كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حرب إيران تعيد رسم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج: هل انتهى عصر القواعد الدائمة؟

حرب إيران تعيد رسم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج: هل انتهى عصر القواعد الدائمة؟

تاريخ النشر: 2026-08-10 | 08:08

عواصم: أعادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في بنية الأمن الخليجي، وهو مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بعدما أظهرت المواجهة أن المنشآت العسكرية الثابتة يمكن أن تتحول في أوقات الحرب إلى أهداف مباشرة وسهلة نسبيًا، في وقت كشفت فيه دول الخليج عن تطور كبير في قدرتها على الدفاع عن أجوائها واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بطواقمها الوطنية.

وبحسب تحليل للباحثة دانيا عرايسي، نشره معهد دول الخليج العربي في واشنطن (AGSI) في 7 أغسطس/آب 2026، فإن التطورات العسكرية الأخيرة تطرح سؤالًا يتجاوز حجم القوات الأمريكية في الخليج إلى طبيعة الشراكة الأمنية نفسها: هل ما زالت القواعد الدائمة هي الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية المصالح الأمريكية والخليجية، أم أن الوقت حان للانتقال إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على التدريب والتكنولوجيا والربط الدفاعي والانتشار المتناوب؟

حرب مكلفة للخليج

لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري. فقد خفض البنك الدولي، وفق الأرقام الواردة في التحليل، توقعاته لنمو دول الخليج خلال عام 2026 من 4.4% إلى 1.3%، فيما أسفرت الهجمات الإيرانية عن خسائر بشرية ومادية، بينها سبعة قتلى مدنيين و106 جرحى في الكويت وحدها.

وامتدت الهجمات إلى منشآت مدنية شديدة الحساسية، إذ تعرض مطار دبي الدولي للاستهداف ثلاث مرات، بينها حادثة اخترقت فيها طائرة مسيّرة سقف المبنى رقم 3، بينما تعرض مبنى الركاب في مطار الكويت الدولي لأضرار ناجمة عن مسيّرات، بالتزامن مع اندلاع حريق في خزان للوقود.

لكن الضغط الأكبر تمثل في الاستنزاف السريع لمخزونات الصواريخ الاعتراضية. ووفق التحليل، وصل النقص في المعدات إلى مستوى دفع مسؤولين خليجيين إلى إبلاغ واشنطن بأنهم باتوا مضطرين للمفاضلة بين التهديدات التي ينبغي اعتراضها وتلك التي يمكن السماح لها بالمرور.

دفاعات خليجية تتقدم إلى الواجهة

في المقابل، كشفت الحرب عن تحول مهم في القدرات العسكرية الخليجية. فالسعودية نشرت، بحسب البيانات الواردة في المقال، 108 منصات باتريوت وأربع بطاريات ثاد، وتمكنت من اعتراض عدد كبير من الصواريخ الباليستية الإيرانية.

أما الإمارات، فسجلت قواتها نسبة اعتراض بلغت نحو 92% من الصواريخ الباليستية و94% من المسيّرات القادمة من إيران، في حين تمكنت قطر من اعتراض 96% من الصواريخ والمسيّرات في اليوم الأول للحرب باستخدام مقاتلات «إف-15» ومنظومات الدفاع الجوي.

هذه الأرقام، رغم أن الملف يشير إلى أنها تستند إلى تصريحات وتقديرات رسمية ولم يتم التحقق منها بصورة مستقلة، تعكس تحولًا جوهريًا مقارنة بالظروف التي تشكلت فيها المنظومة الأمنية الأمريكية الخليجية الحالية قبل أكثر من ثلاثة عقود.

ففي مطلع التسعينيات، كانت جيوش المنطقة تفتقر إلى القدرات اللازمة للدفاع بصورة مستقلة عن مجالها الجوي، الأمر الذي أسهم في توسع الانتشار العسكري الأمريكي بعد غزو العراق للكويت عام 1990. وتحول الانتشار الذي بدأ باعتباره استجابة طارئة إلى وجود دائم تحكمه اتفاقيات دفاعية مع الكويت والبحرين وقطر والإمارات، قبل أن يصل عدد القوات الأمريكية في المنطقة إلى نحو 170 ألف جندي بحلول حرب العراق عام 2003.

لكن المعادلة التي بررت هذا الانتشار تغيرت. فالجيوش الخليجية التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على القوات الأمريكية لحماية أجوائها أصبحت اليوم قادرة على تشغيل منظومات دفاعية أمريكية متطورة والقيام بجزء كبير من عمليات الاعتراض بنفسها.

القواعد الأمريكية تتحول إلى أهداف

أظهرت الحرب أيضًا الجانب الآخر من الوجود العسكري الأمريكي. فالقواعد التي يفترض أن توفر الردع والحماية أصبحت في الوقت نفسه أهدافًا ثابتة يمكن لإيران استهدافها.

واستخدم مسؤولون إيرانيون الوجود العسكري الأمريكي لتبرير ضرب دول الخليج، وهو ما يعزز الحجة القائلة إن تقليص القواعد قد يخفض أحد دوافع الاستهداف الإيراني.

لكن التحليل يحذر من افتراض أن إزالة القواعد ستعني بالضرورة إزالة التهديد. فالعلاقة الاستراتيجية الأوسع بين دول الخليج والولايات المتحدة تجعل المنطقة عرضة للضغط الإيراني بصرف النظر عن وجود قوات أمريكية دائمة.

ويستشهد في هذا السياق باستهداف منشآت لا تضم قوات أمريكية، بما في ذلك محطات الغاز الطبيعي المسال القطرية والحي المالي في دبي. وبذلك، قد يؤدي تقليص القواعد إلى إزالة ذريعة محددة تستخدمها طهران، لكنه لن ينهي المخاطر الناتجة عن التحالف السياسي والعسكري الخليجي مع واشنطن.

ومن المنظور العسكري الأمريكي نفسه، تثير سهولة استهداف القواعد الثابتة تساؤلات عملياتية حول جدوى الاحتفاظ بتجمعات كبيرة من القوات والطائرات والمعدات في مواقع معروفة وقريبة نسبيًا من إيران، بما قد يدفع المخططين العسكريين إلى التفكير في انتشار أقل تركيزًا وأكثر مرونة.

من «القواعد» إلى «الشبكات»

لا يعني تقليص الوجود العسكري الدائم بالضرورة تراجع الشراكة الأمنية الأمريكية الخليجية. فالبديل الذي يطرحه التحليل يقوم على الانتقال تدريجيًا من نموذج القواعد العسكرية الكبيرة إلى نموذج الشبكات الدفاعية المتكاملة.

وتوجد بالفعل نماذج يمكن البناء عليها. ففي السعودية، تُقدّر قيمة شبكة الدفاع الجوي بأكثر من 83 مليار دولار، ويجري تشغيلها بمزيج من الطواقم السعودية والمتعاقدين الأمريكيين من دون الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي دائم بالحجم التقليدي.

وفي قطر، افتتحت القيادة المركزية الأمريكية خلية لعمليات الدفاع الجوي في قاعدة العديد بهدف ربط بيانات الرادار بين الشركاء الإقليميين. كما يقدم السرب المشترك لطائرات تايفون بين بريطانيا وقطر نموذجًا آخر للتعاون العسكري الذي يقوم على الدمج والتدريب والعمليات المشتركة بدل الاعتماد الكامل على قواعد أجنبية ضخمة.

ويمكن توسيع هذه النماذج لتشمل الانتشار المتناوب للقوات الأمريكية، واستخدام المنصات البحرية، والتمركز في مواقع خارج الخليج، إلى جانب تعزيز شبكات الإنذار المبكر وتبادل بيانات الرادار والدفاع الجوي والصاروخي المشترك.

شراكة أمريكية خليجية بصيغة مختلفة

التحول المحتمل، وفق هذا التصور، لا يعني نهاية الدور الأمريكي في أمن الخليج، وإنما إعادة صياغته. فالولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدفاعية مع دول المنطقة تقوم على مبيعات الأسلحة والصيانة والدعم الفني والتدريب والتجهيز والعقود طويلة الأمد.

ويمكن لهذه البنية أن تستمر سواء كانت القوات الأمريكية متمركزة بصورة دائمة داخل الخليج، أو تعمل بنظام الانتشار المتناوب، أو تتمركز جزئيًا خارجه.

وهنا تكمن المفارقة التي كشفتها الحرب: الاستثمار الأمريكي الممتد لعقود في بناء القدرات العسكرية الخليجية قد يكون هو نفسه العامل الذي يسمح مستقبلًا بتقليص الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي الدائم.

وبذلك، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى شريكًا أمنيًا لدول الخليج، بل كيف سيكون شكل هذا الوجود. فالمنظومة التي نشأت بعد حرب تحرير الكويت قامت على قواعد كبيرة وقوات أمريكية دائمة لأن دول المنطقة لم تكن تمتلك القدرات الحالية. أما اليوم، فإن تطور الدفاعات الخليجية، بالتزامن مع ارتفاع قابلية القواعد الثابتة للاستهداف، يفتح الباب أمام نموذج يقوم على وجود أمريكي أقل كثافة وأكثر توزيعًا، مع إبقاء التكنولوجيا والتدريب والدعم الفني والتكامل الدفاعي في قلب الشراكة.

وبهذا المعنى، قد لا تكون الحرب مقدمة لخروج الولايات المتحدة عسكريًا من الخليج بقدر ما قد تكون بداية الانتقال من عصر القواعد الأمريكية الدائمة إلى عصر الشبكات الدفاعية والشراكات العملياتية الأكثر مرونة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط