كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حكايات أمي::: ١٤ (b)

حكايات أمي::: ١٤ (b)

تاريخ النشر: 2017-06-10 | 15:16

سقطت الطائرة الإسرائيلية في البحر إلى الجنوب من المخيم وهبط الطيار بالمظلة وشاهده معظم سكان الشاطئ وغزة وساهمت إحدى مراكب الصيادين بانتشاله وتسليمه للقيادة المصرية في القطاع حيث تم أسره وترحيله الي مصر بواسطة سيارة ، في هذه الأثناء كانت النساء ينثرن الشيكولاته على كل من يسير في الشوارع ابتهاجاً واحتفالاً بإسقاط الطائرة واسر الطيار. تزايدت حركة الناس وأصواتهم واصوات أجهزة راديو الترانزيستور التي كانوا يحملونها بايديهم ليتابعوا اخبار الحرب الدائرة ويسمعون البيانات العسكرية وخاصة إذاعة صوت العرب ومذيعها المشهور ( أحمد سعيد ) الذي كان يصدح بصوته المنطلق من المذياع كالرعد وهو يعلن عن انتصارات الجيش المصري وعن الخسائر المهولة في المدرعات والطائرات في الجانب الإسرائيلي مما دفع ببعض الناس من التوجه الي جهة شمال قطاع غزة باتجاه أراضيهم التي رحلوا عنها عام ١٩٤٨ على أمل أن هزيمة إسرائيل باتت أمراً واقعاً وانهم هم سيكونون أول من يعودون الي بيوتهم وديارهم وقراهم .

مع ساعات الظهيرة بدأت اشارات التعب النفسي والانكماش تظهر على وجوه الناس جميعاً وبدأ العديد منهم بالانسحاب الي بيوتهم او الي المقاهي لمتابعة الانباء عبر مذياع المقهى ...

بدأت الوجوه يوشحها الحزن قبل أن يُعلَن عن هزيمة الجيوش العربية ، في حين ظلت الشوارع ملآىٰ بالرجال والشباب والنساء ينتظرون ، علهم يتلقون اخباراً تطمئنهم وتهدئ من تخوفاتهم ، في ظل ازدياد قصف الطائرات الإسرائيلية للمواقع الفلسطينية والمصرية المرابطة على الجبهات المختلفة فى القطاع ، وبدأت تُشاهد أعمدة الدخان من تلك المواقع الموجودة على حدود مدينة غزة وبداخلها ، ومن أهم هذه المواقع كان موقع ( تل المنطار) ، وبدأت اخبار استشهاد الجنود الفلسطينيين تتوارد على ألسنة بعض الجنود العائدون الي المخيم بعد أن قُصِفَت مواقعهم في تل المنطار والمناطق الحدودية فى شمال وشرق وجنوب مدينة غزة واماكن اخرى ، وكانت مظاهرهم توحي بالهزيمة والارهاق وكانوا قد ألقوا بعضاً من زيهم العسكري على ناصية الطريق وفى البيارات التى كانوا يتموقعون فيها ، في هذه الأثناء تحضر عدة شاحنات عسكرية فارغة بهدف رفع معنويات الناس إلا أن الهدف الرئيسي كان جلب أعداداً من الشباب الي الجبهة للتصدى لأيّ تقدم عسكري إسرائيلي داخل مدينة غزة وقد استشهد أعداد من هؤلاء المتطوعين بعد أن قصف الطيران الإسرائيلي بعضاً من تلك االشاحنات .

في ظل هذه الأجواء التي أصبحت تميل الي الكآبة والحزن والإحساس بالضياع وعدم وضوح الصورة عن الحرب ... فإذا بإحدى النساء فى الستين من العمر تقريباً وتسكن قبالة منزلنا وتدعي بأم ( غزال) الآتية من جهة المدخل الجنوبي لمعسكر الشاطئ وهي تصرخ بصوت عالٍ وتضرب صدرها بقبضات يدها تارة وتمزق ملابسها تارة أخرى وتبعثر شعرها وتقطعه تارة أخرىٰ بعد أن نزعت عن رأسها غطائه (الشطوة) التي امتزج منظرها بمنظر شعرها الأشيب الذى تصبغه الحناء .

أتت أم غزال مهرولة حافية القدمين تضع طرفاً من ثوبها الفلاح في حزام خاصرتها ليسهل عليها المشي بسرعة والهرولة تارة والجري تارة أخرى نحو منزلها الكائن فى بداية بلوك (A) وهي تصرخ وتلوح بمنديلها في الهواء وتندب وتبكي وتقول يا ويلنا ، يا وردي علينا ، اليهود (الجيش الاسرائيلي) مع دباباتهم قاعدين بيدخلوا المعسكر من عند الميناء ( وهو المدخل الرئيسي والجنوبي للمعسكر وهو عبارة عن التقاء شارع عمر المختار الذي يشطر مدينة غزة الي شطرين شمالي وجنوبي ويلتقي عند نهايته من الغرب مع شارع الرشيد الساحلي (الكورنيش) عند المنطقة السياحية ومربع الفنادق) ، واستمرت في الحديث في جوٍ من الذهول والهذيان والخوف والتخوف الذي لف كل سكان المكان وبدأوا مدركين لخطورة بقائهم في أماكنهم ينتظرون الخطر الداهم إليهم وهو الموت والذبح الذي أعلنت أم غزال عن مشاهدته وهي قادمة من منزل آخر لها في المدخل الجنوبي للمخيم ، أعلنت ذلك وهي تحلف الايمان وتعظمها بأنها شاهدت الجيش الاسرائيلي بيذبح السكان وماسكين ( بدأوا ) سطر سطر من البيوت ، هاج الرجال وماجوا وبدأوا يتجارون في أزقة المخيم والي منازلهم ليحضروا بعضاً من ملابسهم ومن النقود للهروب ولكن من اين الطريق ولأين !!!؟

فكان ساحل البحر الذي احتشد على رماله المئات بل الآلاف من السكان يتسابقون ويتزاحمون لحجز اماكن لهم في القوارب الصغيرة للهروب عبر البحر الي مصر ( مدينة بور سعيد الساحلية ) ، وآخرين بدأوا يجمعون ملابسهم والتي تحمل اللون (الكاكي) واللون الأزرق و الشبيهة بألون ملابس الجيش وكذلك الأحذية والملابس الشرطية ويضعونها في أكياس ويلقونها على حاويات القمامة أو في سوق المخيم الذي بات مهجوراً وذلك بهدف التخلص منها قبل أن يحضر الجنود الإسرائيليون الي منازلهم ويفتشونها ويجدون فيها تلك الملابس فيظنونهم جنوداً فلسطينيين أو مصريين وبالتالي يقتلونهم .

لازال الموقف غاية في التوتر والخوف فإذا بأم غزال تندفع الي داخل منزلها وتخرج وتصرخ بشكل هستيري اذهل الموجودين الذين لازال الخوف يهز اركانهم ، وتلطم خديها وهي تخرج من منزلها مصطحبة معها الصرة ( وهي قطعة من القماش بداخلها أغراضاً مختلفةً ) ومربوطة باحكام منذ يوم الهجرة من قريتها عام ١٩٤٨، وقامت بفتحتها بأصابعها وأسنانها وهي تصرخ وتقول خذوا ، خذوا ، وأخرجت الهدمتين وما في الصورة من كواشين الارض والقت بهم جميعاً في فضاء المكان وهي تصرخ ... قال بدنا ننتصر ... قال بدنا نعود للبلاد ، يا وردي علينا واسود ، والله هالصرة مربوطة من يوم الهجرة .... وعليّ نذر لله ما بافتحها إلا يوم ما نعود للبلاد .... طز في هيك عودة ، وطز في هيك نذر، وطز في هيك جيوش عربية مهزومة .... والله ما ظل امل ... وكل شيء راح .... بكى الجميع بحرقةٍ وألمٍ يعتصر قلوبهم وكأنه يوم القيامة قد حل بهم

ماشي يا والدتي ، شئ محزن ومؤلم أن كان الفلسطينيون يظنون بأنهم بتركهم ديارهم عام ١٩٤٨ سيبتعدون لمدة يوم أو يومين أوعدة أيام عن عصابات الهاجانا اليهودية وعن الذبح على أياديهم والذي طال العديد من القرى الفلسطينية ولم يكنوا يعلمون بأن هجرتهم ستستمر من عام ١٩٤٨ حتى عام ١٩٦٧ أي قرابة العشرون عاماً على أمل العودة الذي تحطم مع رياح نكسة و هزيمة عام ١٩٦٧ .

في هذه الأثناء كانت الإذاعة الإسرائيلية تعلن عن سقوط قطاع غزة بيد الجيش الاسرائيلي وتُطالب جميع السكان برفع الرايات البيضاء فوق منازلهم ليتجنبون أيّ خطر ، وخلال ساعات قليلة كان غالبية المنازل ترفع الرايات البيضاء ( رايات الأستسلام ) .

ماشي يا والدتي ،، كنت حابب أقول بأنني عايشت جميع هذه الأحداث وشاهدت جزءاً منها وخاصة موضوع أم غزال ، وقد كتبت قصة قصيرةً عن ذلك وكانت بعنوان ( أم غزال والمفتاح اللى راح وما راح ) .

اللقاء القادم نتحدث عن هجرة كثير من الأفراد والأسر الي الاردن عبر جسر الملك حسين بعد السفر عبر أراضي الضفة الغربية ، والكثير منهم استقر في الاردن لممارسة حياتهم واعمالهم .

ماشي يا بنيّ .تصبح على خير ... وأنتِ من أهل الخير يا أمي ..

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط