كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حركة فتح وأزماتها في ظلّ استحقاقات المرحلة

حركة فتح وأزماتها في ظلّ استحقاقات المرحلة

تاريخ النشر: 2021-03-23 | 14:25

د. محسن محمد صالح
د. محسن محمد صالح

أربعة أزمات تعاني منها فتح، يركز عليها هذا المقال، تعكس بظلالها على قدرتها على التعامل المرحلة الخطيرة التي تمر بها قضية فلسطين، وعلى التعامل مع الانتخابات واستحقاقات ترتيب البيت الفلسطيني؛ أولاها الأزمة الداخلية، وثانيها أزمة القيادة، وثالثها أزمة المسار، ورابعها أزمة التفكيك الناعم و"الدولنة".

فقد أعطى قرار فصل قيادة حركة فتح لناصر القدوة عضو لجنتها المركزية منذ 2009، مؤشراً جديداً على الأزمة الداخلية التي تعاني منها الحركة. وقد جاء قرار فصله في 11/3/2021 بعد إصراره على تشكيل قائمة منفصلة عن القائمة الرسمية لفتح، باسم "الملتقى الوطني الديموقراطي"، للمشاركة في انتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية، والتي تضم شخصيات من حركة فتح نفسها وشخصيات وطنية مستقلة. وكان القدوة، وهو ابن شقيقة ياسر عرفات، وعضو المجلس الثوري لفتح منذ 1989، كما تولى تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، وتولى أيضاً منصب وزارة خارجية السلطة الفلسطينية…، قد أكد أنه سيظل "فتحاوياً حتى العظم" وأن قرار فصله كان "تعسفياً"؛ بينما رأت قيادة فتح في سلوكه تمرداً عليها وتشجيعاً لتشرذمها، وإضعافاً لها في اللحظة الحرجة. إذ إن قائمة القدوة تميزت بارتفاع حظوظها في اجتياز نسبة الحسم، والحصول على عدد من المقاعد على حساب القائمة الرسمية لفتح.

ويأتي فصل القدوة، بعد أن سبق لقيادة فتح فصل عضو لجنتها المركزية محمد دحلان الطامح لخلافة عباس، في 11/6/2012، والذي ما زال متمسكاً بفتحاويته، ويمتلك قاعدة عريضة من المؤيدين في الوسط الفتحاوي، وخصوصاً في قطاع غزة. وقد قرر من طرفه النزول في الانتخابات ضمن قائمة أخرى منفصلة عن القائمة الرسمية، للمشاركة في انتخابات المجلس التشريعي.

أما مروان البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لفتح، والرمز الفتحاوي الكبير الذي يعاني من الأسر في سجون العدو وبالحكم بخمسة مؤبدات، فقد أعلن عن توجهه النزول في انتخابات الرئاسة الفلسطينية؛ بخلاف موقف قيادة فتح التي ترشح عباس للمنصب؛ في الوقت الذي يحظى فيه البرغوثي بفرص أقوى، حيث تصب كافة استطلاعات الرأي وطوال السنوات الماضية لصالحه في حالة نزوله لانتخابات الرئاسة.

كما لم يُخفِ نبيل عمرو عضو المجلس الثوري لفتح والمجلس المركزي لمنظمة التحرير، ووزير الإعلام الأسبق في السلطة، رغبته في تشكيل قائمة أخرى، ورأى في ذلك "إضافة نوعية"، لكن المسالة عنده الآن قيد "التداول والبحث".

تعكس هذه الأوضاع ظاهرة قديمة متجددة في فتح؛ التي عانت من العديد من الانشقاقات والترهل في بناها التنظيمية عبر تاريخها. وكان من أبرزها أزمة تنظيم الكويت 1965-1966 التي انتهت بخروج عضوي قيادتها عادل عبد الكريم وعبد الله الدنان، وتمرد أبو عبيدة 1967-1968، وأزمة تنظيم لبنان 1972، وانشقاق عدد من قيادات فتح بقيادة صبري البنا (أبو نضال) وتشكيل حركة فتح "المجلس الثوري" سنة 1974، وانشقاق عدد آخر من قيادات فتح بقيادة أبو موسى ونمر صالح وتشكيل فتح "الانتفاضة".

كما تعرَّضت فتح لهزَّةٍ باعتراض عدد من قياداتها الكبيرة على اتفاق أوسلو، كان من أبرزها فاروق القدومي، وخالد الحسن، وانتقد الاتفاق بقوة هاني الحسن ومحمد غنيم وصخر حبش ومحمد جهاد وعباس زكي. غير أن عرفات الذي وضع ثقله خلف الاتفاق تمكن من استيعاب أو تحييد معظم المعترضين. وفي الاستحقاق الانتخابي الأول للسلطة الفلسطينية لانتخابات المجلس التشريعي سنة 1996، نزلت الكثير من الشخصيات الفتحاوية بشكل مستقل وكمنافسين للقائمة الفتحاوية الرسمية، وتمكن 19 منهم من الفوز بمقاعد في المجلس التشريعي، وانضموا في النهاية لكتلة فتح في المجلس بعد أن فرضوا أنفسهم عليها فرضاً، ليمثلوا نحو ربع أعضاء كتلة فتح.

وقد انعكست الخلفيات الأيديولوجية المختلفة لأعضاء فتح على حالة التماسك الداخلي فيها، كما لعبت الاستحقاقات والمنعطفات التاريخية دورها في تفجير الخلافات، خصوصاً وأن العديد من المنعطفات كان يصحبها تضحيات هائلة وأثمان كبيرة من دماء أبنائها وأبناء الشعب الفلسطيني، كما كانت تؤدي إلى تنازلات سياسية مرفوضة من قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني ومن داخل فتح نفسها. ولأن ثمة هامش حرية واسع داخل فتح، التي سعت لاستيعاب أعداد كبيرة من الفلسطينيين تحت جناحها، فقد أعطى ذلك مجالاً أكبر لعدد من القيادات لتكوين تيارات داخلها، أو لاستخدام سلطاته وصلاحياته في تحشيد الدعم لصالحه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحديد الاتجاهات وصناعة القرار والتموضع القيادي.

وفي السنوات العشر الماضية تمكن رئيس فتح محمود عباس من تحقيق قدر عالٍ من الانضباط الداخلي والتماسك التنظيمي في حركة فتح، ومن علاج العديد من مظاهر الترهل. غير أن ذلك، أدى لانفراده بالزعامة، وأفقد فتح جزءاً من حيويتها القيادية؛ وهو على ما يبدو لم ينجح تماماً عندما تعلق ذلك باستحقاق كبير كالانتخابات التشريعية كما يظهر هذه الأيام.

أزمة القيادة:

وتواجه فتح أزمة ثانية هي أزمة وراثة محمود عباس، الذي بلغ السادسة والثمانين من عمره (مواليد 1935)، والذي تمكن من التحكم بجميع السلطات والصلاحيات، وإضعاف أي منافسين أو "ورثة" محتملين. وبات هناك ثمة مخاوف ألا يتمكن قائد فتح الجديد من ملء الفراغ واستيعاب "قبيلة" فتح بكافة تشابكاتها وتداخلاتها. وثمة أسماء مطروحة مثل محمود العالول وجبريل الرجوب ومروان البرغوثي، ممن لهم رصيد كبير في داخل تنظيم فتح؛ كما أن "التيار الأمني" في السلطة الفلسطينية بقيادة ماجد فرج ومعه حسين الشيخ يلقى دعماً من جهات عربية ودولية، مع تفضيل إسرائيلي للتعامل معه؛ بينما يحاول محمد دحلان وبدعم إماراتي أن يعيد تموضع نفسه ليكون المرشح الأقوى لخلافة عباس. وقد عكس قيام قيادات في فتح بتشكيل قوائم انتخابية خارج القائمة الرسمية جانباً من أزمة فتح القيادية. كما وصل الأمر إلى التهديد بكشف "حقائق" حول اغتيال ياسر عرفات، ليصبح الكشف عن قاتل عرفات أقرب إلى عملية ابتزاز سياسي، منه إلى معرفة الحقيقة بالنسبة إلى قائد تاريخي كبير مثل عرفات.

أزمة المسار الاستراتيجي:

وتبرز أزمة المسار الاستراتيجي كأزمة كبرى ثالثة تواجه حركة فتح، ليس فقط في خياراتها السياسية، وإنما أيضاً في صُلب هويتها ورؤيتها وأهدافها، بغض النظر عن الأدبيات النظرية المتداولة في داخلها. فقد دخلت منذ المجلس الوطني التاسع عشر في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، ثم بشكل أكثر تحديداً وحسماً في اتفاقيات أوسلو 1993، في مرحلة لم يعد ينفع معها لعبة "توزيع الأدوار" التي تجيدها قياداتها؛ وأخذت تتموضع، بشكل لا لبس فيه، في مسار التسوية السلمية، مع تحمّل أوزار التنازل عن معظم فلسطين التاريخية، وإلغاء أو تعطيل الميثاق الوطني الفلسطيني، وتقزيم منظمة التحرير الفلسطينية، لصالح تشكيل سلطة فلسطينية، فشلت في التحول إلى دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تمكن العدو من تحويلها مع الزمن إلى أداة وظيفية تخدم أغراض الاحتلال ومتطلباته الأمنية، أكثر مما تخدم تطلعات الشعب الفلسطيني. كما توفر غطاء لمشاريعه التهويدية والاستيطانية وقمع قوى المقاومة.

وبالتالي قادت الشعب الفلسطيني، من خلال المنظمة والسلطة، إلى مسار مسدود لا يحمل فرص تحقيق الحد الأدنى من البرنامج، الذي دخلت على أساسه مسار التسوية. وفي الوقت نفسه، ما زالت قيادتها تصرّ على مسار التسوية كمسار وحيد، وترفض خيار المقاومة المسلحة والانتفاضة. وهو ما قد يجعل فتح عرضة لأن تتجاوزها المرحلة وتتجاوزها حركة التاريخ، إن لم تقم بمراجعة حقيقية لمساراتها.

التفكيك الناعم:

أما الأزمة الرابعة، فهي أزمة "التفكيك الناعم لفتح" أو "دولنة فتح"، الذي تعرضت له الحركة طوال أكثر من خمسين عاماً من قيادتها لمنظمة التحرير، غير أن حدّتها وتجلياتها الكبرى برزت بعد إنشاء السلطة الفلسطينية سنة 1994. إذ إن “مأسسة” الثورة، واستيعابها في أطر “رسمية” مثّل تحدياً كبيراً لقوة ثائرة؛ تكمن حيويتها وفعاليتها في قدرتها على السير عكس التيار وفرض الوقائع على الأرض، والخروج عن النسق العربي والدولي العام، الذي سعى لاستيعابها وامتصاص طاقتها في أطر بيروقراطية خدمية. ولأن هذا المقال لا يتسع للحديث عما أصاب منظمة التحرير من ضعف وترهل وفساد، فإننا نكتفي بالإشارة إلى أن السلطة الفلسطينية استوعبت معظم قيادات فتح وكوادرها، وارتبطت معيشة نحو 150 الفاً، تضم عائلاتهم نحو مليون شخص بالسلطة ومنظوماتها الأمنية والإدارية، المرتبطة بعجلة الاحتلال. ومع الزمن، بعد أن كان لفتح أبطالها ومقاوموها الذين يصبغونها بصبغتهم الثورية، أخذ يظهر جيل “أبناء دايتون” المرتبط بالتنسيق الأمني واستحقاقاته. وأصبحت “المصلحة” ترتبط بالاستقرار وعدم الدخول في العمل المسلح المقاوم، والاكتفاء بدرجة “مقبولة” من المقاومة الشعبية التي يسهل على الاحتلال التعامل معها. ولم يعد الكثير من عناصر فتح الوطنية والشريفة والذين قدموا التضحيات استشهاداً وجراحاً وأسراً، يجدون في القيادة تعبيراً حقيقياً عن تطلعاتهم. وأصبح اللجوء إلى “التاريخ الجميل” وبطولات جيل التأسيس هو السلاح الذي يستخدمه الكوادر في الدفاع عن فتح ومسارها. مع استخدام لغة اعتذارية تبريرية عن السياسات والمسلكيات الحالية التي يرونها.

أمام هذه الأزمات تدخل حركة فتح استحقاقات الانتخابات الفلسطينية. وهي أزمات لا تنبئ بأداء جيد بالرغم من القاعدة الشعبية الواسعة التي ما زالت فتح تملكها. ولعل بعض قيادات فتح يرغب بتأجيل هذه الاستحقاقات، وفقاً لحسابات فتحاوية داخلية، أو مدفوعاً بضغوط خارجية عربية ودولية وحتى إسرائيلية؛ لكن ما هو أهم أن تقوم فتح بمراجعة مساراتها مراجعة جادة، مع الإصرار على متابعة إصلاح البيت الفلسطيني وترتيبه، لأن إصلاحه هو بحد ذاته إسهامٌ رئيسٌ في إصلاح فتح نفسها.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط