كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حسابات «حماس» بعد انتصارها على غزّة

كشفت حرب غزّة أوّل ما كشفت أنّ كلّ كلام عن وحدة وطنية فلسطينية هو كلام بكلام. تبّين أنّ لـ«حماس» حسابات خاصة بها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمشروع الوطني الفلسطيني. لحسابات «حماس» علاقة بالمشروع الإخواني في المنطقة، اي مشروع الإخوان المسلمين التي هي جزء لا يتجزّأ منه. لذلك، بعد حرب سقط فيها ما يزيد على ألفي قتيل فلسطيني،أعلنت «حماس» انتصارها على اسرائيل.

يمكن القول إنّ «حماس» انتصرت من منطلق أنّها ما زالت تقيم في «الإمارة الإسلامية» التي أقامتها في القطاع. انتصرت عمليا على غزّة وعلى الشعب الفلسطيني المقيم في السجن الكبير الذي اسمه غزّة على الرغم من أنّها لم تحقّق أيّا من مطالبها التي تشمل فتح المطار وتشغيل الميناء وفكّ الحصار.

إذا كان الانتصار على غزّة وعلى الشعب الفلسطيني هدفا بحد ذاته، على غرار انتصار «حزب الله» على لبنان واللبنانيين، في الإمكان القول إن «حماس» انتصرت وأنّ في استطاعتها إقامة احتفالات في المناسبة...في استطاعتها حتّى الحديث عن «انتصار إلهي» آخر يعيد غزّة عشرات السنين إلى الخلف، أي يجعلها متخلّفة أكثر مما هي متخلّفة! المؤسف أنّ حجم الدمار في غزّة كبير جدا. هناك احياء بكاملها أُزيلت من الوجود بعدما استخدمت اسرائيل آلة الدمار التي تمتلكها. كعادتها، مارست اسرائيل في عدوانها ارهاب الدولة التي يصفّق لها العالم عندما تقتل مدنيين وتدمّر احياء ومنازل. السؤال لماذا سمحت لها «حماس» بممارسة هذه اللعبة وذلك بغض النظر عن مقتل نحو ستين جنديا من جنودها؟

انتصرت «حماس» على الشعب الغزّاوي، لكنها لم تنتصر لا فلسطينيا ولا مصريا ولا عربيا. في سقوط «حماس» فلسطينيا ومصريا وعربيا، يكمن فشل «حماس». هذا السقوط يجيب عن السؤال الذي طرحه رئيس السلطة الوطنية السيّد محمود عباس (ابو مازن) الذي أثار قضية اصرار الحركة على «اطالة الحرب» وعلى اقامة «حكومة ظل» في غزّة.

لماذا اطالة الحرب، على الرغم من المبادرة المصرية التي كانت حكومة اسرائيل وافقت عليها؟ الجواب أنّ «حماس» اعتقدت، لأسباب مرتبطة بانتمائها إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، أنّ تجاهل المبادرة المصرية يخدم مصلحة معيّنة. تتمثّل هذه المصلحة في احراج مصر.

تبدو حرب غزّة الأخيرة جزءا لا يتجزّأ من خطّة مدروسة تستهدف احراج مصر. لذلك كان مطلوبا منذ البداية اظهار مصر في مظهر الشريك في العدوان الإسرائيلي. تبّين مع مرور الأيّام أنّ الوضع الداخلي في مصر أكثر صلابة مما يعتقده الإخوان المسلمون وأنّ مصر طوت نهائيا صفحة الإخوان. أكثر من ذلك، تبيّن أنّ «ثورة الثلاثين من يونيو» التي مضت عليها سنة وشهر، ثورة حقيقية وليست انقلابا عسكريا كما يصوّر بعضهم من الذين راهنوا على وضع اليد على مصر.

في النهاية، لم يكن من مخرج لدى «حماس» سوى العودة إلى المبادرة المصرية. ضحّت بألفي فلسطيني من أجل العودة إلى نقطة البداية، أي إلى المبادرة المصرية التي كانت اللعبة الوحيدة في التداول. كانت المبادرة المصرية «اللعبة الوحيدة في المدينة» كما يقول الأميركيون.

لم تحرج «حماس» مصر. لم تحرج الضفّة الغربية. ولذلك كان فشلها فلسطينيا أيضا. فضّل فلسطينيو الضفّة التفرّج على المشهد الغزّاوي من بعيد. كان كلّ همّهم محصورا في عدم انتقال الحريق إليهم.

كان موقف الضفة الغربية موقفا عاقلا. هناك بين الفلسطينيين من تعلّم من تجارب الماضي ومن أن عليه ألا يترك الآخرين يتاجرون بالشعب الفلسطيني وبقضيّته. كان كلّ فلسطيني يمتلك ذرة من العقل يعرف أنّ قتل ثلاثة مستوطنين في الخليل سيؤدي لاحقا إلى نتائج معيّنة معروفة سلفا. كان كلّ فلسطيني عاقل يعرف أنّ هناك في المنطقة من يسعى إلى التصعيد عن طريق استخدام الشعب الفلسطيني ورقة في المفاوضات مع «الشيطان الأكبر» الأميركي. لم تعد تنطلي هذه الألاعيب على معظم الفلسطينيين. الدليل على ذلك تصرّفات ابناء الضفة الغربية الذين باتوا يرفضون السقوط في فخّ «حماس» ومن يدعمها من الخارج. فشلت «حماس» عربيا أيضا. لم يصدر أيّ ردّ فعل عربي ذي طابع حماسي. كان العرب الواعون يعرفون أنّ «حماس» فوتت فرصة وقف الحرب عندما اعترضت على المبادرة المصرية بحجة أنّه لم يحصل تشاور مسبق معها في مرحلة الإعداد لها.

كيف يمكن لمصر التنسيق مع من يتآمر عليها ويشجع على الإرهاب في سيناء وغير سيناء ومن يدعم الإخوان المسلمين الذين ما زالوا يحلمون باستعادة عرش مصر؟

قتل ما يزيد على ألفي فلسطيني. دُمّرت آلاف المنازل. من سيعيد الحياة إلى غزّة؟ هل يكفي أن «حماس» ما زالت تحكم القطاع حتّى يُقال انّها انتصرت في حربها الأخيرة مع اسرائيل؟ لا مستقبل لـ«حماس» لا في غزّة ولا في غير غزّة. كان في استطاعة الحركة بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في صيف العام 2005، المساعدة في تحويل غزّة نواة لدولة فلسطينية مسالمة قادرة على العيش بسلام مع الجوار. فضّلت على ذلك فوضى السلاح واطلاق الصواريخ وما لبثت أن قامت بانقلاب دموي على السلطة الوطنية منتصف العام 2007.

قدّمت «حماس» أكبر خدمة لإسرائيل التي انسحبت من غزّة من أجل الإمساك بطريقة أفضل بالضفّة الغربية وتكريس احتلالها لجزء منها، بما في ذلك القدس الشرقية. نسيت «حماس» أن ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، كان على وعي تام لضرورة ابقاء الرابط بين غزّة والضفّة الغربية. كانت اسرائيل تحلم دائما بفصل غزّة عن الضفّة. عرضت امارة غزّة على «ابو عمّار»، لكنّه رفضها،اصرّ على عبارة «غزّة واريحا أوّلا» قبل توقيع اتفاق اوسلو في مثل هذه الأيّام من العام 1993.

ما فعلته «حماس» من خلال الحرب الأخيرة يتمثّل في فصل غزّة عن الضفة بشكل نهائي. كشفت أن المصالحة الوطنية لم تكن سوى مناورة لا مضمون سياسيا لها. هذه المناورة فشلت على كلّ المستويات.

لم يبق الآن من اسئلة سوى سؤال واحد وحيد. هل من مستقبل لـ«حماس» في غزّة؟ هل يستطيع الذين دفعوها إلى تلك الحرب تعويمها؟ هل من مخرج غير الاستسلام للسلطة الوطنية، على الرغم من كلّ ما تعاني منه هذه السلطة من قصور سياسي؟

هذا القصور عائد قبل كلّ شيء إلى افتقاد القيادة الفلسطينية إلى دمّ جديد وإلى رجال من مستوى معيّن قادرين على التعاطي مع الواقع الفلسطيني والإقليمي بعيدا عن الحساسيات الشخصية وعن الاستزلام لهذا الشخص أو ذاك. إنّها الحساسيات التي أدّت إلى فقدان حكومة الدكتور سلام فيّاض، المدعومة من المجتمع الدولي، والتي كانت أفضل ما حدث للفلسطينيين في السنوات القليلة الماضية.

عن الرأي الكويتية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط