كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حسم كيري أمره.. فهل نحسم أمرنا نحن أيضاً؟!

كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري محقاً حين قال إن المفاوضات قد وصلت إلى مرحلة الحسم. فلقد انتهى تقريباً من بلورة اقتراحاته بشأن ما يسمى بقضايا الحل الدائم، مستعيناً بذلك بالأفكار الإسرائيلية، وبأفكار من سبقوه إلى سدّة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية.

• فبشأن القدس، بات واضحاً أن عاصمة فلسطين، حسب اقتراحاته هي البلدات العربية المجاورة، [شعفاط، العيزرية، أبو ديس، الخ] بينما تبقى القدس الشرقية المحتلة جزءاً من «القدس الموحدة» عاصمة دولة إسرائيل، كما يقول رئيس حكومة تل أبيب بنيامين نتنياهو، وكما سبق لرئيس الولايات المتحدة الأسبق بيل كلينتون أن قال في مفاوضات كامب ديفيد2 (يوليو ـ تموز ـ 2000)، وكما ورد في رسالة الرئيس السابق بوش الابن إلى شارون في وثيقة 14/4/2002.

• وبشأن الحدود، فلا مكان للحديث عن خطوط 4 حزيران 67 كمرجعية. وهذا يعني، إلى جانب ضم القدس الشرقية المحتلة لإسرائيل، ضم المستوطنات، في تعريف ملفق لمفهوم الكتل الاستيطانية، وضمّ الأراضي الواقعة خلف جدار الفصل والضم العنصري، يضاف لذلك ضم غور الأردن، كل ذلك تحت مسمى «تبادل للأرض متفق عليه بين الجانبين». لقد تحول مفهوم تبادل الأرض، السيء الصيت، مدخلاً إلى نسف خطوط حزيران 67، وهذا ما كان قد دعا له نتنياهو، وقبله باراك، وإلى جانبهما الرئيس كلينتون، وبوش الابن (دوماً في كامب ديفيد، وفي وثيقة 14/4/2004). وبعدهما أوبما

• وكذلك الأمر بالنسبة للاجئين، الذين يدعو كيري لتوطينهم في البلد المضيف أو في بلد ثالث، وإسقاط حق العودة، وإعادة تفسير القرار 194 بأنه ينص على حق التعويض لأن العودة باتت أمراً غير معقول في ظل التطورات اللاحقة على صدور القرار. هذا أيضاً تبناه كلينتون كما تبناه بوش الابن، وبات نقطة تفاهم ثابت بين الجانبين الإسرائيلي والأميركي.

• أما بشأن الدولة الفلسطينية والسيادة الوطنية فإن اقتراحات كيري كفيلة بإجهاض كل علامات الاستقلال والسيادة عنها، إن من خلال التواجد الإسرائيلي على طول نهر الأردن، أو على المعابر إلى الدولة، أو في قمم التلال والأجواء والمياه الدولية التابعة لها، ما يضع الدولة الفلسطينية في قلب دولة إسرائيل وتحت سيادتها العملية. وكل ذلك بذريعة حماية إسرائيل في ظل افتقار الدولة الفلسطينية للقدرات العسكرية والأمنية الضرورية.

***

تشكل اقتراحات كيري إحراجاً كبيراً للمفاوض الفلسطيني، بحيث لا يستطيع قبولها، ويتحسب كثيراً لنتائج رفضه لها. فهو لا يستطيع التلاعب بقضية القدس الشرقية، ولا يستطيع الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، فضلاً عن كونه لا يستطيع القبول بوجود عسكري إسرائيلي على أراضي الدولة الفلسطينية. هذا لا ينفي أن المفاوض قد قدم تنازلات إلى طاولة المفاوضات. لكن مثل هذه التنازلات تبدو غير كافية لإرضاء شهوة الإسرائيلي، وسياسة الانحياز الأميركي.. وهنا المأزق الفلسطيني. ويزداد المأزق اتساعاً مع اتساع سياسة الاستيطان في القدس الشرقية وفي أنحاء الضفة الفلسطينية وآخرها تلك العطاءات لتسويق أراضي وبناء 1400 وحدة سكنية، ولم يخفِ وزير الاستيطان الإسرائيلي «السرّ» حين أكد أن هذه العطاءات، تمت بالتشاور مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري. أي أن الولايات المتحدة لم تعد ضد توسيع الاستيطان في القدس وفي مستوطنات الضفة ما دامت هذه المدينة، وهذه المستوطنات ستضم في نهاية المطاف للدولة الإسرائيلية!

وزير الخارجية في السلطة الفلسطينية يدعو كيري ليعتدل أكثر في اقتراحاته، ولعلّ في هذا التصريح وهذه الدعوة سذاجة سياسيّة ما بعدها سذاجة. ترى ما الذي يدعو كيري ليعتدل، وينزل عند طلب رياض المالكي، مادام المفاوض الفلسطيني قد رضخ منذ اللحظة الأولى للضغوط الأمريكية وقبل بمفاوضات بلا مرجعية دولية، وبدون الاعتراف بخطوط حزيران، ودون توقف الاستيطان. ونعتقد أن المقدمات الكارثية للعملية التفاوضية، من شأنها أن تؤدي إلى نتائج كارثية تتمثل في اقتراحات كيري، التي ستشكل جوهر الإطار المقترح لتمديد المفاوضات عاماً جديداً. وترى ما الذي يدعو كيري للاعتدال، مادام المفاوض الفلسطيني قد أبدى استعداداً مبدئيّاً لتمديد المرحلة التفاوضية سنة جديدة أو ما يقارب السنة، وهو الذي كان قد أكد تمسكه بالسقف الزمني للمفاوضات الحالية بتسعة أشهر، سوف يكون بعدها حرّاً في التحرك دولياً نحو الأمم المتحدة لتفعيل قرار قبول فلسطين عضواً في المنظمة الدولية.

***

نعتقد من خلال قراءتنا للسياسة الأميركية في رعايتها للمفاوضات على يد كيري وفريق عمله، وللمواقف الإسرائيلية على لسان رئيس الحكومة نتنياهو، ووزير خارجيته، وجيشه، ووزير الاستيطان، وغيرهما، أن المفاوض الفلسطيني بات يقف في اللحظة الراهنة بين خيارين لا ثالث لهما.

• الخيار الأول الانسياق وراء اقتراحات كيري، بدعوى التفاوض حولها لرفع سقفها وتطويرها والتقليل من مخاطرها، بحيث تصبح مقبولة إلى حدّ ما، فلسطينياً. إن اقتراحات كيري واضحة بما فيه الكفاية. هي نفسها الأفكار الإسرائيلية للحلول، مطعّمة ببعض الاقتراحات الجانبية الأميركية للتمويه على انحيازها التام للجانب الإسرائيلي. وبالتالي أيّاً كانت محاولات المفاوض الفلسطيني لتطويرها وتحسينها، فإنها ستكون محاولات فاشلة، خاصة وأن الجانب الفلسطيني المفاوض بات مجرداً من كل عناصر القوة المحلية والعربية والدولية، واستسلم للاشتراطات الأميركية في استئنافه المفاوضات. هذه اقتراحات، كما يبدو، صاغها كيري، بأسلوب إما أن تأخذها كلها أو ترفضها كلها، ولا مجال للمفاصلة والجدال بشأنها. هي في مجموعها مصاغة بطريقة تستند إلى ما تسميه إسرائيل مصالحها الأمنية وبشكل مترابط، لا يمكن الفصل فيها بين قضية وأخرى. هي، في جوهرها الحلّ الإسرائيلي لقضايا الوضع الدائم.

• الخيار الثاني رفض هذه الاقتراحات، والتسليم بخطأ الدخول في هذه المفاوضات منذ الأساس، والبحث عن إستراتيجية بديلة، تقوم على القناعة باستحالة قيام مفاوضات متوازنة في الوقت الراهن، وباستحالة تحسين الآليات والشروط التفاوضية مع إسرائيل في ظل الظروف الراهنة. إستراتيجية تقوم على استنهاض عناصر القوة لتحسين ميزان القوى بين الجانبين، وخوض المعارك في الميدان الذي يؤلم الجانب الإسرائيلي ويطال نقاط ضعفه، ومنعه من استغلال نقاط الضعف الفلسطيني. وتعتقد أن مراجعة نقديّة جديّة، توسع دوائر الرؤية وتضع الحالة الفلسطينية أمام مروحة من الخيارات البديلة، هي خطوة من شأنها أن تستلهم سياسيات بديلة، تجعل من عمليات التصدي للاحتلال والاستيطان، في الميدان، وعلى يد ممارسات عفوية عملاً منظماً، تصبّ نتائجه في مربع سياسي يخدم القضية والحقوق الفلسطينية. وتجعل من موضوع الاستيطان والتصدي له مسألة رئيسية في الكفاح والحراك الفلسطيني، وكذلك تتوجه إلى المجتمع الدولي، الذي اعترف لفلسطين بعضويتها في الأمم المتحدة، لتثمير مواقفه المؤيدة للحقوق الوطنية الفلسطينية، بما ينزع الشرعية عن الاحتلال، ويعزل دولة الاحتلال ويفرض عليها عقوباته السياسية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية، كما فعلت أوروبا، وكما بدأ الأكاديميون الأميركيون يعبرون عن رؤيتهم للحالة الفلسطينية.

لقد أصاب كيري حين قال إنه حان وقت الحسم، وعلى المفاوض الفلسطيني أن يحسم أمره، فإما أن يتراجع عن انزلاقته الأخيرة نحو مفاوضات بدأت نتائجها المأساوية تبدو للعيان واضحة المعالم، وإما أن يستعيد البرنامج الوطني بكل ما يتطلبه هذا الأمر من صياغات جديدة للحالة الفلسطينية.

لكن، وكما يبدو، فإن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لم تأخذ في اجتماعها في 13/1/2014 قراراً عملياً وتنفيذياً واضحاً إزاء العملية التفاوضية. ولعل إحالة الموضوع، مرة أخرى، إلى اللجنة السياسية المغلولة اليد، لإبداء رأيها، إنما هي عملية تهرب واضحة المعالم من تحمل المسؤولية ومواجهة المخاطر القادمة بسياسة وطنية جريئة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط