كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حرب بلا نصر: مآلات الصراع ومستقبل المنطقة

حرب بلا نصر: مآلات الصراع ومستقبل المنطقة

تاريخ النشر: 2026-03-23 | 20:22

تدخل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران مرحلة جديدة، أكثر تعقيدًا مما خُطط لها في بدايتها. بعد أسابيع من الضربات المكثفة على البنى التحتية الحيوية واستهداف القيادات العسكرية البارزة، يتضح أن الرهان على حسم سريع لم يكن واقعيًا. التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل لم يترجم إلى نتائج استراتيجية حاسمة، بل دفع الصراع نحو حرب استنزاف طويلة ومعقدة، تتداخل فيها المواجهات المباشرة مع أدوات الرد غير المتناظر، بينما تتشكل قواعد جديدة للصراع لا يُتوقع أن تنتهي قريبًا.

في هذا السياق، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمة الأولية، ليس فقط عبر الحفاظ على تماسك بنيتها المؤسسية، بل أيضًا من خلال إعادة إنتاج أدوات الرد بمرونة عالية. وقد تجلّى ذلك في توسيع نطاق المواجهة بشكل مدروس، سواء عبر استهداف العمق الإسرائيلي أو عبر تهديد المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة، فضلًا عن استخدام أدوات ضغط غير مباشرة تمس شرايين الاقتصاد العالمي. هذا التحول لا يعكس فقط قدرة على الصمود، بل يشير إلى انتقال واعٍ من موقع الدفاع إلى إدارة صراع طويل الأمد بكلفة موزعة على الخصوم.

فجوة الأهداف بين واشنطن وتل أبيب

غير أن هذا المسار يكشف في المقابل عن فجوة متزايدة في تعريف الأهداف بين واشنطن وتل أبيب. فبينما يدفع نتنياهو باتجاه إطالة أمد الحرب وتوسيعها سعيًا إلى إعادة تشكيل المنظومة الإقليمية بصورة جذرية، يبدو أن ترامب أكثر ميلًا إلى تحقيق إنجاز سريع يمكن تسويقه داخليًا، دون الانخراط في حرب مفتوحة قد تستنزف الموارد الأميركية وتزيد من كلفة القيادة الدولية. هذا التباين لا يقتصر على اختلاف في التكتيك، بل يعكس خللًا بنيويًا في إدارة الحرب، حيث تغيب “نظرية النصر” المشتركة، ويحل محلها مسار تصعيدي غير مضبوط الإيقاع.

اختبار القوة في مضيق هرمز

أحد أبرز تجليات هذا الخلل يتمثل في العجز عن تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكل شريانًا حيويًا لتدفق الطاقة العالمية. فاستمرار التوتر في هذا الممر لا يهدد فقط استقرار أسواق الطاقة، بل يضع مصداقية الولايات المتحدة كضامن للأمن الدولي على المحك. كما أن محدودية الاستجابة الأوروبية، رغم محاولات الحشد ضمن الناتو، تعكس تراجعًا في استعداد الحلفاء للانخراط في مغامرات عسكرية مكلفة، وتكشف في الوقت ذاته عن حدود القدرة الأميركية على تعبئة النظام الدولي وفق أولوياتها.

مسار تفاوضي يتحرك تحت الضغط لا النضج

رغم ما كان يُروَّج له سابقًا عن تأجيل المسار التفاوضي أو تعذّره، فإن إعلان ترامب منح مهلة خمسة أيام للتوصل إلى اتفاق يشير إلى دخول الصراع مرحلة جديدة تُدار فيها الدبلوماسية تحت ضغط الميدان لا العكس. هذه الخطوة، وإن لم تكن مفاجئة بالكامل، تعكس إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن لصعوبة الاستمرار في حرب مفتوحة دون أفق سياسي، كما تكشف عن محاولة لالتقاط لحظة توازن نسبي قبل أن تميل الكفة نحو مزيد من التصعيد غير القابل للضبط.

ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية لا تعني بالضرورة أن مسارًا تفاوضيًا ناضجًا قد تشكّل فعليًا، بقدر ما تشير إلى إطلاق مسار وساطة اضطراري يهدف إلى الخروج من المأزق أكثر مما يعكس توافقًا على تسوية مستدامة. فالشروط التي يُنسب إلى طهران طرحها، والتي تتجاوز وقف إطلاق النار نحو وقف شامل للحرب يمتد إلى مختلف الساحات، بما فيها لبنان، وتتضمن انسحابًا إسرائيليًا، لا تزال تعكس تمسكًا بإعادة تعريف الصراع كحزمة إقليمية واحدة. وهو طرح يصعب التوفيق بينه وبين الحسابات الأميركية التي تبحث عن إنجاز سريع، في ظل استمرار اندفاع تل أبيب نحو توسيع الحرب.

بذلك، يمكن القول إن مهلة الأيام الخمسة قد تفتح نافذة تكتيكية لخفض التصعيد، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى المنعطف الاستراتيجي، ما لم تُترجم إلى تفاهمات أولية تعيد تعريف أهداف الحرب وتضبط إيقاعها. أما في غياب ذلك، فقد تتحول هذه المهلة نفسها إلى مجرد محطة عابرة ضمن مسار تصعيدي أطول.

استحالة التسوية في ظل اختلال الأهداف

في المقابل، فإن أي حديث عن تسوية، حتى بصيغتها المحدودة، يصطدم بتناقضات بنيوية عميقة. فمن جهة، يتطلب الأمر التزامات إيرانية بضبط التصعيد الإقليمي وتأمين المصالح الحيوية، وعلى رأسها الممرات البحرية، ومن جهة أخرى، تحتاج واشنطن إلى مخرج يحفظ صورتها الاستراتيجية دون أن يبدو كتراجع تحت الضغط، في حين ترفض إسرائيل أي قيود جوهرية على حرية عملها العسكري. وبين هذه الحسابات المتعارضة، يبدو أن فرص بلورة تفاهم فعلي تتآكل، خاصة في ظل طبيعة العدوان التي تدفع طهران نحو مزيد من التشدد، لا نحو المرونة.

ضمن هذا المشهد، لا تبدو إيران في موقع المنتصر، لكنها بالتأكيد ليست في موقع المهزوم. فمزيج العوامل الجيوسياسية، والعمق الاستراتيجي، وشبكات النفوذ الإقليمي، يمنحها قدرة على الاستمرار في الصراع دون الانهيار، بما يُحَوِّل الصراع إلى حالة مزمنة يصعب حسمها عسكريًا.

تحولات النظام الدولي

دوليًا، فإن هذه الحرب تكشف عن اتجاهات أعمق تتجاوز حدود الإقليم. فالعجز الأميركي عن تحقيق حسم سريع، أو حتى فرض قواعد اشتباك مستقرة، يفتح المجال أمام قوى كبرى مثل الصين وروسيا لتعزيز أدوارها، ليس من خلال المواجهة المباشرة، بل عبر توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، واستثمار تراجع الثقة بقدرة واشنطن على إدارة النظام الدولي. هذا لا يعني بالضرورة نهاية وشيكة للهيمنة الأميركية، لكنه يشير بوضوح إلى انتقال تدريجي نحو نظام أكثر تعددية، ترتفع فيه كلفة استخدام القوة، وتتراجع فيه فعالية الحسم العسكري كأداة لإدارة الصراعات.

إسرائيل: القوة وتآكل الشرعية

في المقابل، تواجه إسرائيل مفارقة استراتيجية لافتة. فبينما تواصل تعزيز تفوقها العسكري، تتعرض في الوقت ذاته لتآكل متزايد في شرعيتها الدولية، خاصة في ظل تداعيات جرائم حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في قطاع غزة، ورعايتها للإرهاب الاستيطاني في الضفة. هذا التناقض بين القوة والشرعية قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى قيد فعلي على قدرتها على المناورة، خصوصًا إذا استمر التحول في اتجاهات الرأي العام العالمي، واتسعت دوائر التشكيك في دورها كمصدر للاستقرار.

في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو الحرب الجارية مجرد مواجهة عسكرية قابلة للحسم، بل أقرب إلى لحظة انتقالية يُعاد فيها تشكيل قواعد الصراع على المستويين الإقليمي والدولي. فالمسألة لم تعد تتعلق بإمكانية تحقيق نصر نهائي، بقدر ما تتعلق بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التوازنات الجديدة دون الانزلاق إلى فوضى شاملة.

إدارة الصراع دون حسمه

وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في نهاية حاسمة للحرب، بل في التوصل إلى صيغ مؤقتة لاحتوائها، تعيد رسم حدود الاشتباك دون أن تنهي جذور الصراع. وبين استمرار الاستنزاف وتصاعد الضغوط نحو التهدئة، تتبلور معادلة جديدة عنوانها إدارة الصراع بدلًا من حسمه، واحتواؤه بدلًا من إنهائه.

في هذه المعادلة، يصبح نجاح أي مسار سياسي مرهونًا بقدرة الولايات المتحدة على تحويل حاجتها إلى إنهاء الحرب إلى فرصة لإنتاج تسوية مرنة، وبمدى استعدادها لإدارة التباين مع إسرائيل التي قد ترى في أي تقييد لحركتها الاستراتيجية مساسًا بجوهر تفوقها. كما يتوقف على مدى استعداد إيران لتحويل موقعها الصامد إلى مكسب تفاوضي دون الانزلاق إلى تصعيد مفرط قد يستدعي مواجهة أوسع. ذلك كله لا يُلغي احتمال أن يخرج ترامب فجأة ويعلن إنهاء “العملية العسكرية” ضد إيران، ولو تدريجيًا، مدعيًا أنها حققت كامل أهدافها.

في المحصلة، تشير هذه الحرب إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة غير مستقرة ومفتوحة على احتمالات متعددة، حيث لا تُحسم الصراعات بقدر ما تُدار ضمن توازنات متحركة، ولا تُغلق الملفات بقدر ما يُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة. وبين تسوية مؤقتة لا تعالج الأسباب، واستنزاف مفتوح يفاقم المخاطر، يبقى التحدي الأساسي هو منع هذا الصراع من التحول إلى فوضى إقليمية شاملة قد تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.

قد لا تكون مهلة ترامب سوى استراحة تكتيكية في حرب بلا نصر؛ اختبارٌ لقدرة الأطراف على التقاط لحظة التهدئة، أو الانزلاق مجددًا إلى مسار تصعيد مفتوح لا يملك أحدٌ السيطرة على مآلاته.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط