كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حروب نصرالله النفسية ومقايضة الطيونة بالمرفأ

حروب نصرالله النفسية ومقايضة الطيونة بالمرفأ

تاريخ النشر: 2021-10-24 | 19:34

غالباً ما ينجح زعيم حزب الله في حسم معاركه دون أن يخوضها. غالبية المعارك يحسمها بخطاب. سرعة حسم المعركة مرتبط بحدة نبرة الصوت وقياس مدى هدوئه وغضبه وحزمه. وغالباً ما يضاعف من وقع وتيرة وسرعة الحسم، رفع حركة رفع إصبعه الشهيرة الى الأعلى والأسفل مرفوقة بعبارات التهديد والوعيد. ومن رفع الإصبع وتحريكه تنطلق الرسائل غير المشفّرة بالإتجاهات المطلوبة ليتأمّن الإنصياع والإصطفاف ضمن أطراف المنظومة وفقاً لمشيئة إصبع زعيم حزب الله.

ما تقدّم أعلاه، لا يشكل مدحاً ولا قدحاً بحسن نصرالله. إنه توصيف وقائع الحال في سياقات الحروب النفسية التي يعتمدها الرجل. وكأنّ هذه الحروب النفسية باتت عند نصرالله علماً منفصلاً عن علم النفس او علم الإجتماع السياسي ومتصلاً بأسلوب الخطابة على أزيز الرصاص وصليات الصواريخ.

وتبدو عدة شغل نصرالله النفسية متوازية مع استراتيجيات السيطرة والهيمنة والتغوّل على الآخرين بهدف تخضيعهم وترضيخهم لمشيئته ضمن مشروع أيرنة لبنان، تحت شعار "حمايتهم من أنفسهم" ومن دون أن تجد من يطوّعها ويستثمرها أحد بقدر ما أسهب نصرالله في الافادة منها ولمّا يزل.

صحيح أنّ وقائع لبنان السابقة، أثبتت أن سلاح نصرالله كان محلّ إعجاب اللبنانيين والعرب عندما كان يستخدمه في الحرب النفسية مع اسرائيل في سياق ما يعتبره ردعاً يمنع اسرائيل من محاولة التفكير في الإعتداء على لبنان. سوء تقدير نصرالله وخطأ حساباته جعله يعتقد أن حروبه النفسية التهويلية هذه تحافظ على ذات الإعجاب به عندما يستخدم أسلحته النفسية وغير النفسية في الداخل اللبناني والدواخل العربية.

بعض الوقائع المستجدة بيّنت أن صواريخ نصرالله النفسية قد بهتت وفرغت من مضامينها ومفاعيلها في الحسم السريع. وعلى سبيل المثال يفيد التذكير بأن أحداث الحزب مع عشائر عرب خلدة والتي انتهت بحوادث دامية، كشفت عن رفض العشائر محاولات حزب نصرالله المستمرة في إخضاعهم وترهيبهم ودفعهم من خلال توتيرهم الى الوقوع بفخ التصدي لتجاوزات بعض الحزبلّاهيين. وهو التصدي الذي تمكّن نصرالله من لجمه عبر تظاهره بالاحتكام لسلطة الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية التي حكمت بالسجن على شباب خلده بمدد تتراوح بين ثمانية وخمسة عشر عاماً، وطبعاً من دون توقيف متسبّب واحد من الحزب في حادثة خلدة.

كما إن حادثة أهالي شويا مع راجمة صواريخ الحزب ومقاوميه بيّنت حجم المساس بهيبة الحزب واستعداد الناس للتجرؤ على ما كان يعتبر يوماً من المقدسات لديهم. وأخيراً بيّنت واقعة الطيونة حجم المفاجأة الصادمة التي تلقاها الثنائي الشيعي وخصوصاً حزب الله والتي انتهت بسبب المغالاة في التهويل بفائض القوة الى مقتلة مؤسفة يحاول التحقيق العسكري فك شفرتها وسط تعدّد الروايات الأمنية والعسكرية فضلا عن روايات وتجاذبات الأطراف المعنية بها.

المتفحّص لهذه الحوادث اللافتة يكتشف ضيق ذرع الناس من سياسات حزب الله المنطلقة من فوائض القوة السياسية والحربية والنفسية والتي قوّضت حياة اللبنانيين ومستقبلهم، وذهبت بهم وباقتصادهم الى الجحيم وما بعد فنزويلا. سيّما وأن هذه السياسات لطالما انتصبت على المعادلة التخادمية غير السحرية بين حزب الله وحلفائه في منظومة الحكم والفساد والنيترانيوم، وخصوصاً شريكه في تفاهم مار مخايل التيار الوطني الحر ووريثه جبران باسيل.. "غطوا على سلاحنا نغطي على فسادكم" أو "غطوا على فسادنا نغطي على سلاحكم".

وكما تنبّه نصرالله الى انتهاء مفاعيل حروب ايران النفسية وصواريخها الصوتية القادرة على تدمير اسرائيل خلال 7 دقائق ونصف، بدليل سحبها من التداول بلسان قائد الحرس الثوري بحجة أن الظروف غير مؤاتية. يبدو أنه تنبّه أيضاً الى انتهاء مفاعيل حروبه النفسية في الداخل اللبناني خصوصاً بعد حادثة الطيونة التي سقط فيها عدة قتلى وعشرات الجرحى للثنائي الشيعي غالبيتهم من حركة أمل في سياق مظاهرة هادفة لتنحية المحقق العدلي في إنفجار مرفأ بيروت طارق بيطار.

إنّها المظاهرة التي تولّى نصرالله شخصياً التعبئة والحشد لها، ميدانياً، في الشارع. وسياسياً، في مجلس الوزراء الذي بات انعقاده معلقاً على خشبة تنحية المحقق العدلي طارق البيطار، حيث تؤكد مواقف قادة حزب الله أن استمراره في مهامه التحقيقية بانفجار المرفأ يشكل خطراً وجودياً على حزب الله أين منه خطر داعش والإرهاب التكفيري كما يسميه نصرالله الذي يبدو أنه اكتسب خبرة ومناعة مضاعفة من معمودية المحكمة الدولية باغتيال الحريري، فتظاهر بعدم الخوف والقلق من اقتراب حبل التحقيق من عنق حزب الله، وأعلن أنّ الخوف وما بعد القلق هو على رئيس الحكومة السابق المسكين والمستضعف حسّان دياب. وربّ متسائل بخبث عن موقف نصرالله فيما لو كان المستضعف هو فؤاد السنيورة!

رغم هذا لم ينح نصرالله صواريخه النفسية جانباً، بل عمد الى إطلاق صلية نادرة وغير مسبوقة منها في تاريخ المقاومة ضد اسرائيل، أو في معاركه الإقليمية المتمادية من سوريا الى سدّ مأرب. ولأنّ لسان نصرالله يمثل كل حزب الله السياسي ونصفه العسكري اضطر في سياق الحرب النفسية ضد خصوم الداخل وحلفائه معاً من باب حصر التصويب بالقوات اللبنانية ورئيسها دون تسميته الى البوح بأغلى أسرار الحزب الثمينة والمجاهرة بامتلاك 100 ألف مقاتل "لو أشير لهم على الجبال لأزالوها".

وبقدر ما يستظهر رقم الـ 100 ألف مقاتل الذي كشفه نصرالله تغوّلاً في القوة من باب عدم التهديد بالحرب الداخلية، لتكون رادعاً لكل من تسوّل له نفسه التفكير بها، بقدر ما يستبطن تهديداً بالحرب واستعداداً لخوضها، ليس ضد القوات اللبنانية وحدها بل وضد كل من سواها، وضمنهم حليفه القوي ميشال عون بسبب عدم مجاراته ووريثه جبران باسيل في معركته الوجودية وعنوانها المركزي الإطاحة بالمحقق العدلي.

وقد أجاز نصرالله لحزبه التحالف الانتخابي مع عدوه المستجد القوات اللبنانية في اطار التحالف الرباعي، ويومها نظم نصرالله قصيدة عشق بالـ 10452 كلم2 لم يسبقه اليها مؤسّس القوات وقائدها الأول بشير الجميل. انها مقتضيات مصلحة المصلحة الحزبلّاهية يومها، وقد حلّلها نصرالله لنفسه وحزبه ونفذها بسلطته الاستنسابية من دون أن يخبرنا في مضبطته الإتهامية ضد جعجع، كيف أصبح حليف الأمس القواتي عدو اليوم الجديد. وهذا السؤال برسم كل خصوم وحلفاء حزب نصرالله على السواء.

السائد، أن أمين عام حزب الله لا يطلق كلامه على عواهنه، فالنص الصامت عادة ما يفضح بين أحرف الكلمات ما في الصدور، وليس بين السطور فقط، ما يستبطنه النص الناطق. لكن الذي دفع زعيم حزب الله الى كشف سرّ عديد قواته هو استشعاره لخطورة التجرؤ المتكرر عليه والنيل من هيبته التي بُنيت بفوائض الاحترام ثم تبخّرت، ويريد نصرالله اليوم تثبيتها بفوائض القوة على الجميع وضمناً الجيش اللبناني، الذي لا يحتاج لأكثر من نصف بيان وليس خطاب حتى ينقسم ألوية مناطقية ومذهبية عرفها الجيش في محطات كثيرة لعلّ آخرها في عهد الحكومة العسكرية برئاسة ميشال عون، وعندها ربما يتصدر المنبر رئيس المجلس التنفيذي بالحزب هاشم صفي الدين ليحدثنا بتفاصيل أكثر عن المديات التي بلغتها معركة استئصال النفوذ الأميركي في أجهزة الدولة والجيش خاصة، ما قد يدفع الحزب الى فرزها وتصنيفها وتقسيمها ثم تطهيرها من دنس الأميركيين والبيطاريين.

لهذا فرقم الـ 100 ألف مقاتل الذي فرّط به نصرالله من باب التهويل على سمير جعجع، هو في استهدافاته الأساسية رسالة بالبريد السريع للاميركيين (الذين أحيوا بالأمس ذكرى مقتلة المارينز الشهيرة في بيروت) مفادها بأن عليهم تفحّص وضعهم جيداً وإعادة النظر بخططهم التي كلما أراد نصرالله شدّ عصب محلول في مكان ما من بيئته الأساسية والواسعة لجأ الى رفع خطاب المواجهة مع "الشيطان الأكبر" عند اللزوم، والعمل على إخراجه من المنطقة تارة بالثأر لقاسم سليماني وطوراً لفك الحصار عن سوريا ولبنان.

لكن نصرالله لا ولم ينبث ببنة شفة حيال التخادم الأميركي الإيراني (المنطلق منذ غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما) والمستمر في بورصة الرقصات النووية والجاحظ حتى للعميان في التحالف الدولي ضد داعش. وكلنا يعلم أنه ما كان لجحافل قاسم سليماني أن تغزو أي مدينة عراقية إلّا برعاية الأميركيين وتحت حماية الأباتشي الاميركية.

وسط هذه المشهدية من حروب نصرالله النفسية يتعقد المشهد اللبناني المنقسم حول المحقق العدلي بانفجار مرفأ بيروت وأحداث الطيونة، وجديدها ما يروّج عن استدعاء القضاء العسكري لجعجع الذي ربط مثوله أمام سكري لجعجع الذي ربط مثوله أمامهالقضاء بمثول نصرالله شخصياً. هذا الإنقسام المعزّز بتنظيم نصرالله مضبطة اتهام سياسي قضائي ضد جعجع، وشى وكأنّ عناصر المقايضة بين تفجير المرفأ وواقعة الطيونة قد اكتملت فهل تنجز الصفقة؟ أم يكون لمواقف خصوم حزب الله وخصوصاً البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي أكد الحرص على أن تشمل التحقيقات جميع الأطراف لا طرفاً واحداً كأنّه هو المسؤول عن الأحداث" مساراً آخر.

الحكومة في كوما النأي بالنفس، ومفاعيل صهاريج المازوت تبخّرت ودخلت بورصة البزنس، والأيام القليلة المقبلة حبلى بالتطورات، فلننتظر..

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط