلفزيونية أهدافاً في مرمى التيار الديني والهيئة، فكان لا بد لها أن ترد وتثأر بعدما ارتفعت أصوات تدعو حتى إلى حلها وضمها إلى وزارة الداخلية، وبالطبع انقسم الشعب، القلق أصلاً والمتوتر بسبب الأحداث المحيطة بالمملكة، حول المسألة التي في حقيقتها أسئلة قديمة لم تحسم في المملكة، على رغم عمرها المديد بوصفها دولة حديثة، تدور حول الهوية والتعددية والحريات الشخصية وحدودها.

وعلى رغم أن الهيئة جهة حكومية وتتبع مباشرة لمجلس الوزراء فإنها أيضاً تمثل تياراً شعبياً متحمساً لها ويراها معبرة عن رؤيته لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، بل لو استطاع لفرض مسطرته على المواطنين كافة، وهؤلاء يتميزون أيضاً بقدر كبير من التعصب، وقد اضطرت الدولة إلى إصدار عشرات التوجيهات والضوابط للحد من غلوائهم، ولكنهم في النهاية متحمسون ويؤمنون بأن الحق معهم وأن تفسيرهم الصارم لتعليمات الشريعة هو الحق، وأن واجبهم ليس تبيان ذلك للناس، بل إنزالهم عليه، فـ «الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».

فجاء انتقام التيار من زميل معروف، مقدم البرامج الشهير علي العلياني، قالوا إنه يشرب الخمر، وصوره وزجاجاتها بجواره والقيد بيده، في تشهير صريح مخالف لكل الأنظمة والأعراف، في تلك الليلة كان بإمكانهم القبض على غيره من المذنبين فما أكثرهم، حتى في المدينة الفاضلة، ولكن كان من الضروري أن يكون المذنب إعلامياً مشهوراً ليرسل الرسالة المطلوبة ويسجل الهدف في مرمى الخصم، أثبتت الفحوص براءته، ولكن التشهير وقع، فازداد الغضب والتلاوم اشتعالاً، الوطنية ملجأ من لا ملجأ له، رفع المتدينون شعار «إعلامنا يخدم أعداءنا، إعلامنا يخرق سفينتنا»، رد عليهم الكتاب بهجوم شرس، عشرات المقالات تكرر الفكرة نفسها، تتهم الهيئة بالاعتداء على حرمة البيوت، وبالترصد للناس، استذكر الجميع سماحة الدين، وإن لم يعملوا بها وهم يختصمون، صرخ البعض: «لم يخرج من بين الإعلاميين إرهابي ولكن خرج من صفكم دواعش». خرجت صيحات تدعو للاجتثاث والاستئصال، يتدخل المسؤول فيوقف هذا عن الكتابة ويقيل ذاك من منصبه، ولكنه لا يحل أصل المشكلة.

قبل سنوات، وفي جلسة لمجلس الوزراء بعهد الراحل الملك عبدالله، دعا المجلس إلى ترسيخ «حق الناس في الاختلاف»، كأن الراحل تركها لنا بمثابة شعار لعلنا نفعّله ونحوله إلى واقع بنظام وثقافة وتعليم وتربية، ولكننا لم نفعل بعد، ما حصل ويحصل الآن، في حروب القبائل الفكرية السعودية يؤكد أنه حان الوقت لنظام ما يحمي حق الناس في الاختلاف، نظام يؤسس على الشريعة لا قوانين وضعية، فمدرسة الرأي الواحد غيبت عن المجتمع السعودي ثراء التعدد الحضاري والفقهي والتشريعي المتاح في الإسلام، الممتدة اجتهاداته من سومطرة حتى كازابلانكا، إسلام عريض عمر حضارته وفقهه ومدارسه 1400 سنة، مكتبة هائلة ثرية نبحر فيها لنجد فيها أجوبة العصر الحديث، ولكننا نقف أمام رف واحد.

حتى ذلك الحين، أتمنى على الزملاء أن يضربوا عن الكتابة والجدل في موضوع الهيئة والهوية، فكل ما يكتبونه يزيد الاحتقان احتقاناً، ولم تعد هناك حجة تضاف إلى حججهم، لقد استمع صاحب القرار إلى مرافعتهم، فليصدر حكمه.

توقف احتجاجي يريح الجميع، وينفّس الاحتقان، ولكنه سيجعل قضايا الهوية والحقوق والحريات قضية علاقة مباشرة بين المسؤول والمواطن، وليس صراع تيارات.

سآخذ بنصيحتي وأجعل هذه آخر مقالة أكتبها عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا مزيد لمستزيد.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط