كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

حكاية بنيوية من الزمن الآتي

حكاية بنيوية من الزمن الآتي

تاريخ النشر: 2024-04-27 | 09:50

 وأنا أرتب بعض الكتب والمجلات في مكتبتي، لفت انتباهي جريدة قديمة كنت أواظب على اقتناء عددها الأسبوعي الذي كان دائما يتلألأ بملحقه الثقافي وكثير من إبداعات الشباب التي تكون إلى جانب كتابات الرواد الكبار ومقالات الباحثين المتخصصين في مختلف العلوم الإنسانية والكتابات الفنية والأدبية. وكل ذلك اليوم أصبح من التراث الثري المأسوف عليه، عنوان مرحلة مأسوف عليها أيضا، وهي مرحلة الصحافة المكتوبة والسلطة الرابعة فعلا، مرحلة الاعلام الصلب قبل ميوعة هذه الأيام بجل أشكالها المسموعة والمرئية، المكتوبة والإلكترونية، مرحلة القراءة المسترسلة والكتابة الهادفة والسجال الفكري والتدفق الإبداعي على المستوى التنظيري وعلى أرض الواقع المدني الميداني، " إوى الدوام لله".

          كان مما لفت انتباهي في جريدتي القديمة، بابها المعنون ب " منوعات مختلفة: Faits Divers" وكانت الجريدة – مشكورة – تنشر لي بعض المحاولات في هذا الباب، اعتدت على نسجها كمحاولات تدريبية في هذا الصنف الصحفي الذي لا يهتم لا بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا حتى بالشعر والفن والثقافة، أكثر مما يجد ضالته في وقائع عادية من حياتنا اليومية، يمكن لكل منا وخاصة المبتدئين أن ينسجوها ويستقوها بالأخص من واقعهم الذي يزخر بها، فقط، مع مراعاة قالبها المعروف كما درسناه في المرحلة الثانوية: " ماذا حدث.. ومتى وكيف.. وأين ومع من.. وما النتيجة"، أو العبرة التي تكون في العادة واضحة أومضمرة ولكنها متروكة لذكاء القاريء، يجليها زمن الحدث بين الماضي الناقص والمركب".

          وقفت في الجريدة على حكاية من الزمن الماضي، رأيتها اليوم من الزمن الحاضر أيضا، بل حكاية بنيوية من الزمن الآتي، وكأن الزمن لا يتغير، أو ربما نحن من لا يتغيرون بقدر ما يلح علينا كل شيء في أن نتغير، ولا ندري ماذا يلزمنا وكم يلزمنا من أجل هذا التغيير الإيجابي طبعا؟. على أي، تقول الحكاية وعنوانها: " طفلة ضحية الإهمال السافر": " بعدما فشلت في مفاوضاتها مع أمها التي رفضت أن تسمح لهما بالخروج أو حتى اللعب بالقرب منها وفي حضرتها في المنزل، فخبأت لهما ألعابهما، أخذت اليافعة بيد أختها الصغيرة ذات 4 سنوات، وخرجتا خفية عن أمهما إلى حديقة الحي كذا.. بمدينة كذا.. على الساعة كذا.. خلال اليوم الأخير من العطلة الربيعية لأطفال المدارس. كان كل شيء سيمر بخير وتستمتع الطفلتان بخرجتهما، لكن حدث لهما حدث درامي كلفهما الكثير، كلفهما حياة الصغيرة البريئة، فكيف ذلك؟:

          بداية، عند الوصول إلى حديقة الحي، أجلست اليافعة أختها الصغرى في مقعد، وأوصتها ألا تتحرك منه وألا تغادره مهما كان، جلست بجانبها هنيهة ثم تحركت دون شعور للعب مع حشد من الأطفال رأتهم يلعبون مبتهجين بالقرب منها، بعدها أيضا تحركت الصغيرة بكل عفوية نحو حديقة مجسمات الألعاب بجوارها، امتطت ظهر حصان كهربائي لا يشتغل، وعندما أرادت ربطه بالكهرباء كي يتحرك كما قيل لها، صعقها سلك كهربائي ذو توتر مرتفع كان قد تدلى من عمود كهربائي ويتحرك حوله. أطلقت الطفلة صرخة قوية مزلزلة، وبسرعة فائقة تحلق أطفال الحديقة حولها، لقد أصبحت ممددة على الأرض، هامدة وربما ميتة رغم أنها تتنفس بصعوبة وبشكل ضعيف، علا الهرج والمرج وصراخ الحشد، حضر مسؤولو الحديقة، أخذوا يتحركون، نادوا للتو على السلطات.. على الشرطة.. على رجال الوقاية المدنية، وفعلا، حضر الكل رغم ما كان من التأخر الواضح عند البعض، لكن التأخر تأخر على كل حال، ونتائجه وخيمة، لقد ماتت الطفلة المصعوقة، حسب تحاليل رجال الوقاية التي قام الطبيب الشرعي بتأكيدها في المستشفى.

          وكيل جلالة الملك أعطى أمره بدفن المرحومة البريئة، ولكن أبويها طالبوا بحقوقها، لكن ضد من؟، من المجرم؟، من المسؤول؟، أو على الأصح، من المسؤول الحقيقي؟، هل هي الأم التي لم تسمح لبناتها باللعب في المنزل، ولم تتمكن من رأيتهما عند خروجهما منه؟، هل هي اليافعة القاصرة التي لم تكن مسؤولة كما ينبغي عن أختها، وتحملت مسؤولية لم تكن في استطاعتها؟، هل هي السلطات التي وصلت متأخرة وفوتت على الطفلة بصيص أمل الإنقاذ الممكن؟. هل هم رجال المكتب الوطني للكهرباء (O.N.E) الذين لم يحكموا تركيب الأسلاك الكهربائية رغم العديد من الشكايات المكتوبة التي توصلوا بها في الموضوع من طرف مدير الحديقة كما صرح بذلك؟.

          حقيقة، لن يكون الاتهام إلا ضد الإهمال القوي العارم والاهانة السافرة البطلة، وهي التي تكتسحنا دائما وتفتك بنا أكثر وأكثر؟. نعم، من يقصف الآن بلا شفقة ولا رحمة أطفال غزة الأبرياء؟. من يدفن كراتهم وألعابهم البلاستيكية.. دفاترهم و كتبهم المدرسية.. ملابسهم وأغراضهم الشخصية.. تحت المرعب من ركام منازلهم المدمرة عن آخرها؟. من يكسر أرجلهم ويقطع أيديهم ويغتصب براءتهم وكرامتهم وأرضهم بكل همجية وحيوانية، حتى يصعق من نجا منهم من الموت بالإعاقة واليتم والتشرد والتهجير..، كما صعقت الصغيرة البريئة بالكهرباء، فلا يستطيعون اللعب بعدها مدى الحياة وهو من حقهم ككل الأطفال؟. من أجرم ويجرم في حقهم بكل الأشكال في كل الأزمان؟، أليست هي البربرية الصهيونية الإسرائيلية وحلفائها؟. طبعا، هم ولا أحد سواهم. ولكن أيضا، حجم جحيم الإهمال القومي العارم والاهانة العالمية المتوحشة، ولا زالت تكتسحنا دائما وتفتك بنا أكثر وأكثر، رغم كل الشعارات الحقوقية المعلقة بحماقة على واجهاتنا الزجاجية المشروخة؟.

 

                                                                                               

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط