كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حقوق الإنسان في المغرب الكبير في الذكرى 76 للإعلان العالمي؟

حقوق الإنسان في المغرب الكبير في الذكرى 76 للإعلان العالمي؟

تاريخ النشر: 2024-12-07 | 15:03

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم قاطبة بالذكرى السادسة والسبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تعيش منطقة المغرب الكبير عند مفترق طرق ملتبس وغامض . فجميع دول هذه المنطقة ــ المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريطانيا ــ تقدم رواياتها المتناقضة بشكل صارخ مع صورة الواقع عن حقوق الإنسان داخل جغرافياتها. وفي حين تغرق بعض المناطق في القمع والقهر والتسلط ، تظهر مناطق أخرى بصيصا من الأمل، وهو ما يسلط الضوء على الديناميات المعقدة للسلطات والحريات المدنية والتعايش المجتمعي .

ففي الجزائر، يستمر تدهور المشهد الحقوقي الدراماتيكي القديم . فالوطن الذي كان يُشاد قبل عقود بتاريخه الغني في المقاومة والحيوية النضالية يواجه في الوقت الراهن أجواء خانقة من الاستبداد الديكتاتوري حيث شكل اعتقال الروائي البارز بوعلام صنصال مؤخرا تذكيراً قاتماً بقبضة الدولة الحديدية على وسائل التعبير الفكري والإبداعي. وباحتجازه دون محاكمة، ينضم صنصال إلى قائمة متفاقمة من المفكرين والفنانين والناشطين الذين تم إسكاتهم في ظل نظام عسكري يبدو أنه لا ولن يتسامح مع خرجات ومظاهرات المعارضة.

إن الوضع القهري لا يقتصر على الأشخاص فقط ؛ بل إنه مجتمعي شامل لا يستثني أحدا من كل الفئات . وكثيراً ما يتم استغلال القوانين المفبركة لحماية الدولة والنظام ضد المعارضين. وغالبا ما يتم الرد على الاحتجاجات السلمية، والممارسات الصحفية، والتعبيرات الإبداعية الفنية بالانتقام في حينه . وغالباً ما يبدو القضاء، الذي قد يبدو مستقلاً ظاهرياً، متواطئاً في هذه الحملات القمعية، مما يؤدي إلى تراجع ثقة المجتمع في العدالة المؤسسية.

ولكن هذا القمع لم يقابل بالصمت العارم إذ لا تزال الحركات السرية وحملات وسائل التواصل الاجتماعي وجهود دعم المنظمات الحقوقية الدولية مستمرة، مما يؤكد على قدرة أولئك الذين يواصلون النضال من أجل حرية التعبير وسيادة القانون على الصمود.

وجنوب الجزائر وتحديدا في مخيمات تندوف، يتسم وضع حقوق الإنسان بالتدهور الشديد، ومازال يتفاقم بسبب خمسة عقود من الاحتجاز التعسفي والتعقيد الجيوسياسي. لقد أصبحت هذه المخيمات، التي تديرها جبهة البوليساريو برعاية السلطات الجزائرية، رمزاً لمعاناة مزمنة وطويلة الأمد. وترسم التقارير القاتمة عن الاحتجاز التعسفي، وتكبيل حرية التنقل، وتقييد الولوج إلى الحقوق الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، صورة قاتمة عن واقع الجمهورية الوهمية.

لقد غض المجتمع الدولي الطرف إلى حد كبير وغير معقول عن محنة الشعب الصحراوي الذي يحتجزه عساكر الجزائر في هذه المخيمات البئيسة منذ نصف قرن . النساء والأطفال والشيوخ هم من بين الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة ، وغالباً ما يتحملون وطأة الانتهاكات الممنهجة للحقوق المتعارف عليها عالميا . وعلى الرغم من بعض الجهود التي تبذلها منظمات حقوق الإنسان الدولية لإلقاء الضوء على تلك الظروف المأساوية ، فإن التغيير الملموس لا يزال بعيد المنال، حيث أصبحت المخيمات عالقة في المستنقع الجيوسياسي الأوسع نطاقاً المتمثل في الصراع المفتعل في الصحراء.

وقد أدت التطورات الأخيرة إلى تكثيف التدقيق في إدارة جبهة البوليساريو للمخيمات. ففي سبتمبر 2024، تحدث نشطاء حقوق الإنسان الصحراويون أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، حيث قدموا تفاصيل عن الانتهاكات الممنهجة والمروعة التي تحدث هناك . واتهم النشطاء قيادة كلا من الجزائر والبوليساريو بالاعتقالات التعسفية والقيود القاسية على حرية التنقل والقمع الممنهج للمعارضة. وأشاروا إلى ثقافة الإفلات من العقاب التي تشجع الجناة بينما ترغم الضحايا على الإسكات والتكتم . ودعا هؤلاء النشطاء المجتمع الدولي إلى محاسبة البوليساريو على أفعالها، بحجة أن سكان المخيمات يستحقون نفس حماية حقوق الإنسان مثل أي مجتمع محتجز ولاجئ في جميع أنحاء العالم.

أما في تونس، التي كانت يشاد بها كرائدة لثورات التحرر العربية وباعتبارها نموذجا لنجاح الديمقراطية الوحيدة في الربيع العربي، تجد نفسها الآن تندحر إلى براثن الاستبداد. ففي عهد الرئيس قيس سعيد الحالي ، تم تقويض المؤسسات الديمقراطية، وقُوبِلت المعارضة السياسية بقمع متزايد. وقد أدى فرض الرئيس لسلطته إلى حل الهياكل البرلمانية وتهميش أصوات المعارضة، مما ترك المجتمع المدني في وضع محفوف بالمخاطر.

ويزعم المنتقدون أن أسلوب الحكم الذي ينتهجه قيس سعيد يفتقر إلى الرؤية السياسية الرصينة اللازمة للتعامل مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . فبدلاً من تعزيز الحوار واللجوء لسبيل الإجماع، اعتمدت إدارته على تكتيكات قاسية، بما في ذلك اعتقال المعارضين السياسيين وتقييد الحريات الإعلامية. ولم يقم هذا التحول الاستبدادي بخنق التقدم الديمقراطي فحسب، بل أدى أيضًا إلى تنفير شعب ثائر كان قد وضع آماله ذات يوم في وعود ثورة الياسمين المجيدة .

ورغم هذه التحديات، يظل المجتمع المدني في تونس قوة لا يستهان بها. ويواصل الناشطون والمحامون والصحفيون مقاومة تقزيم الحقوق المدنية، مطالبين بالمساءلة والالتزام بالمبادئ الديمقراطية.

وعلى النقيض من جيرانها، تقدم المغرب صورة أكثر تفاؤلا لمسلسل حقوق الإنسان. ورغم استمرار التحديات، وخاصة في مجال حرية الصحافة، فهناك براهين على التقدم الذي يميز المملكة في منطقة المغرب الكبير.

لقد حظي إطلاق سراح ثلاثة صحفيين بارزين - توفيق بوعشرين، وسليمان الريسوني، وعمر الراضي - بإشادة واسعة النطاق باعتباره خطوة إيجابية نحو مزيد من الانفراج الحقوقي . وقد حظيت هذه الخطوة، التي تكرم بها العفو الملكي، بموافقة منظمات حقوق الإنسان الدولية على رأسها "مراسلون بلا حدود"، كما احتفى بها المجتمع المدني المغربي. وهي تعكس استعداد الدولة للتعامل مع كافة أشكال الملفات العالقة والمعارضات وتنفيذ الإصلاحات، وإن كان بشكل بطيء ومتردد في بعض الأحيان.

ومع ذلك، لا يزال المشهد الإعلامي بالخصوص في المغرب محفوفاً ببعض التوترات. وكثيراً ما يكون الخط الفاصل بين الصحافة المشروعة والنقد المعارض على منصات وسائل التواصل الاجتماعي غير واضح، مما يؤدي إلى نزاعات قانونية تسلط الضوء على الحاجة إلى تعريفات أكثر وضوحاً وقوانين تشريعية محدثة. وفي بعض الأحيان، تتم مقاضاة الصحفيين بموجب القوانين الجنائية بدلاً من قانون الصحافة المتخصص.

وبعيداً عن الحريات الإعلامية، أحرز المغرب تقدماً كبيراً في مجالات أخرى مثل حقوق المرأة والتنمية الاجتماعية، بفضل دينامية المجتمع المدني النسائي النشط. ومع ذلك، تظل قضايا مثل التفاوتات الاقتصادية بين الجهات تشكل عقبات كبيرة.

إن مسار حقوق الإنسان في المغرب العربي الكبير يؤكد على الحاجة إلى منهجيات متعددة الأوجه للإصلاح. ففي حين تكافح الجزائر وتونس ضد الاستبداد المتجذر، يثبت المغرب أن التقدم، وإن كان تدريجيًا، ممكن. وفي الوقت نفسه، تتطلب مخيمات تندوف اهتمامًا دوليًا عاجلاً لمعالجة الأزمة الإنسانية التي طال أمدها والتسريع بالضغط الدولي على كل من الجزائر وصنيعتها جبهة البوليساريو للقبول بمخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب منذ 2007 .

إن التعاون الإقليمي من شأنه أن يعمل كمحفز للتغيير، وتعزيز الحوار والاستراتيجيات المشتركة للدفاع عن حقوق الإنسان. كما أن للمنظمات الدولية دوراً تلعبه، ليس فقط في محاسبة الحكومات، بل وأيضاً في دعم الحركات الشعبية ومبادرات المجتمع المدني.

في نهاية المطاف، تشكل ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان السادسة والسبعين لهذا العام فرصة للتأمل في التقدم المحرز والتحديات التي لا تزال قائمة. وبالنسبة لمنطقة المغرب الكبير، تشكل هذه الذكرى دعوة إلى العمل ــ لدعم مبادئ الكرامة والحرية والمساواة التي تشكل جوهر حركة حقوق الإنسان.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط