كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حُرِّيَّةُ الإنسانِ لا تُسقِطُ حقَّ الآخرِ

حُرِّيَّةُ الإنسانِ لا تُسقِطُ حقَّ الآخرِ

تاريخ النشر: 2026-08-17 | 14:29

د. رافع خيري حلبي
د. رافع خيري حلبي

تقومُ الحُرِّيَّةُ في جَوهرِها على الاعترافِ بالإنسانِ بوصفِهِ كائنًا قادرًا على الاختيارِ والإرادةِ وتحملِ نتائجِ أفعالِهِ، غيرَ أنَّ هذا الاعترافَ لا يكتسبُ قيمتَهُ الأخلاقيّةَ والإنسانيّةَ إلّا حينَ يقترنُ بالاعترافِ بالآخرِ بوصفِهِ كائنًا متمتّعًا بالكرامةِ والحقِّ والإرادةِ، فالحُرِّيَّةُ الّتي تُثبتُ ذاتَها بإلغاءِ حُرِّيَّةِ غيرِها لا تكونُ حُرِّيَّةً في معناها الإنسانيِّ الرّفيعِ، وإنّما تتحوّلُ إلى صورةٍ من صورِ الهيمنةِ، ولو اتّخذتْ في ظاهرِها لغةَ الحقوقِ والشّعاراتِ، ومن هنا فإنَّ السّؤالَ الحقيقيَّ ليسَ: هل الإنسانُ حرٌّ؟ وإنّما: كيفَ يمارسُ الإنسانُ حُرِّيَّتَهُ من غيرِ أن يحوّلَها إلى اعتداءٍ على حُرِّيَّةِ غيرِهِ؟ وهذه النّقلةُ في السؤالِ تنقلُ مفهومَ الحُرِّيَّةِ من المجالِ الفرديِّ الضيّقِ إلى المجالِ الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ والإنسانيِّ الأوسعِ، إذ إنَّ الإنسانَ لا يعيشُ في فراغٍ، ولا يمارسُ اختياراتِهِ في عالمٍ يخلو من الآخرينَ، بل يوجدُ داخلَ شبكةٍ من العلاقاتِ والحقوقِ والواجباتِ والمصالحِ المتبادلةِ، ولذلكَ فإنَّ كلَّ ممارسةٍ للحُرِّيَّةِ تتركُ أثرًا، مباشرًا أو غيرَ مباشرٍ، في المجالِ الّذي يشتركُ فيهِ الإنسانُ مع غيرِهِ، وهنا تتجلّى إحدى أهمِّ القواعدِ الّتي ينبغي أن يقومَ عليها الفهمُ القرآنيُّ للحُرِّيَّةِ: أنَّ حقَّ الإنسانِ في الاختيارِ لا يمنحُهُ حقَّ إلغاء اختيارِ الآخرِ، وأنَّ حُرِّيَّةَ الذّاتِ لا تتحوّلُ إلى رخصةٍ لسلبِ حقوقِ الآخرينَ، فليسَ من الاتّساقِ الأخلاقيِّ أن يُطالبَ الإنسانُ لنفسِهِ بحقٍّ ثمَّ ينكرهُ على غيرِهِ، وليسَ من العدلِ أن يعتبرَ حُرِّيَّتَهُ حقًّا أصيلًا، بينما ينظرُ إلى حُرِّيَّةِ المختلفِ عنهُ باعتبارِها خطأً أو انحرافًا أو تهديدًا لمجرّدِ أنَّها لا تنسجمُ مع رؤيتِهِ الخاصّةِ.

 إنَّ الحُرِّيَّةَ، بهذا المعنى، لا تعني أنَّ الإنسانَ يمتلكُ الآخرَ أو يفرضُ عليهِ صورةً واحدةً للحياةِ أو الفكرِ أو الاختيارِ، وإنّما تعني أنَّ الإنسانَ يملكُ مجالًا مشروعًا لإرادتِهِ، على أن يبقى هذا المجالُ منضبطًا باحترامِ المجالِ المشروعِ للآخرِ، ومن هنا فإنَّ الحدودَ الأخلاقيّةَ للحُرِّيَّةِ لا تُفهمُ بوصفِها قيدًا تعسّفيًّا على الإنسانِ، بل بوصفِها الضمانةَ الّتي تمنعُ الحُرِّيَّةَ من أن تنقلبَ إلى قوّةٍ تستعبدُ غيرَها، ويؤسّسُ القرآنُ الكريمُ لهذا المعنى من خلالِ تأكيدِه عدمَ جوازِ إكراهِ الإنسانِ في المجالِ الّذي يتعلّقُ بالاعتقادِ والاختيارِ الدّاخليِّ، فيقولُ سُبحانهُ تَعالى:

 ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرةِ: 256].

 لا ينبغي أن تُقرأَ هذه الآيةُ قراءةً ضيّقةً تفصلُها عن فلسفةِ الإنسانِ الّتي يؤسّسُ لها القرآنُ، فهي لا تكتفي بإعلانِ نفيِ الإكراهِ، بل تضعُ أساسًا عميقًا لفهمِ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والحقِّ، إذ إنَّ الإيمانَ الّذي يُفرضُ بالقهرِ يفقدُ جوهرَهُ الأخلاقيَّ، لأنَّ الاعتقادَ فعلٌ يتعلّقُ بالوعيِ والقناعةِ والإرادةِ، وهذه لا تُنتَجُ بالقسرِ، وحينَ يُلغى الاختيارُ الداخليُّ للإنسانِ، تتحوّلُ العلاقةُ بالدّينِ من قناعةٍ واعيةٍ إلى استجابةٍ مفروضةٍ، وهو ما يناقضُ طبيعةَ التّكليفِ الأخلاقيِّ الّذي يفترضُ وجودَ إرادةٍ قادرةٍ على الاختيارِ، والأهمُّ من ذلكَ أنَّ نفيَ الإكراهِ لا يعني مجرّدَ الامتناعِ عن استعمالِ القوّةِ، بل يؤسّسُ لثقافةٍ أعمقَ قوامُها الاعترافُ بإنسانيّةِ الآخرِ وحَقِّهِ في أن يكونَ صاحبَ قرارٍ في المجالِ الّذي يتعلّقُ بضميرِهِ وقناعتِهِ واختيارِهِ، ومن ثمَّ فإنَّ احترامَ حُرِّيَّةِ الآخرِ لا يُمثّلُ موقفًا ثانويًّا في البناءِ الأخلاقيِّ، بل هو جزءٌ من صميمِ الاعترافِ بكرامةِ الإنسانِ، غيرَ أنَّ الاعترافَ بحُرِّيَّةِ الآخرِ لا يعني أنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يجعلَ من الحُرِّيَّةِ ذريعةً للاعتداءِ أو الإضرارِ أو إفسادِ المجالِ العامِّ، فالقرآنُ الكريمُ يربطُ ممارسةَ الإنسانِ لأفعالِهِ بمسؤوليّتِهِ عن آثارِها، ويضعُ قاعدةً جامعةً في قولهِ سُبحانَهُ تعالى:

 ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدةِ: 32].

 إنَّ هذه الآيةَ تكشفُ عن بُعدٍ بالغِ العمقِ في فلسفةِ العلاقةِ بينَ الفردِ والجماعةِ، فالإنسانُ لا يُنظرُ إليهِ باعتبارِهِ وحدةً منفصلةً عن القيمةِ الإنسانيةِ العامّةِ، وإنّما تُصبحُ حُرمةُ الفردِ متّصلةً بحرمةِ الإنسانِ من حيثُ هو إنسانٌ، ولذلكَ فإنَّ الاعتداءَ على الآخرِ ليسَ مجرّدَ فعلٍ يقعُ في دائرةِ علاقةٍ ثنائيّةٍ بينَ شخصينِ، بل يمكنُ أن يتحوّلَ إلى اعتداءٍ على المبدئِ الّذي يحمي الوجودَ الإنسانيَّ كلَّهُ، ومن هنا يظهرُ الفرقُ الجوهريُّ بينَ الحُرِّيَّةِ والمسؤوليّةِ، فالحُرِّيَّةُ تمنحُ الإنسانَ مجالَ الاختيارِ، أمّا المسؤوليّةُ فتجعلهُ واعيًا بأنَّ اختيارَهُ لا يحدثُ في فراغٍ، وأنَّ لكلِّ فعلٍ أثرًا قد يمتدُّ إلى الآخرينَ، ولذلكَ لا يكونُ الإنسانُ حرًّا لأنَّهُ يستطيعُ أن يفعلَ كلَّ ما يريدُ، وإنّما يكونُ حرًّا حينَ يمتلكُ القدرةَ على الاختيارِ، والوعيَ بنتائجِ اختيارِهِ، والاستعدادَ لتحمّلِ تبعاتِهِ الأخلاقيّةِ والاجتماعيّةِ، وهذا الفهمُ يحرّرُ مفهومَ الحُرِّيَّةِ من تصوّرٍ فردانيٍّ مغلقٍ يجعلُ الإنسانَ مركزَ العالمِ الوحيدَ، بحيثُ لا يرى في الآخرينَ إلّا عوائقَ أمامَ رغباتِهِ، فالإنسانُ، في الرؤيةِ القرآنيّةِ، ليسَ كائنًا معزولًا عن غيرِهِ، وإنّما هو جزءٌ من نسيجٍ إنسانيٍّ متكاملٍ، تتداخلُ فيهِ الحقوقُ والمصالحُ والواجباتُ، ومن ثمَّ فإنَّ صيانةَ حُرِّيَّةِ الآخرِ ليْسَتْ فضلًا يتكرّمُ بهِ الإنسانُ عليهِ، وإنّما هي مقتضًى منطقيٌّ وأخلاقيٌّ للاعترافِ بالحُرِّيَّةِ ذاتِها.

 إنَّ الإنسانَ الّذي يقولُ: «أنا حرٌّ» ثمَّ يرفضُ أن يكونَ الآخرُ حرًّا كَمِثلِهِ، يقعُ في تناقضٍ عميقٍ مع المبدأِ الّذي يدّعي الدفاعَ عنهُ، لأنَّهُ لا يدافعُ عن الحُرِّيَّةِ بوصفِها قيمةً إنسانيّةً عامّةً، وإنّما يدافعُ عن امتيازِهِ الخاصِّ، والحُرِّيَّةُ لا تتحوّلُ إلى قيمةٍ إلّا حينَ تكونُ قابلةً للتّعميمِ، أي حينَ أقبلُ المبدأَ نفسَهُ للآخرِ كما أقبلُهُ لنفسي، حتّى عندما يكونُ الآخرُ مختلفًا عنّي في الرأيِ أو الثّقافةِ أو المعتقدِ أو الانتماءِ، وهنا تبرزُ العلاقةُ الوثيقةُ بينَ الحُرِّيَّةِ والتّنوّعِ، فالتّنوّعُ الإنسانيُّ ليسَ خللًا ينبغي محوُهُ، ولا عارضًا تاريخيًّا ينبغي القضاءُ عليهِ، وإنّما هو جزءٌ من طبيعةِ الاجتماعِ البشريِّ، ولذلكَ فإنَّ المجتمعَ الّذي لا يستطيعُ أن يستوعبَ الاختلافَ لا يستطيعُ، في الحقيقةِ، أن يؤسّسَ لحُرِّيَّةٍ حقيقيّةٍ، لأنَّ الحُرِّيَّةَ الّتي لا تحتملُ الاختلافَ ليْسَتْ إلّا حُرِّيَّةَ طرفٍ واحدٍ في فرضِ رؤيتِهِ على الأطرافِ الأخرى، ومن أخطرِ الانحرافاتِ الّتي تُهدّدُ هذا المعنى أنْ يتحوّلَ الاختلافُ من ظاهرةٍ طبيعيّةٍ في الحياةِ الإنسانيّةِ إلى مبرّرٍ لنزعِ الشّرعيّةِ الأخلاقيّةِ عن الآخرِ، تبدأُ المشكلةُ حينَ يعتقدُ الإنسانُ أنَّ امتلاكَهُ للحقيقةِ يمنحُهُ الحقَّ في امتلاكِ الآخرِ، ثمَّ ينتقلُ من رفضِ الفكرةِ إلى رفضِ صاحبِها، ومن نقدِ الرأيِ إلى إدانةِ الإنسانِ، ومن إدانةِ الإنسانِ إلى إقصائِهِ، وقد يصلُ الأمرُ، في أشدِّ صورهِ انحرافًا، إلى تبريرِ العنفِ ضدَّهُ، وهنا يلتقي هذا المبدأُ بصورةٍ مباشرةٍ مع نقدِ الفكرِ المتطرّفِ، إذ إنَّ التّطرّفَ لا يبدأُ بالضّرورةِ من ممارسةِ العنفِ، بل قد يبدأُ من احتكارِ الحقيقةِ وإلغاء حقِّ الآخرِ في الاختلافِ، فعندما يتحوّلُ الاعتقادُ الشّخصيُّ إلى معيارٍ مطلقٍ للحكمِ على البشرِ، يصبحُ المختلفُ أقلَّ قيمةً في نظرِ صاحبهِ، ثمَّ يصبحُ وجودُهُ نفسُهُ موضعَ شكٍّ أو رفضٍ، ومن هنا يكونُ الدّفاعُ عن حُرِّيَّةِ الآخرِ أحدَ أهمِّ الحواجزِ الأخلاقيّةِ في وجهِ التّطرّفِ، لأنَّهُ يمنعُ الإنسانَ من تحويلِ قناعتِهِ إلى سلطةٍ على ضميرِ غيرِهِ ووجودِهِ، ولا يعني هذا أنَّ احترامَ حُرِّيَّةِ الآخرِ يفرضُ علينا قبولَ كلِّ أفكارِهِ أو الموافقةَ على كلِّ اختياراتِهِ، فهناكَ فرقٌ جوهريٌّ بينَ احترامِ حقِّ الإنسانِ في الاختيارِ وبينَ الموافقةِ على مضمونِ كلِّ اختيارٍ، ويستطيعُ الإنسانُ أن يرفضَ فكرةً، وأن يناقشَ معتقدًا، وأن ينتقدَ موقفًا، وأن يُحاججَ رأيًا، من غيرِ أن يحوّلَ هذا الرّفضَ إلى انتقاصٍ من كرامةِ صاحبِهِ أو سلبٍ لحقِّهِ في الوجودِ والاختيارِ، وهذه المسافةُ بينَ نقدِ الفكرةِ وإلغاء الإنسانِ هي من أهمِّ المسافاتِ الّتي ينبغي أن يحافظَ عليها الوعيُ الأخلاقيُّ.

عليهِ، فإنَّ الحُرِّيَّةَ لا تُقاسُ فقطَ بمقدارِ ما تمنحُهُ للإنسانِ من قدرةٍ على الاختيارِ، وإنّما تُقاسُ كذلكَ بمقدارِ ما تمنعُهُ من تحويلِ هذه القدرةِ إلى اعتداءٍ على الآخرينَ، فالحُرِّيَّةُ الّتي تحمي الفردَ من الاستبدادِ يجبُ أن تحمي الآخرَ أيضًا من استبدادِ الفردِ، والحُرِّيَّةُ الّتي ترفضُ أن تفرضَ السّلطةُ رأيًا على الإنسانِ ينبغي ألّا تسمحَ للإنسانِ نفسِهِ بأن يتحوّلَ إلى سلطةٍ قاهرةٍ على غيرِهِ، ومن هنا يمكنُ القولُ إنَّ حُرِّيَّةَ الإنسانِ لا تكتملُ إلّا داخلَ فضاءِ الحُرِّيَّةِ الإنسانيّةِ المشتركةِ، فأنا لا أحمي حُرِّيَّتي عندما أمنعُ الآخرَ من حُرِّيَّتِهِ، بل أضعُ الأساسَ النّظريَّ والأخلاقيَّ لانهيارِها، لأنَّ المبدأَ الّذي أسمحُ لنفسي بانتهاكِهِ في حقِّ غيري يمكنُ أن يتحوّلَ غدًا إلى أداةٍ لانتهاكِ حقّي أنا، أمّا حينَ أجعلُ احترامَ الآخرِ قاعدةً ثابتةً، فإنَّني لا أحمي حُرِّيَّتَهُ فحسبُ، بل أحمي الإطارَ الإنسانيَّ الّذي يجعلُ حُرِّيَّتي ممكنةً ومستدامةً، وهذا هو المعنى الأعمقُ للتّوازنِ بينَ الحُرِّيَّةِ والمسؤوليّةِ: أن أكونَ حرًّا دونَ أن أجعلَ من حُرِّيَّتي عبوديّةً لغيري، وأن أمارسَ اختياري دونَ أن أحوّلَ اختياري إلى إكراهٍ للآخرِ، وأن أدافعَ عن حقي دونَ أن أنكرَ حقَّ غيري، فالحُرِّيَّةُ الّتي تُنتجُ الإقصاءَ تناقضُ غايتَها، والحُرِّيَّةُ الّتي تُنتجُ الهيمنةَ تفقدُ مضمونَها، أمّا الحُرِّيَّةُ الّتي تتأسّسُ على الكرامةِ المتبادلةِ، فإنّها تتحوّلُ إلى قوّةٍ لبناءِ الإنسانِ والمجتمعِ.

  لا يعودُ الآخرُ عائقًا أمامَ حُرِّيَّتي، بل يصبحُ وجودُهُ واختلافُهُ جزءًا من المجالِ الّذي تُختبرُ فيهِ أخلاقيّةُ حُرِّيَّتي، فليسَ الاختبارُ الحقيقيُّ للحُرِّيَّةِ أن أمارسَها عندما يكونُ الآخرُ موافقًا لي، وإنّما أن أحافظَ على حقِّهِ عندما يكونُ مختلفًا عنّي، وليسَ الإنسانُ حرًّا حقًّا حينَ يطلبُ من الآخرينَ أن يتركوهُ وشأنَهُ فقطَ، بل حينَ يكونُ مستعدًّا هو أيضًا لتركِ الآخرينَ أحرارًا في المجالِ الّذي جعلهُ اللهُ تعالى لهم، ومن هذا المنظورِ، تصبحُ الحُرِّيَّةُ في الرّؤيةِ القرآنيّةِ ليستْ مجرّدَ حقٍّ فرديٍّ، بل أمانةً أخلاقيّةً ومسؤوليّةً إنسانيّةً، لأنَّ الإنسانَ حينَ يُمنحُ القدرةَ على الاختيارِ لا يُمنحُ معها حقَّ إلغاء الإنسانِ الآخرِ، إنَّ حُرِّيَّتي تبدأُ من الاعترافِ بذاتي، لكنّها لا تكتملُ إلّا بالاعترافِ بغيري، ومسؤوليّتي لا تبدأُ فقطَ من نتائجِ أفعالي على نفسي، بل تمتدُّ إلى ما تُحدثُهُ أفعالي في حياةِ الآخرينَ، وعندَ هذه النّقطةِ تحديدًا تتكاملُ الحُرِّيَّةُ مع العدلِ، والعدلُ مع الكرامةِ، والكرامةُ مع التّعايشِ، لتتشكّلَ منظومةٌ إنسانيّةٌ متماسكةٌ لا يكونُ فيها الإنسانُ حرًّا ضدَّ الإنسانِ، بل حرًّا مع الإنسانِ ومن أجلِ الإنسانِ، وهذه هي الحُرِّيَّةُ الّتي تستطيعُ أن تبنيَ مجتمعًا متعدّدًا دونَ أن يتحوّلَ التّعدّدُ إلى صراعٍ، وأن تحميَ الاختلافَ دونَ أن تحوّلَهُ إلى كراهيةٍ، وأن تجعلَ من التّنوّعِ مصدرًا للإثراءِ الإنسانيِّ بدلَ أن يكونَ ذريعةً للإقصاءِ والتّطرّفِ.

الحُرِّيَّةُ الّتي تسقطُ حقَّ الآخرِ ليستْ حُرِّيَّةً، لأنَّها تهدمُ في الآخرِ المبدأَ الّذي تطالبُ لنفسِها بحمايتِهِ، أمّا الحُرِّيَّةُ الّتي تعترفُ بالآخرِ، وتحمي كرامتَهُ، وتصونُ حقَّهُ في الاختيارِ والوجودِ، فهي الّتي ترتقي من مجرّدِ حقٍّ فرديٍّ إلى قيمةٍ إنسانيّةٍ كونيّةٍ، ومن ممارسةٍ شخصيّةٍ إلى أساسٍ أخلاقيٍّ لعمرانِ الإنسانِ والمجتمعِ.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط