كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حروب الإمبراطورية الأمريكية… هزائم بطعم الانتصار

حروب الإمبراطورية الأمريكية… هزائم بطعم الانتصار

تاريخ النشر: 2026-03-10 | 20:25

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأكثر نفوذاً في النظام الدولي، مستندة إلى تفوق اقتصادي وعسكري وتكنولوجي هائل. غير أن هذه المكانة لم تتجسد فقط في قيادة العالم نحو التقدم والتعاون، بل ارتبطت أيضاً بسلسلة طويلة من الحروب والتدخلات العسكرية التي امتدت من أمريكا اللاتينية إلى آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وفي كثير من تلك الحروب بدا المشهد وكأن الولايات المتحدة تحقق انتصاراً عسكرياً، لكنها في الحقيقة كانت تغادر ساحات الصراع بخسائر سياسية وأخلاقية واستراتيجية عميقة، حتى بات يمكن وصف العديد من تلك الحروب بأنها هزائم بطعم الانتصار.
ففي أمريكا اللاتينية دعمت واشنطن، خلال عقود الحرب الباردة، انقلابات عسكرية أطاحت بحكومات منتخبة كما حدث في تشيلي عام 1973، حين أُسقطت حكومة الرئيس سلفادور أليندي. وفي آسيا خاضت الولايات المتحدة واحدة من أطول حروبها في فيتنام، حيث انتهت الحرب عام 1975 بانسحاب أمريكي ترك جرحاً عميقاً في الوعي الأمريكي والعالمي، رغم ما امتلكته واشنطن من تفوق عسكري ساحق.
وتكرر المشهد ذاته في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة. فالحرب على العراق عام 2003، التي رُفعت شعاراتها تحت عنوان إزالة أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية، انتهت إلى تفكيك الدولة العراقية وإشعال صراعات داخلية طويلة الأمد، بينما لم يتحقق الاستقرار الذي بُررت به الحرب. وكذلك الأمر في أفغانستان، حيث انتهت أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة بانسحاب عسكري عام 2021 بعد عشرين عاماً من القتال، في مشهد أعاد إلى الأذهان نهاية حرب فيتنام.
هذه الوقائع تكشف حقيقة مهمة في التاريخ المعاصر: القوة العسكرية الهائلة لا تكفي لصناعة الاستقرار أو فرض الشرعية السياسية. فالشرعية لا تُصنع بالقوة، بل تُبنى على العدالة واحترام إرادة الشعوب وحقوقها في الحرية والاستقلال.
وفي السنوات الأخيرة عاد الشرق الأوسط ليكون مسرحاً لتجليات جديدة لهذه المفارقة. فالحرب المدمرة على غزة، بما خلفته من دمار واسع وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، كشفت مرة أخرى حدود الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني. لقد تابع العالم بأسره هذه المأساة الإنسانية بينما ظل الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل ثابتاً، الأمر الذي عمّق الشعور العالمي بازدواجية المعايير في تطبيق مبادئ العدالة الدولية.
إن استمرار هذه الحرب دون أفق سياسي عادل لا يهدد فقط حياة المدنيين في غزة، بل يفتح الباب أمام مزيد من التوتر والانفجار في المنطقة بأسرها، لأن القضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية هامشية، بل كانت وما تزال جوهر الصراع في الشرق الأوسط ومفتاح استقراره الحقيقي.
وفي الوقت ذاته تتصاعد التوترات مع إيران في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات الجيوسياسية مع التوازنات الدولية الكبرى. إن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران لن تكون حرباً محدودة، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي واسع يهدد أمن الشرق الأوسط واستقرار الاقتصاد العالمي، ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من الفوضى وعدم اليقين.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى في السياسات الأمريكية: فالقوة العسكرية الضخمة التي تمتلكها واشنطن لم تستطع حتى الآن أن تصنع نظاماً إقليمياً مستقراً أو سلاماً دائماً في الشرق الأوسط. بل إن كثيراً من الحروب التي خيضت باسم الاستقرار انتهت إلى نتائج معاكسة، حيث تعمقت الانقسامات وتفاقمت الأزمات.
إن السؤال الذي يطرحه كثير من شعوب العالم اليوم لم يعد مجرد سؤال سياسي عابر، بل أصبح سؤالاً أخلاقياً وتاريخياً: متى تتوقف هذه القوة العظمى عن صناعة الحروب، ومتى تدرك أن العالم لم يعد يقبل بمنطق الإمبراطوريات؟
لقد بدأ النظام الدولي يشهد بالفعل تحولات عميقة نحو تعددية قطبية، حيث تتصاعد قوى دولية وإقليمية جديدة، وتتنامى مطالب الشعوب باحترام سيادتها وحقوقها. وفي ظل هذه التحولات يصبح من الضروري إعادة التفكير في طبيعة العلاقات الدولية، بعيداً عن منطق الهيمنة والصراع.
وفي قلب هذا المشهد تبقى القضية الفلسطينية الاختبار الأخلاقي الأكبر للنظام الدولي بأسره. فبدون حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، سيظل الشرق الأوسط يعيش في دائرة مفتوحة من التوتر وعدم الاستقرار.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى حروب جديدة بقدر ما يحتاج إلى حكمة سياسية جديدة تعترف بأن الأمن الحقيقي لا يُصنع بالقوة العسكرية وحدها، بل بالعدالة واحترام حقوق الشعوب وبناء نظام دولي أكثر توازناً وإنصافاً.
وعندما تدرك الولايات المتحدة أن قيادة العالم لا تعني السيطرة عليه، بل المشاركة في صنع سلام عادل يحفظ كرامة الإنسان وحقوق الأمم، عندها فقط يمكن أن تتوقف حروب الإمبراطوريات، ويبدأ عصر جديد يكون فيه السلام العادل أقوى من منطق القوة، والإنسانية أسمى من شهوة النفوذ والهيمنة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط