كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حكايات الموت والحياة في غزة ..بالألاف ..!

حكايات الموت والحياة في غزة ..بالألاف ..!

تاريخ النشر: 2026-08-02 | 10:39

د. هاني العقاد
د. هاني العقاد

لم تكن الحرب على غزة مجرد قذائف وصواريخ ذكية وغبية تهدم بنايات وبيوت وأسواق وحدائق ومساجد ولم تكن مجرد دبابات يركبها جنود هوايتهم القتل والتدمير , دبابات تسحق المباني والمدارس والمستشفيات والعيادات والحارات وبلدوزرات تجرف الشوارع  وتهدم كل شي وتحفر المقابر وتدوس الجثث تحت جنازيرها ,مدافع تدك كل زاوية وكل شارع وكل حارة سواء كانت مأهولة او نزح سكانها, حرب عبارة عن مئات المسيرات تملء السماء وتنشر الموت في كل مكان تفجر صواريخها أجساد الأطفال وتحرقها , حرب إبادة مسحت اكثر من 2276 عائلة من السجل المدني الفلسطيني منهم 8858 شهيد ولم ينجوا منها احد اما  العائلات التي نجا منها ناجي واحد 2278 استطاع ان يعود وينشئ اسرة جديدة ,كانت حرب عبارة عن مئات إنذارات النزوح للمواطنين الفلسطينيين من المدن  والاحياء والحارات الي منطقة الساحل (المواصي في خانيونس و رفح ) ولم يكن الفلسطيني يملك  الا الهرب من الموت وهو يدرك انه يهرب من الموت الي موت جديد , موت في الخيام التي مازالت شاهدة على اكثر مأساة بشرية بشاعة في القرن الحالي ,من  بين تفاصيل تلك  الحرب البشعة كان هناك مئات بل الالاف قصص الموت والحياة التي انتشرت حكاياتها والتى قد لا تكون وصلت مجملها  لكل أرجاء الدنيا فالكثير منها بات على حدود المدينة او القرية  او الحي المسحوق والمدمر لكثرة الحكايات الا انها لا تنسي وتبقي شاهدة على جرائم الموت والقتل المقصود للمواطن الفلسطيني ,لكل حكاية من هذه الحكايات تفاصل تعجز الأقلام عن وصفها لكن مجملها حكايات البحث عن الحياة من جديد وبالتالي فهي حكايات حياة بعثت بعد الموت , انها  حكاية الفلسطيني المؤمن بالحياة والبقاء على هذه الأرض يعمرها بالزرع والثمرات والأولاد والاحفاد .

حكاية (أبو حمدي) هي حكاية الفلسطيني الذي لا يسقط ولا ينكسر ولا يموت ولا يستسلم بل يبعث من جديد كلما حام الموت حوله او اخذ الموت منه شيئا , ففي هذه الحرب وبالتحديد في السابع من يناير 2024 اثناء نزوح عائلته المكونة من أربعة افراد زوجه وولدين الأكبر هو (حمدي)  الذي كان قد قارب الثامنة عشر من العمر والثاني (محمد) وكان يبلغ من العمر الخامسة عشر جميعهم نزحوا من منطقة المنارة بخانيونس برفقة  اعمامهم وباقي افراد الاسرة في سيارة فلوكس فاجن ,كانوا تسعة افراد امرأتين وسبع رجال منهم السائق الا ان انهم لم يصلوا الي المواصي ولم تكتمل رحلتهم والنجاة بأنفسهم , مضي الوقت المفترض لوصولهم لمنطقة المواصي الا انهم لم يصلوا ,حاول (أبو حمدي) الذي سبقهم ليجهز المكان لاستقبالهم الاتصال بأحد من أبنائه وزوجته الا انه لا إجابة وكانت الهواتف جميعها مغلقة, لقد اصبح تسعة افراد  في عداد المفقودين منهم أبنائه وزوجته  واعمامه وزوجة ابن عمه وشابين وكلما مر الوقت كلما تضائل الامل في العثور عليهم احياء ,مرت أيام وايام  وتقريبا عشرة أيام دون أي خبر حول مصيرهم . ما هي الا ايام قليلة حتى نقل أحد النشطاء فديو للباص الذي كانوا يستقلونه مقصوف ومحترق وهناك جثث متفحمة على الأرض وبعضها تأكل الكلاب والقطط منها وقد تم التعرف عليهم لكن عندما وصل (أبو حمدي) لصاحب الفيديو افاد بأنهم دفنوا في المكان الذي ارتقوا فيها شهداء بفعل قصف مسيرة إسرائيلية قضت على كل من كان في الحافلة لصعوبة نقلهم للمستشفى . بعد انسحاب آليات الاحتلال من المنطقة بعد شهر تقريبا تم نقل جثث الشهداء ليدفنوا في المقبرة الجماعية امام مستشفى الأوروبي في خانيونس لان مقبرة خانيونس المركزية كان صعب الوصول اليها وأصبح الناس يدفنوا امواتهم وشهدائهم في أماكن بديلة وبعد ذلك عندما تتاح الظروف ينقلوا الى المقبرة الخاصة بهم كل حسب عائلته.

عاش (أبو حمدي) فترة الثلاثة شهور بين نار الفقدان وحرقة القلب لأنه لم يستطع مواراة الشهداء الثري ولا حتى رؤيتهم وعاد من النزوح وفي غمرة ذلك بدأ يفكر في البدء بحياة جديدة عسي ان يعوضه الله   فقدانه عائلته كاملة لان البقاء في دائرة الحزن هو موت بطيء فقرر الزواج وتكوين اسرة جديدة، في مارس من ذات العام وبعد ثلاثة شهور من الحدث الكبير وجد شريكة حياته من جديد ليبدأ معها مسيرة تكوين اسرة جديدة. قابلته وسألته عن حاله فقال لي "انني اليوم تزوجت وقد أصبحت لي زوجة من جديد عسى ان يطعمني الله واعوض اسرتي التي ارتقت " . في يوم من الأيام أخبرني ان زوجته حامل وهو يخشي عليها من الحرب وبعد فترة بسيطة طلب منا جيش الاحتلال ان نترك بيوتنا وننزح الي منطقة المواصي من جديد فكان اول من ترك المنطقة خوفا على زوجته الحامل ,وما هي الا بضعة شهور حتي رزقة الله بمولود ذكر اسماه ( حمدي ) تيمناً باسم ابنه (حمدي ) الأول (الشهيد ) انها كرامة من كرامات الله فقد عاد الامل الى حياته واصبح عنده ولد ملء عليه الخيمة سعادة وحول أيام الحزن الي فرح وكلما كان ينظر في عينيه يري (حمدي) الشهيد  وكأن التاريخ عاد به ثمانية عشر عاما للوراء عندما كان (حمدي) الشهيد صغيرا . لكنه بدأ رحلة اخري  ,رحلة صراع من اجل البقاء فقد حلت المجاعة بالجميع هنا في مخيمات النزوح لا طعام ولا دواء ولا حليب للطفل ماذا يفعل..؟ من اين يأتي للرضيع بالحليب , ذهب يبحث عند البدو عن حليب الابل فوجد القليل لكنه كان يبقي الرضيع على قيد الحياة , احدي الجمعيات علمت بالخبر ان( المولود حمدي ) امل الحياة الجديدة فاستطاعت ان توفر له علبتي حليب فتضاعف الامل عنده حتي تجاوز مرحلة الخطر ,امضي خمسة شهور المجاعة وهو يقضي أيامه باحثاً عن علب الحليب للرضيع  ولم يترك باب جمعية ولا مؤسسة الا وطرقها فقد كان توفير علب الحليب هو شغلة الشاغل وهو معركته من اجل الحياة ,لم ينتبه لطعامه او طعام زوجته لأنه في النهاية ليس اكثر من شوربة عدس بقليل من المكرونة.  يوماً من الأيام بعد ان بلغ ( حمدي ) ثمانية شهور اصطحبه لزيارتي وكنت كما انني أري ( حمدي) الشهيد  شعرت ان الحياة بالفعل تعود لمن يسعي اليها . لم تنتهي حكاية (أبو حمدي) عن هذا الحد فقد استمر في تكوين اسرته فحملت زوجته في النزوح من جديد وما هي الا تسعة أشهر اخري حتى اتصل بي وأبلغني ان (محمد) قد ولد من جديد. عادت اسرة( أبو حمدي) ولدين وزوجة الا ان الفارق 18 عام منذ زواجه الأول وانجابه (حمدي ومحمد) اللذان كانا يرفقانه في زيارتي قبل الحرب. انها حكاية حياة تبدأ من جديد بعد ان فقد (أبو حمدي) كل شيء ,العائلة والبيت والمزرعة وكل ما يملك لكن تبقي له خيمة في مخيمات النزوح بدأت فيها حياته من جديد وسيكبر اطفاله ويروي لهم الحكاية من جديد وسيعرفون بانه كان لهم اخوة ولهم خاله قبل ان يولدوا قتلتهم الحرب جميعاً وجاءوا هم ليجددوا الحكاية ويبعثوا الحياة في اسرة أراد الاحتلال محوها لكن إصرار الفلسطيني كان اقوي من جبروته وجرائمه .

حكاية (أبو حمدي) ليست الحكاية الوحيدة بل تتكرر كل يوم في غزة حتي مع رجال فوق السبعين ممن فقدوا كامل عائلاتهم فان الحياة في غزة لا تتوقف ليصبح الموت في غزة بداية حياة وبالتالي  لن ينجح الاحتلال في قتل كل أمل وقتل كل بداية فالبدايات دائما يصنعها الانسان بالإصرار والحب والصبر , نعم الاحتلال مسح اكثر من  1000 عائلة من السجل المدني ومازال مستمرا في سيناريو الإبادة التي كان اخرها عائلة من ال المصري في غزة بكامل افرادها , لكن هناك اكثر من الفي عائلة ترك فيها شخص  قادر على ان يعيد الحياة من جديد ويجعل من الموت امر قدري ويزرع الورد على قبور الشهداء وعندما يزهر يقطف الورد ليحتفل بحياة جديدة  ليبقي الفلسطيني هو من يصنع الحياة ويواجه عاري الصدر من يصنع الموت والدمار .

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط