كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حركة حماس… تنقّل الثقل القيادي من الداخل إلى الخارج والعكس

حركة حماس… تنقّل الثقل القيادي من الداخل إلى الخارج والعكس

تاريخ النشر: 2025-11-29 | 14:59

تنقل قرار حركة حماس القيادي وثقله بين الداخل والخارج خلال الثلاثين عامًا الماضية، أي منذ تأسيسها نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ارتبط  هذا التنقل بأحداث وتطورات كبرى عاشتها القضية الفلسطينية، والمنطقة العربية منذ الانتفاضة الأولى 1984، التي أبقت القرار لقيادة الداخل التأسيسية، والانتفاضة الثانية 2000، والانتخابات  التشريعية 2006، التي أكّدت مركزية الحركة في المشهد الفلسطيني السياسي،  لكن مع اغتيال  جلّ قيادتها السياسية والعسكرية؛ تمامًا كما حدث في حرب غزّة الأخيرة، وفرض الحصار على غزّة بعد الاقتتال والانقسام السياسي والجغرافي بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة 2007، أدى ذلك إلى انتقال القرار والثقل القيادي إلى الخارج،  ثمّ خلق انطلاق الجولات القتالية مع الاحتلال في قطاع غزّة 2008، والثورات العربية 2011، نمطًا من الشراكة بين الداخل والخارج، في ما يشبه المرحلة الانتقالية، قبل أن تستحوذ قيادة الداخل على القرار تمامًا في أخر ثماني سنواتٍ.

وللمفارقة، فبينما كان "طوفان الأقصى" 2023، ذروة التعبير عن فائض قوة قيادة الداخل نفوذها، إلا أنّه مثّل كذلك بداية المنحنى الهابط لها، الذي سينقل القرار إلى الخارج مرّةً أخرى.

أبصرت حركة الإخوان المسلمين النور في فلسطين مبكرًا جدًا؛ خمسينيات القرن الماضي، لتشكّل في ما بعد نواة حركة حماس في منتصف السبعينيات، إثر تأسيس المجمع الإسلامي، ثمّ الإعلان رسميًا عن انطلاقة الحركة بعد أيّام من اندلاع الانتفاضة الأولى، التي لم تلعب دورًا مركزيًا في اندلاعها، لكنها مثّلث مناسبةً كي تبصر النور بقرار تاريخي، حينها كان عكس ذلك سيؤدي حتمًا إلى اضمحلالها وبقائها جمعيةً دعويةً وخيريةً.

أبقى تأسيس الحركة في الداخل القرار في الداخل مع صعودها خلال الانتفاضة الأولى، ثمّ مع التطوّر التاريخي العسكري بانطلاق كتائب عزالدين القسام؛ بعد تجربة سابقة زمن المجمع لحيازة السلاح، بحجة مواجهة فتح واليساريين في قطاع غزّة، وقيادة العمليات العسكرية ضدّ الاحتلال واتّفاق أوسلو ،1993 الذي سعت الحركة إلى إسقاطه عسكريًا لا سياسيًا.
في التسعينيات جرى تأسيس المكتب السياسي للحركة في الخارج هيئةً مساندةً ورديفةً لحشد القرار في الداخل ودعمه، حيث ظلّ الثقل  كلّه لعقد ونصف تقريبًا، وتعمّق أكثر مع الانتفاضة الثانية، التي كرّست مكانة حماس قائدةً للمقاومة في فلسطين، غير أن الاغتيالات الإسرائيلية بحقّ قادة الحركة، وجيل المؤسسين كلّه تقريبًا، من سياسيين وعسكريين، ثمّ الفوز بالانتخابات التشريعية، والاقتتال والانقسام، أدت مجتمعةً إلى حصار قيادة الداخل وعزلها، خصوصًا في غزّة، مع عدم امتلاكها قائدًا قويًا وصاحب كاريزما كما كان الحال مع الرعيل المؤسس، ما أدى؛ بحكم الأمر الواقع،  إلى انتقال الثقل القيادي إلى الخارج، خصوصًا مع تشكيل المكتب السياسي لمؤسسات الحركة المختلفة التنظيمية والسياسية والإعلامية، وبالطبع من دون  إطار عسكري في الخارج،  الأمر الذى لم يحدث  إلّا في السنوات الأخيرة فقط.
هيمن الخارج على القرار تمامًا مع ظهور خالد مشعل قائدًا يمتلك كاريزما، وعلاقات واسعةً، مع حرية الحركة، التي وفرها نظام الأسد؛ لحسابات فئوية خاصة، في سورية، والتغطية الإعلامية الهائلة من قناة الجزيرة، والعلاقة القوية مع إيران وميليشياتها وأذرعها وحشدها الشعبي الإعلاني، لملء الفراغ الذي تركته الحواضر الكبرى الثلاث، بعد احتلال بغداد، وضعف القاهرة وتراجعها، وتراجع دور دمشق نفسها لصالح طهران وميليشياتها وآلتها الإعلامية.
بدا المشهد كلّه شبيهًا بصعود فتح والفدائيين بعد نكبة 1967، لجهة أن مهمة تحرير فلسطين ستنجز على يد الفصائل بعد عجز الدول عن ذلك، في تكرار خطأ منظّمة التحرير الثانية التاريخي، وفصائلها رغم التضحيات والإنجازات الهائلة، التي حقّقتها، وتأكّيد مركزية، وحتّى أممية القضية بسياقها السياسي لا الإنساني.

استمر هذا المشهد لعشر سنوات تقريبًا، ومع أول جولة قتالية في قطاع غزّة، نهاية العام 2008، وشعور النظام المصري أنّ من المستحيل تجاوز حماس إذا أرادات لعب دور الوسيط مع إسرائيل، إثر تلزيمه الدور من قبل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، ثمّ باراك أوباما، بعد قرار مماثل من الجامعة العربية بتكليفه إنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة الفلسطينية.

منح النظام المصري قيادة حركة حماس في الداخل (قطاع غزّة تحديدًا) حرية الحركة والتنقل عبر معبر رفح، التي أصرت على نوع ما من الشراكة والترتيب التنظيمي، تضمنت تحديد فترة تولي رئاسة المكتب السياسي لمرتين  بحدّ أقصى، كل منهما أربع سنوات، والمثالثة بين المناطق الثلاث، قطاع غزّة، والضفّة الغربية، والخارج، في عضوية  المجلس، وصلاحية كلّ منطقة في  التعاطي مع الملفات والقضايا المتعلقة بها حصرًا  ما زاد ثقل قطاع غزّة بالطبع، التّي كانت إدارته معنية مباشرة بملفات الهدنة والمصالحة والمعبر؛ إدارة العلاقة مع فتح  ومصر والاحتلال، لكن من دون الانتقاص من احتفاظ قيادة الخارج،  ورئاسة المكتب السياسي  العام صلاحيات واسعة متضمنة العلاقات الخارجية، والإعلام، والتمويل، وتلقي التبرعات، و استمرت  هذه المرحلة لسبع سنوات تقريبًا وانتهت، مع طيّ حقبة مشعل، وصعود يحيي السنوار قائدًا لقطاع غزّة، ومتحكمًا بملفاتها، حتّى بالحركة عامة، وعودة الثقل القيادي إلى الداخل مرّةً أخرى، ثمّ تكرس الأمر مع انتخاب إسماعيل هنية رئيسّا للمكتب السياسي العام، لأول مرّة من الداخل، ومن قطاع غزّة تحديدًا. 
كان ذلك تعبيرًا صريحًا عن انتقال الثقل القيادي إلى الداخل، ولكن ليس إلى هنية نفسه، الذي عاش تحت عباءة يحيى السنوار لثلاث سنوات تقريبًا، وبقي كذلك حتّى بعد سماح مصر بسفره إلى خارج قطاع غزّة مطلع عام 2020، أي بعد ثلاثة سنوات تقريبًا من انتخابه.

استحوذ السنوار على القرار العام نظرًا لكونه قائد قطاع غزّة والمتحكم بملفاتها الثقيلة، حتّى بعد انتخاب هنية ثمّ خروجه، حينها عمل هنية ممثلًا لقيادة الداخل لا بديلًا عنها، كما أدار هنية بصفته رئيسًا لمكتب حركة حماس السياسي العام، الملفات الخارجية والمال والإعلام، مع الإشارة إلى دور تنظيمي مركزي لنائب رئيس المكتب السياسي العام، ورئيس المكتب السياسي في الضفّة الغربية صالح العاروري، الذي كان فعليًا المسؤول الأول في الخارج، والذي عمل فعليًا هو وهنية نائبين للسنوار، صاحب الكلمة الفصل، والممسك والمتحكم بالقرار السياسي والعسكري والتنظيمي، وكذلك بملف العلاقات الخارجية مع محور إيران وحزب الله،  بعد إنهاء القطيعة معه على خلفية الموقف من الثورات العربية، ونظام بشار الأسد الساقط منذ قرابة عام.

شهدت الدورة الانتخابية الأخيرة 2021-2025 عودةً نسبيةً لمشعل بتكليفه رئاسة المكتب السياسي للخارج، ضمن منطق المثالثة، ولكن من دون تغيير جذري في التوازنات التنظيمية، مع تحكم قيادة الداخل، وممثّليها في الخارج، بالتوجهات والقرارات المركزية للحركة سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا وماليًا.

مثّل "طوفان الأقصى" ذروة قوة قيادة الداخل وتحكمها بقرار الحركة، مع العلم أنّها لم تطرح العملية للدراسة داخل مؤسسات الحركة والمكتب السياسي العام بغرض نقاش تبعاتها وتداعياتها الهائلة، كما قال موسى أبو مرزوق عن حقّ، لكنه مثّل كذلك نقطة الانكسار ومنحنى الهبوط، مع  اغتيال الاحتلال الإسرائيلي معظم قيادات الحركة السياسية والعسكرية، ومن ثمّ إلحاق نكبة بقطاع غزّة، وتدميره تمامًا، واضطرار حركة حماس إلى قبول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيقاف الإبادة الجماعية والمجاعة، حتّى مع فرضها (أي الخطة) وصايةً أجنبيةً على قطاع غزّة المدمّر لسنتين على الأقلّ، وربط إعادة الإعمار والمسار والأفق الساسي وتقرير المصير بتحول الفلسطينيين إلى فنلنديين، بحسب التعبير العنصري لدوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون، لتبرير القبول بخطة "خارطة طريق" جورج بوش الابن، التي تخلى عنها شارون لصالح  فرض الخطوات الأحادية، رغم قبول الشهيد ياسر عرفات بها.
الآن يبدو المشهد الحمساوي شبيهًا بمرحلة ما بعد الانتفاضة الثانية، والاقتتال والانقسام لجهة أفول ثقل قيادة الداخل، كما تعيش الحركة ما يشبه المرحلة الانتقالية، في ظلّ خلافات وتباينات في قراءة التطورات والاستنتاجات المطلوبة منها، والإقرار بأنّ الثقل القيادي عاد إلى لخارج فعلًا، ضمن مخاض عسير لإعادة بناء الحركة التي تواجه تحديات وجودية فعلًا، مع التذكير بنصيحة وزير الخارجية الإيراني السابق حسين عبد اللهيان، بعد الطوفان والحرب، بتغيير وجوه الحركة القيادية. لكن يبدو الواقع الراهن أعقد وأصعب بكثير من مجرد تغيير الوجوه، كي لا تذهب التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني هدرًا لصالح وصاية أجنبية قد تكون مفتوحة على قطاع غزّة، والقضية الفلسطينية عامةً.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط