كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حكايات أُمي 16

حكايات أُمي 16

تاريخ النشر: 2017-07-01 | 12:02

وقبل أن تتحرك السيارة فاذا بخالك يترجل منها ويتوجه الي جدك وطلب منه الصعود إلى السيارة لأن لديهم برنامج زيارات لبعض المدن الفلسطينية ، وأغراه بأنهم سيتوجهون الي يافا وحيفا والي مدن الضفة الغربية والقدس ، فرد عليه انا مش متحرك من هنا ، وسأظل في أرضي ، وهاي الغرفة المبنية بالطوب الطيني موجودة كما هي ، والفرش والفرشات واللحافات ( الأغطية ) موجودة كما هي ، وكما تركناها ، وكان ولا زال موجود لحاف وفرشة لأحد اصدقائنا ممن هاجروا من مدينة أسدود وأثناء مرورهم من أمام الغرفة ، طلب مني أن أحفظها في الغرفة الي حين عودتهم بعد يوم أو يومين ، ولم يكن يعلم بأن هجرتهم ستستمر الي ما لا نهاية ، ثم أقنعه خالك بأنهم لا يعارضونه في ذلك ، وطلب منه بأن يرافقهم لزيارة تلك المدن وأنهم سوف يُعيدونه الي أرضه بعد انتهاء رحلتهم ، وحتى يُطمئنه لصدق كلامه ، قال له سنترك اشياءنا هنا وعند العودة نأخذها معنا فتركوا بكارج القهوة والشاي وبعض المأكولات ، وبعض الاغراض الأخرى والتي توحي بأنهم سيعودون الي نفس المكان ، وقلت له يا والدي يقول الحادي : أصحىٰ من النوم وأقول ، ربك بيعدلها ، وما بين الصبح والمسا ، ربك بيعدلها ، بلدي أمام عيني ومش قادر أعدى إلها ، وعلى مضض اقتنع جدك واطمأن لصدق القول ، فنهض عن الأرض متململاً وهو يأخذ شيئاً من رمال أرضه ويضعها في باكو من الورق ثم يضعها في جيبه وتوجه الي السيارة ، وركب الجميع وانطلقت السيارة في اتجاه الشمال

لم يتوقف الحديث عن كل شبر أرض يمرون بها وكذلك القرى القريبة من قريتنا ، وأخذ السائق يحدثهم عن التغيرات التي قام اليهود بعملها في المناطق والمدن ومررنا بمدينة اسدود ثم توقفونا لحظات عند إشارة تبين آخر مكان كان متواجد فيه جيش الإنقاذ العربي (الجيش المصري) والتي أُعتبرت نهاية حدود تقسيم فلسطين ونصيب الفلسطينيين من أرض فلسطين في جنوبها ، وانتبه الجميع أن حركة البناء اليهودي ( فى هذا المكان حتى حدود قطاع غزة منطقة معبر إيرز) لم يشملها الكثير من البناء على مدى العشرون عاماً من زمن الهجرة ، على اعتبار بأن هذه الأرض ليس لهم فيها أيّ حق (بحكم قرار التقسيم ١٨١ ) الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة ٢٩/١١/١٩٤٧ والذي رُفض من قبل القيادة السياسية الفلسطينية آنذاك والتي تمثلت بزعامات العائلات النافذة والطبقة البرجوازية الفلسطينية والتي ربطتهم علاقات المصالح الشخصية منذ زمن الدولة العثمانية وحتى زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين وانتدابهم لإدارة شؤون البلاد في ظل بدء تصاعد الصدام الفلسطيني مع المهاجرين اليهود الآتين من أوروبا للاستيطان في فلسطين تمهيداً لطرد أهلها الأصليين.

استمرت السيارة في السير وهم يشاهدون ما تبقى من آثارٍ للقرى الفلسطينية على جانبيّ الطريق ، هذا مبنى( مقهى كريزم في بلدة اسدود ، وذاك مسجد بلدة سكرير وهذا وادي سكرير ، وتلك أراضي قرية كذا ، وكذا ، حتى اقتربوا من مدينة يافا ولم يكن هناك إلا بعض التجمعات السكانية والمدن اليهودية التي بنيت بعد تهجير الفلسطينيين ، بدأنا بالدخول لمدينة يافا ، التي لم يتغير فيها الكثير سوى أن المهاجرين اليهود تم إسكانهم في بيوت الفلسطينيين التي تركوها بعد أن قامت (عصابات الهجانا وشتيرن ) بقصف المدينة لإجبار أهلها لتركها ، إلا أن العديد من سكانها بقوا فيها ولم يغادروها رغم أن العديد منهم قد قُتل جراء قصف اليهود للمدينة ، كانت الكآبة والحزن لازال مخيماً على يافا عروس البحر المتوسط مدينة الحضارة والتاريخ الذي فاع عبقه وبدأنا نستنشقه عندما بدأنا نشاهد المباني والحارات والأسواق التي كنا نبيع فيها منتوجاتنا الزراعية من خضراوات وفواكه وأعناب ، ومررنا بالميناء الذي كان يُصدر من خلاله برتقال فلسطين الي العالم ٠

كانت تبدو على المدينة عراقة حضاراتها وعمرانها ولكن قد انطفأت البهجة وبريق هذه المدينة المحتلة والتي تقاسمها اليهود مع من تبقى من اهلها الاصلين ، استوقفنا بعض الأشخاص بعد أن شاهدوا بأن السيارة التي نركبها لا تحمل لوحة تسجيل اسرائيلية ( و هي باللون الاصفر ) و إنما تحمل لوحة (باللون الفضي ) و كتب على جانبها حرف (ع ) بالعبرية وتعنى بأن السيارة قادمة من غزة ، سالونا ، الإخوة من أين ؟ ، قال لهم السائق من غزة ، بدت الدهشة على وجوههم و انهمرت الدموع من أعينهم و طلبوا من الجميع بالنزول من السيارة لاستضافتهم فنزلنا و دار حديث بيننا جميعا بعد أن تجمع العديد من الأشخاص و السيدات حولنا و امتلأ الحديث بالشجن و الحزن تارة ، و بالفرح لإلتقائهم معنا تارةً أخرى ، و عبروا كثيراً عن ذكرياتهم قبل تمزق الوطن و نهبه و بعثرة أهله وتهجيرآلاف العائلات منه ، كان الحديث حاراً وعاطفياً ، لا ينتهي ، الا أن والدك كان قد تعمق كثيراً في الحديث خاصة عن أهالي يافا من المهاجرين الى القطاع الذين سكن بعضهم في مخيم الشاطئ للاجئين وكانوا جيراناً لنا ، و تربطهم بنا علاقات طيبة و بدأ يذكر لهم اسماء تلك العائلات ، فبعض المتواجدين قالوا فلان ابن عمي و فلان ابن خالي و فلان و فلان ... ، استمر الحديث عن ذكريات حضورهم من حمامة الى يافا لبيع العنب و منتجاتهم الزراعية من الخضار و الفواكه ، و كيف كانوا يحضرون الى يافا بواسطة الجمال المحملة بالمنتوجات الزراعية ، و كيف كانت تبدأ رحلتهم منذ الفجر ليقطعوا المسافة بين قريتهم (حمامة) و( يافا) و التي تزيد عن الثلاثون كيلو متر ، و بعد البيع يتناولون بعض الطعام في مطاعم يافا المشهورة بعمل الكباب و الكفتة و الحمص و الفول و التي كانت تفتقرها قراهم ، و بعد ذلك تبدأ رحلة عودتهم إلى القرية و التي تنتهي إلى ما بعد صلاة العشاء ، و كانت رحلتهم تنطلق عبر شاطئ البحر مروراً بالميناء و مراكب و قوارب الصيد والتى يقفون بالقرب منها و لم يجدوا أي تغيير عليها و كأنهم غادروها بالامس ، إنتهىٰ الحديث ، ثم بدأ سيرنا للخروج من يافا مروراً بمسجد (حسن بيك) الشهير و الذي بدىٰ و كأن عوامل الزمن لم تغير منه شيئاً ، حيث بدأت تظهر المباني الفلسطينية والتى سكنها اليهود ولم يتغيرعليها أيّ شئ كما بدأت تظهر المبانى الجديدة التي بُنيت لليهود بعد هجرةالفلسطينيين ، ثم اقتربنا من مدينة تل أبيب اليهودية و التي شعر الجميع بأن حجمها قد ازداد عما كانوا يشاهدونه سابقاً ، و استوقفتهم أحدىٰ لوحات الاعلانات التي تُشير إلى ( مستشفى تل هاشومير اليهودي) فصرخ جدك و والدك هذه تل الزهور وهو اسم هذه الأرض و التجمع العربي الفلسطيني الذي ازال اليهود معظمة لبناء ذاك المستشفى الذي لاصق معسكراً قديماً للجيش البريطاني ، و الذي أصبح جزءاً من مستشفى تل هاشومير بعد انسحاب بريطانيا من فلسطين تمهيداً للإعلان عن قيام ما سُمي بدولة إسرائيل ٠

إستَمِر بالسير يا ولدي ، قالها والدك للسائق : فسار بنا باتجاه الشمال عبر الطريق الساحلي في معظمه محاولين الوصول الى حيفا و الجليل ، و طوال الطريق لم تنقطع مشاهدتنا للقرى العربية ، و كان الوجود الظاهر و الغالب ، بأننا نسير في فلسطين العربية التي لا وجود لليهود على ارضها ، باسثناء بعضاً من التجمعات السكنية والبلدات الجديدة التي بنيت لليهود ، وكذلك لوحات الاعلانات و اشارات المرور و جميعها باللغتين العبرية و العربية والتى كانت مثبتةً على الطرقات الكبيرة والتي لم تكن بهذا الشكل قبل الهِجرة ٠

مرنا عبر مُدن الناصرة و حيفا و عكا و غيرها من البلدات التي لم نشعر بوجود يهودي كبير فيها باستثناء مدينة الناصرة التي قام اليهود ببناء مدينة على ارتفاع عالٍ أسموها (الناصرة عليت ) أي الناصرة العليا وجميع هذه المدن وغيرها لا زالت تحمل نفس الأسماء العربية والكنعانية التى تُطلق عليها ٠ توقفنا في عكا وشاهدنا أسوارها و حصونها التي هزمت نابليون بونابرت وقمنا بالصلاة في مسجد الجزار ، ثم واصلنا سيرنا مارين بمعظم المدن الفلسطينية و لم نشاهد تواجداً يهودياً في هذه المدن باستثناء تجمعات و بلدات يهودية بنيت على مسافات مختلفة منها ، ثم توجه السائق بنا إلى الضفة الغربية بعد أن مررنا بمدينة صفد و طبرية و بُحيرتها متجهين إلى الضفة الغربية مارين عبر العديد من مدنها ، وهنا طلبنا جميعاً من السائق بالتوجه بنا إلى القدس فقال سنمر عبر القدس الغربية وهي جميع سكانها من اليهود المتدينين والمتزمتين ومن ثم سنمر إلى القدس الشرقية العربية الفلسطينية ، لذا أرجوا عدم الإكتراث لأيّ ألفاظ نابيةً أو إستفزازيةً تصدر من اليهود المتدينون ضدنا ، توافقنا على ذلك ، وما أن خرجنا من مدينة ( رام الله ) فإذا بقبة الصخرةِ تبدو أمامنا وكأنها تستعد لإستقبالنا ٠

وصلنا القدس وفى سباقٍ مع الوقت حاولنا زيارة مسجد الأقصى وقبةِ الصخرة بعد أن دخلنا سور القدس عبر ( باب العامود ) وهو الباب الذي يقودنا إلى المسجد الأقصى وقبةِ الصخرة ، وهنا انتابنا جميعاً شعوراً ممزوجاً بعبق ورائحة التاريخ تُبهرنا عظمة وقدسية المكان ، شاهدنا كل شئ فى المسجد الأقصى وأثر الحريق الذي تعرض له والذي تسبب فى حرق منبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي وجميعنا صلي ركعتين لله تعالى في جوٍ من الحزن والألم لضياع القدس ، وبعد ذلك ذهبنا إلى مسجد قبة الصخرة المقابل للمسجد الأقصى وكان جماله وقبته الذهبية غاية فى الجمال والروعة ٠

ودعنا القدس على أمل العودة إليها يوماً ما ، ثم واصلنا السفر إلى مدينة الخليل ، و هنا بدأ والدك يحدثنا عن ذكرياتهم ايام كانوا يحضرون إليها بواسطة الشاحنات لبيع محاصيل العنب و بعض منتوجات الخضار في سوقها المركزي ، و بعد أن تناولنا بعضاً من الطعام و امضينا وقتا من الراحة و كان الوقت تجاوز ساعات العِشاء ، ركبنا السيارة وبدأنا العودة إلى غزة ، وكان التعب والارهاق من السفر الطويل ظاهرٌ علينا ، و ما ان شعر جدك بأننا نمر عبر ايرز و اذا به يصرخ في وجه خالك وين نحن رايحين ... فقال له مروحين الى غزة ... لا انا بدي ارجع الى قريتي و ارضي في حمامة أليس هذا الاتفاق أن تعيدوني إليها ، ضحكنا جميعا و قال له خالك في المرة القادمة إن شاء الله تعالى ....

و بالطبع لم تكن هناك مرة قادمة حيث بعد ثلاثة أيام كان تصريح الزيارة الخاص بخالك قد قارب على الانتهاء ، و قرر العودة إلى مكان عمله في الامارات ، و منذ ذالك اليوم حتى الآن لم يعد الى غزة و لم أراه لا هو و لا زوجته و لا أبنائه و كذلك باقى أخوالك ، وقد توفيّ فى الإمارات ولم أرهُ ٠

هذا التشتت والتمزق يا بنيّ أصاب مُعظم العائلات الفلسطينية بعد حرب عام ١٩٦٧ م بل بدأ مع عام النكبة والهجرة عام ١٩٤٨ م ٠

ولا زال هذا التشتت والتمزق والظلم يلاحق الشعب الفلسطيني فى كل الأوقات وفى كل الأماكن ، ولا زالت كل الضمائر غائبة لإحقاق الحقوق الفلسطينية ٠٠٠ بل هي ضمائر ميِّتة٠

 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط