كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حرب ترامب و"مضيق" المجد الشخصي

حرب ترامب و"مضيق" المجد الشخصي

تاريخ النشر: 2026-04-02 | 17:36

تبدو الحروب في كثير من الأحيان محكومة بحسابات استراتيجية باردة، تتعلق بمصالح الدول وتوازنات القوى، غير أن ما يجري في الحرب الحالية بين أمريكا (إسرائيل) وإيران يكشف عن ملامح مختلفة، حيث لم تعد الأهداف العسكرية وحدها هي التي تقود المشهد، بل ظهرت مؤشرات متزايدة على انتقال الصراع إلى مساحة أخرى تتداخل فيها الطموحات الشخصية مع القرارات الاستراتيجية، في مشهد يثير تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت الحرب ما تزال تُدار بعقل الدولة، أم بعقل الفرد الباحث عن المجد الشخصي.

مثل «كذبة أبريل» أطل علينا الرئيس دونالد ترامب في حديثه المرتقب، أو خطاب الثالثة فجراً بتوقيت القاهرة، ظهر كنجم هوليودي جاء ليجسد دوره المفضل والمكرر، دور البطل الأمريكي الأسطوري الذي كان يطاردنا في طفولتنا عبر إعلانات سجائر (مارلبورو) الشهيرة. لم يُضف جديداً، بل أعاد طرح كل ما ردده للصحفيين أو في تغريداته على منصة «تروث سوشيال» طوال الأسبوع الماضي، من صياغة تُبرزه كأعظم شخص في تاريخ بلاده، وأنه حقق معجزات عسكرية وسياسية واقتصادية لم يسبقه إليها أحد، وأن حربه على إيران كانت أعظم قراراته.

الخلاصة عن حرب ترامب على إيران قالها بوضوح: أن «الولايات المتحدة لا تعتمد على مضيق هرمز»، وأن «تأمينه ليس مسؤولية أمريكية خالصة»، وأن «الدول التي تعتمد عليه يجب أن تتحمل مسؤولية الدفاع عنه بنفسها»، مضيفاً في تبرير استمرار العمليات العسكرية: «نحن في الشرق الأوسط لمساعدة حلفائنا، لا نحتاج إلى الوجود هناك، لدينا ما يكفي من البترول، ونتفوق في إنتاجنا على روسيا والسعودية معاً».

وقد كانت الأهداف الأمريكية من الحرب على إيران واضحة في بداياتها ومعلنة، حيث تمحورت حول القضاء على البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي الباليستي، وتحجيم دور طهران الإقليمي، والقضاء على أذرعها خارج حدودها. وهي أهداف لم تكن جديدة في جوهرها، بل تعود جذورها إلى سنوات ممتدة من التوتر بين واشنطن وطهران.

لكن مع تطور العمليات العسكرية، بدأت تظهر ملامح انتقال تدريجي في طبيعة الأهداف، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على إضعاف قدرات إيران العسكرية أو الحد من نفوذها الإقليمي، بل امتد إلى طرح أفكار تتعلق بوجود نظام إيراني أكثر توافقاً مع المصالح الأمريكية، وهو ما تزامن مع تصريحات لافتة حول أهمية الموارد الإيرانية، خصوصاً النفط والغاز، وأهمية ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، باعتباره شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.

غير أن اللافت في سياق أهداف الحرب، تصاعد الطموح الشخصي في الخطاب السياسي الأمريكي، وهو ما بدا جلياً في بعض التصريحات التي حملت طابعاً رمزياً، من بينها الحديث عن تغيير اسم مضيق هرمز إلى «مضيق ترامب»، وهي فكرة -حتى لو جاءت في سياق دعائي ساخر- تعكس نزعة واضحة نحو تخليد الاسم وربطه بلحظة تاريخية كبرى، وكأن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى سجل شخصي يُكتب عليه تاريخ المجد. وفي خلفية هذا المشهد، يظل راسخاً الطموح السياسي المعروف عن الرئيس الأمريكي، والمتمثل في سعي ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام، وهو طموح مشروع في ذاته إذا جاء نتيجة إسهام حقيقي في إطفاء نيران الحروب، لكنه يصبح مثيراً للكوميديا الحزينة حين يتزامن مع تصعيد عسكري واسع، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، واتساع رقعة المواجهات. وهنا تبرز المفارقة الكبرى.

غير أن أخطر ما يلوح في الأفق لا يتعلق فقط بطبيعة الأهداف أو الطموحات، بل بالخيارات العسكرية التي قد تُفرض على الأرض خلال المرحلة المقبلة. فالتلويح بإمكانية السيطرة على نقاط ساحلية أو جزر إيرانية، أو حتى تنفيذ عمليات برية محدودة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، يمثل في حقيقته انزلاقاً إلى فخ استراتيجي بالغ الخطورة، فالتجارب السابقة تؤكد أن أي دخول بري -حتى وإن بدأ محدوداً- سرعان ما يتحول إلى تورط طويل ومكلف، يصعب الخروج منه دون خسائر فادحة.

والتاريخ القريب لا يزال شاهداً على ذلك، حيث خاضت الولايات المتحدة تجارب مؤلمة في العراق وأفغانستان، تحولت فيها العمليات العسكرية السريعة إلى حروب استنزاف طويلة، استهلكت الموارد وأثقلت الذاكرة السياسية والعسكرية الأمريكية بأثمان باهظة. ومن هنا، فإن أي محاولة لتكرار السيناريو ذاته في بيئة جغرافية معقدة مثل إيران، بما تمتلكه من طبيعة جبلية ومساحات شاسعة، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز حدود الحسابات التقليدية.

الأخطر من ذلك أن بعض الرؤى التي تُطرح في سياق المواجهة الحالية تفترض أن سقوط النظام الإيراني -إذا تحقق- قد يمثل نهاية للصراع، غير أن قراءة واقعية لمعادلات الإقليم تشير إلى عكس ذلك تماماً، فإيران ليست مجرد دولة يمكن استبدال نظامها بسهولة، بل هي عقدة مركزية في شبكة توازنات إقليمية معقدة، وأي انهيار مفاجئ في بنيتها السياسية قد يفتح الباب أمام موجات من الفوضى وعدم الاستقرار، تمتد آثارها إلى دول الجوار، بل وربما إلى النظام الإقليمي بأكمله.

وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس فقط حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحقيق أهدافها العسكرية، بل حول طبيعة الدوافع التي تحكم القرار السياسي نفسه، فحين تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع الطموحات الشخصية، يصبح خطر الخطأ أكبر، وتصبح كلفة القرار أعلى، خصوصاً إذا تحولت الجغرافيا إلى منصة رمزية، وتحول الصراع إلى فرصة لصناعة مجد فردي.

من «هرمز» إلى «نوبل»، تبدو المسافة قصيرة في حسابات الطموح الشخصي، لكنها في حسابات الدول قد تكون طريقاً طويلاً محفوفاً بالمخاطر، لا يدفع ثمنه قائد واحد، بل منطقة بأكملها، وربما العالم بأسره. إن التاريخ لا يخشى الحروب فقط.. بل يخشى القادة الذين يرون في النيران طريقاً مختصراً إلى المجد.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط